صحيح البخاري.. عبقرية التأليف لبيان عظمة السنة النبوية
بعد أن استعرضنا عبقرية شخصية الإمام البخاري، وعبقرية تأليفه لصحيح البخاري في فكرته بانتقاء الأحاديث الصحيحة فقط بل والأعلى في درجات الصحة، وهو ما شهد له كبار المحدثين والعلماء في عصره بالتوفيق في انتقائه، ثم ظهرت عبقرية البخاري وتأليفه في ترتيب كتاب صحيح البخاري وترتيب أحاديثه فيها بنهج يدل على فقهٍ عميق وفهم دقيق، وقد تجلى ذلك أيضا في تبويبات البخاري للأحاديث في الأبواب والكتب حتى ألّف الكثير من العلماء كتبا خاصة في شرح تبويبات البخاري وتراجمه.
نموذج فقه البخاري
اليوم وفي هذه المقالة سوف نبحر مع عبقرية البخاري من خلال استعراض نموذج فقه البخاري وفكره التربوي من كتاب (العِلم) في صحيحه من خلال دراسة الأستاذ الدكتور علي العجين، عن الفكر التربوي للبخاري في كتابه الماتع (الشرح التربوي لكتاب العلم من الجامع الصحيح للإمام البخاري).
فبدايةً جعل البخاري كتاب (العلم) ثاني كتاب في صحيحه بعد كتاب (الوحي)؛ مما يشير لرؤية واضحة عند البخاري تجاه السنة النبوية بأن العلم بالوحي الرباني -خصوصاً- والعلم -عموماً- هو أساس النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو بذلك يحارب الخرافة والجهل والتقليد الأعمى الذي جلب الكوارث للبشرية.
الربط بين القرآن والسنة
ثم ربط البخاري في صحيحه بين القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن نماذج ذلك أنه في بيان فضل العلم ومركزيته في العقيدة الإسلامية والسنة المحمدية جعل عنوان الباب الأول في كتاب العلم (باب فضل العلم وقول الله -تعالى-: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} وقوله -تعالى-: {ربّ زدني علمًا})، وهناك أبواب أخرى عنوانها آية قرآنية؛ مما يؤكد تناغم القرآن والسنة وتكاملهما، ويبطل مزاعم تعارض السنة مع القرآن أو أنها مخترعة لاحقاً!!
دور العلم في الشريعة
وهذا الوعي من الإمام البخاري بمركزية دور العلم في الشريعة الإسلامية جعلته يهتم بالكشف عن دقائق إشارات السنة النبوية لتعظيم مكانة العلم في المجتمع المسلم وكيفية إدارة هذه العملية، ويتضح هذا حين نجد البخاري يقرر في عناوين أبواب كتاب (العلم)؛ مما يقدم لنا نظرية تربوية متكاملة.
فالإمام البخاري يقرر من خلال تبويباته وإيراده الآيات والأحاديث أن «العلم قبل القول والعمل»، وأنه شرط لصحة الأعمال الدينية والدنيوية، وأن العلم سبب حصول الهداية والنجاة من الضلال، وأنه علامة إرادة الله الخير بالإنسان، وأن العلم يحقق الرضا الذاتي والتقدير الشخصي ومما يحسن الغبطة به.
العلم في القرآن والسنة
وينبّه البخاري إلى أن العلم في القرآن الكريم والسنة النبوية ممدوح ومبذول لجميع الناس، رجالاً ونساءً كباراً وصغارًا، فمِن أبواب كتاب (العلم) في صحيح البخاري (باب هل يجعل للنساء يوم على حدة للتعلم؟) (باب تعليم الرجل أَمَته وأهله) (باب عظة النساء وتعليمهن)، هذا الرقي والعدل في إنصاف النساء هو ما جاءت به السنة النبوية؛ ولذلك ارتفعت مكانة المرأة ودورها في الإسلام، في الوقت الذي كانت فيه النساء عند أمم العرب تعد من المتاع تورث وتهان، أو عند أمم أخرى تقتل بوفاة زوجها أو كانت تعد نجسة وملعونة، وأنها سبب الخطيئة وبريد الشيطان.
ولم يغفل البخاري بيان توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في رعاية الأطفال وتعليمهم حتى يقوموا بحمل رسالة الإسلام للعالم فبوّب البخاري (متى يصح سماع الصغير؟).
أهمية الفهم والتدبر
والإمام البخاري منتبه لأهمية الفهم والتدبر للعلم وعدم الاكتفاء بالحفظ؛ ولذلك بوّب على بعض الأحاديث فقال: (باب الفهم في العلم) و(باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم)، و(باب الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) في وعي بأهمية التدرج في التعليم لاكتمال الفهم، و(باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه) لضرورة مراجعة الفهم.
