شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: السَّادِسُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ الْإِيْمَانُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ
- من فوائد الإيمان باليوم الآخر الاطمئنان واليقين بعدل الله تعالى وأنه سبحانه سوف يجازي الخلائق حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء
- من فوائد الإيمان باليوم الآخر: قلّة الركون إلى الدنيا والصبر عليها احتسابًا وثقة بما عند الله تعالى من حسن الجزاء والثواب
- تلقى الصحابة رضوان الله عليهم علوم الغيب دون السؤال والاستفسار اللهم إلا السؤال الذي يقصد به طلب السلامة وملازمة طريق الهدى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
- السادس من شعب الإيمان هو الإيمان باليوم الآخر لِقَوْلِ اللهِ -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 29). قَالَ الحليمي: وَمَعْانَهُ التَّصْدِيْقُ بِأَنَّ لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ، وأنها منقضيةٌ، وَهَذا العَالَمَ مُنْقَضٍ يَوْمًا ما، فَفي الاعْتِرافِ (بانْتِفائِهِ)، اعْتِرافٌ بِابْتِدائِهِ؛ إذ القَديمُ لا يَفْنَى ولا يَتَغَيَّرُ، وَفِي (الصَّحِيْحَيْنِ) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَقُوْمَنَّ السَّاعَةَ، وَ(قَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ) ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُما لا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْويَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَة، وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها، وقَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطْعَمُها» الْحَدِيْثُ.
الشرح
(الإيمان باليوم الآخر) وهو ركن من أركان أعمال القلب، يزول الإيمان بزواله، ويظهر أثره على عمل الإنسان، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر يوم من أيام الدنيا؛ حيث ينقل الله -تعالى- الخلائق إلى عرصات يوم القيامة، وفي هذا اليوم يأذن الله -تعالى- بدمار الحياة الدنيا، فالسماء تتشقق، والشمس تتكور، والنجوم تُطمس، والجبال تُنسف، والأرض تُبدّل، كما ورد في سور: الواقعة، والقيامة، والنازعات، والتكوير، والانفطار، والمطففين، وغيرها في ذكر أهوال يوم القيامة.- قوله: لقول الله -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 29)، يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: «فأَمر ـ بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكرامًا لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل».
التصديق بأن لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ
- قوله: قال الحليمي: ومعناه التصديق بأن لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ، وأنها منقضيةٌ، أي: أن أيام الدنيا إلى انتهاء وإلى أجل معلوم، وقوله: (وَهَذا العَالَمَ مُنْقَضٍ)، أي: أن الدنيا كلها ستنتهي في اليوم الآخر.
- قوله: «فَفي الاعْتِرافِ بانْتِفائِهِ اعْتِرافٌ بِابْتِدائِهِ»، أي: أن لكل شيء من المخلوقات نهاية وبداية، وهذا بحق المخلوق، أما الخالق فهو كما قال الله -تعالى-: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد: 3).
- قوله: «إذ القَديمُ لا يَفْنَى ولا يَتَغَيَّرُ»، قلت: لفظ القديم إذا كان المقصود به الإخبار عن الله -عز وجل- فهذا لا بأس به، إذ إن باب الإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء والصفات، ولكن إن كان المقصود به التسمية بالقديم، فهذا فيه إشكال.
مسألة مهمة: ضابط كون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى
وهنا تأتي مسألة وهي: ما ضابط كون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى؟- يقول الشيخ صالح آل الشيخ: الاسم يكون من أسماء الله الحسنى إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط، أو اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
باب الأسماء أضيق من باب الصفات
وهذا ينبني على فهم قاعدة أخرى من القواعد في منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وهي: أنَّ باب الأسماء الحسنى، أو باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأفعال، وباب الأفعال أضيق من باب الإخبار، وعكس ذلك. فتقول: باب الإخبار عن الله -عز وجل- أوسع، وباب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى، وهذه القاعدة نفهم منها أنَّ الإخبار عن الله -عز وجل- بأنه «قَديمٌ بلا ابتدَاء»، لا بأس به؛ لأنه مشتمل على معنى صحيح، فلما قال: «قَديمٌ بلا ابتدَاء» انتفى المحذور، فصار المعنى حقًا، ولكن من جهة الإخبار، أما من جهة الوصف، وصف الله بالقدم فهذا أضيق؛ لأنه لا بد فيه من دليل.اجتماع الشروط الثلاثة
وكذلك باب الأسماء، وهو تسمية الله بالقديم، هذا أضيق، فلابد فيه من اجتماع الشروط الثلاثة التي ذَكَرْتُ لك، والشروط الثلاثة غير منطبقة على اسم القديم، وعلى نظائره كالصانع، والمتكلم، والمريد، وأشباههم لأمور:- أولا: لم تَرِدْ في النصوص، فليس في النصوص اسم القديم، ولا اسم الصانع، ولا اسم المريد، ولا اسم المتكلم.
- ثانيًا: اسم القديم لا يُدعى الله -عز وجل- به؛ أي: لا يُتوسل إلى الله به؛ لأنه في ذاته لا يحمل معنىً متعلقًا بالعبد فيسأل الله -عز وجل- به، فلا يقول: يا قديم أعطني، لأنه لا يُتوسل إلى الله بهذا الاسم، كما هي القاعدة في الآية: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180)، فثَمَّ فرق ما بين التّوسل بالأسماء والتّوسل بالصفات.