الأحاديث التوجيهية للمعلمين
وأورد البخاري عددا من الأحاديث التوجيهية للمعلمين لحسن إتمام العملية التعليمية تحت الأبواب (باب مَن ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) (باب من خصّ بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا) (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ربّ مبلغ أوعى مِن سامع) (باب ما كان النبي [ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا) (باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه) (باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) في إشارة لتوظيف لغة الجسد في التعليم.
الفقه العميق
بهذا الفقه العميق للإمام البخاري لدوْر العلم في الإسلام ورسالة التوحيد تمكن البخاري من جمع 75 حديثاً وزّعها على 53 باباً في كتاب (العلم)، كونت رؤية علمية فكرية، تبرز تكامل العملية التربوية والعلمية في السنة النبوية المطهرة وشموليتها.
فإذا استحضرنا أن البخاري جعل كتاب (العلم) في مقدمة صحيحه، وأن صحيح البخاري تم تدريسه وقراءته ملايين المرات عبر التاريخ وقام العلماء بشرحه في الدروس والكتب مرات لا تحصى، عندها نعرف دور البخاري وصحيحه في توجيه الأمة الإسلامية للعلم والتعلم؛ فتفوقت علميا وحضاريا تفوقا شهدت له البشرية جمعاء.
ولكن حين تحولت قراءة البخاري لطقوس شعائرية للبركة بدلاً من الفقه والتدبر، أو حين تم تعطيل قراءة السنة النبوية بسبب الجهل والتعصب المذهبي عمّ الجهل والتخلف ديار المسلمين، ولحقتهم الهزيمة والتبعية، فهل مِن عودة علمية صحيحة لصحيح البخاري الذي جمع لنا فقه القرآن الكريم والسنة النبوية في صحيحه، وتقبله العلماء والمسلمون عبر التاريخ؟
فقه السنة النبوية وفهمها
إن البخاري جعل عبقريته في فقه السنة النبوية وفهمها في عناوين الأبواب التي أودع فيها فقهاً غزيراً وفهماً عميقاً حدا بعدد من العلماء لتأليف كتب كاملة لشرح فقه البخاري في عناوين الأبواب وتراجمها منها: كتاب: (المتواري على تراجم البخاري) لناصر الدين أحمد بن المنير، وكتاب: (فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة) لمحمد بن منصور السلجماسي، وكتاب مناسبات تراجم البخاري لبدر الدين بن جماعة الشافعي.
ربط القرآن الكريم بالسنة النبوية
وقد أبدع البخاري في هذه التراجم من خلال ربط القرآن الكريم بالسنة النبوية؛ حيث يكون العنوان أحياناً آية قرآنية وجزءا منها، وأحيانا يكون العنوان حديثا معلقا؛ لأنه لم يستكمل شروطه في الصحة فوسع دائرة الاستشهاد ولم يخل بشرطه المعياري، وكذلك قد يتضمن العنوان أو الترجمة قول الصحابة؛ مما وسع دائرة اختيار البخاري في الفهم والفقه مع الحفاظ على شرطه في قوة الصحة، وهذا كله من إبداع التأليف والجمع الذي ربط قوة الحفظ واتساعه مع قوة الفهم وشموله.
هذه المنهجية العبقرية في تأليف البخارى لصحيحه لخصها د. العجين في مثلث: اشتراط أعلى درجات الصحة، الاستنباط الدقيق من الأحاديث، التناسب البديع في ترتيب الكتب والأبواب والأحاديث، هذه المنهجية الصارمة هي التي جعلت البخاري يستغرق 16 سنة في جمع صحيحه وترتيبه، بل كان البخاري يستيقظ من النوم فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره ثم ينام مرات عدة تكاد تبلغ 20 مرة في الليلة!
لكن النتيجة كانت أن البخاري بعد أن أنجز كتابه هذا وعرضه على كبار العلماء والمحدثين كالإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم فرضوه وشهدوا له بالصحة، وتقبلته من بعدهم الأمة بالرضى والقبول؛ إذ سمة العبقرية والإبداع تقبل البيئة المجتمعية لها، فقرأ البخاري صحيحه على 90 ألفا من طلبة العلم في حياته، وبعد مماته فقد انتفع بكتابه هذا مئات الملايين، وهذا ما يغيظ الأعداء ويجعلون البخاري في مركز هجومهم على الإسلام والسنة النبوية.
لاتوجد تعليقات