- ثالثًا: من الشروط: التي ذكرناها هي أن تكون مشتملة على مدحٍ كاملٍ مطلق غير مختص، وهذا نعني به أنَّ أسماء الله -عز وجل- هي متضمنة لصفات. وهذه الأسماء لابد أن تكون متضمنةً للصفات الممدوحة على الإطلاق، غير الممدوحة في حال، والتي قد تذم في حال، أو ممدوحة في حال وغير ممدوحة في حال، أو مسكوت عنها في حال. وذلك يرجع إلى أنَّ أسماء الله -عز وجل- حسنى، أي: أنها بالغة في الحسن نهايتَه. ومعلوم أن حُسن الأسماء راجع إلى ما اشتملت عليه من المعنى وما اشتملت عليه من الصفة.
الكمال مطلقًا بلا تقييد وبلا تخصيص
والصفة التي في الأسماء الحسنى والمعنى الذي فيها لابد أنْ يكون دالًا على الكمال مطلقًا بلا تقييد وبلا تخصيص، فمثل اسم القديم، هذا لا يدلّ على مدحٍ كامل مطلق، ولذلك لما أراد المصنف أنْ يجعل اسم القديم، أو صفة القِدم مدحًا قال: «قَديمٌ بلا ابتدَاء»، وحتى الدائم هنا قال: «دَائمٌ بلا انْتهاء»، لكن لفظ القديم قيّده بكونه (بلا ابتدَاء)، وهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقًا وحسنًا ووصفًا مشتملًا على مدح حق. ا.هـ.- قوله: وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «والذي نفس محمد بيده، لتقومن الساعة و«قد نشر الرجلان» ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُما لا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْويَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها، وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطْعَمُها» الحديث.
المعنى العام للحديث
بيان سرعة قيام الساعة، وأنها تقوم بغتةً تفجأ الناس وهم في حياتهم اليومية، في البيع والشراء والأكل والشرب والزراعة وهكذا.- قوله: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه»، وللبيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «ولتقومن الساعة على رجلين قد نشر بينهما ثوبًا يتبايعانه، فلا يتبايعانه ولا يطويانه».
- قوله: «ولتقومن الساعة» قَسَمٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - واللام هنا للقسم. (وهو) أي: الرجل.
- قوله: «يليط حوضه» بفتح أوله من الثلاثي وبضمه من الرباعي، والمعنى يُصْلِحهُ بالطين والْمَدَر، فيسُدّ شُقوقه ليملأه، ويسقى منه دوابه، يقال: لاط الحوض يليطه، إذا أصلحه بالمدر ونحوه.
- قوله: «ولتقومن الساعة وقد رفع أُكْلَتَهُ» بالضم، أي: لقمته إلى فيه.
- قوله: «فلا يطعمها» أي: تقوم الساعة من قبل أن يضع لُقمته في فيه، أو من قبل أن يمضغها، أو من قبل أن يبتلعها.
- قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها»، وهي الناقة ذات الدَّر، وهذا كله إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة وأسرع من رفع اللقمة إلى الفم.
فوائد الإيمان باليوم الآخر وأثره على المؤمن
- من آمن باليوم الآخر استعد له، وجدَّ واجتهد في تحصيل ما ينفعه، والبعد عما يضره.
- الحرص على عدم الانتقال من هذه الدار إلى دار القرار إلا بعمل صالح، وزاد صالح.
- الاطمئنان واليقين بعدل الله -تعالى-، وأنه -سبحانه- سوف يجازي الخلائق، حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
- الزهد في هذه الدنيا وعدم الحرص عليها، والرغبة فيما عند الله -تعالى- من النعيم المقيم.
- عدم الحزن على ما يفوت من هذه الدنيا، وكذا عدم الفرح بما يحصل منها، على اعتبار أن هذا وهذا من الله -تعالى-، وهو لاختبار العبد ومعرفة ما يقابل الابتلاء بالمصيبة، وما يقابل الابتلاء بالنعمة.
- ومما ذكره الحليمي من فوائد الإيمان باليوم الآخر: «قلة الركون إلى الدنيا، والتهاون بأحزانها ومصائبها، والصبر عليها وعلى مضض الشهوات؛ احتسابًا وثقة بما عند الله -تعالى- من حسن الجزاء والثواب».
فوائد الحديث
- إن أحوال الناس ستبقى كما هي من حيث البيع والشراء ورعاية الأنعام.
- ظاهر الحديث يشعر أن هؤلاء حثالة الناس كل لكع بن لكع، بدليل انشغالهم بأمور الدنيا مع رؤيتهم لعلامات الساعة الكبرى التي تسبق قيام الساعة، ورغم ورود أحاديث كثيرة في فضل العبادة بأيام الهرج والفتنة.
- دقة وصف الحديث لحياة الناس وانقضاء أمر الدنيا؛ حيث وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدق تفاصيل الحياة اليومية.
- القسم لتأكيد الأمور المهمة وبيان عظمتها للناس.
- تلقي الصحابة -رضوان الله عليهم- علوم الغيب دون السؤال والاستفسار، اللهم إلا السؤال الذي يقصد به طلب السلامة وملازمة طريق الهدى، مثلما وقع في سؤالهم عن الصلاة وأوقاتها في اليوم الذي يخرج فيه الدجال، وهو يومٌ كسنةٍ، ومثلما وقع في أسئلة حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - كقوله: كان الناس يسألون عن الخير، وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني.
لاتوجد تعليقات