شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… السادس عشر من شعب الإيمان: شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر
- الحبّ لله وفيه هو من لوازم محبة ما يُحبّ الله ولا تستقيم محبّة ما يحبّ الله إلا بالحبّ فِيه وله سبحانه
- معرفة شُعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية في الدنيا والآخرة
- لا ينبغي لنا أن ندع أهل الكفر وأهل الفسوق وندعهم للشياطين تلعب بهم بل نؤلفهم ونجذبهم إلينا بالمال واللّين وحُسن الخُلق حتى يألفوا الإسلام
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
- السادس عشر من شُعب الإيمان: «شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر»، لحَدِيث أنس الْمُتَّفق عَلَيْهِ: (ثَلَاثٌ من كُنّ فِيهِ وجَد بِهنَّ حلاوة الإيمان» ثمَّ قَالَ: «وأنْ يُلقى فِي النَّار أحبُّ إليه من أنْ يَرجعَ إلى الْكفْر بعد أنْ أنقذه اللهُ مِنْهُ»، وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَالرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَالرَّجُلُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»، ولحديثه أَيْضًا فِي صَحِيح مُسلم: «إن رجلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَاهُ غنمًا بَين جبلين، فَأتى قومه فَقَالَ: أَسْلمُوا، فوَ الله إِن مُحَمَّدًا ليعطي عَطاء رجل لَا يخَاف الْفَاقَة. فَقَالَ أنس: وَإِن كَانَ الرجل يجِيء إلى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - مَا يُرِيد إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُمْسِي حَتَّى يكونَ دينُه أحبَّ إليه وأعزَّ من الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا».

الشرح
المعنى الإجمالي للحديث: «شُحّ المرءِ بدينه حتى يكونَ الإحراقُ بالنار أحبَّ إليه من أن يعود إلى الكفر»؛ هذا دليل على قوة الإيمان وحلاوته في قلب صاحبه، ودليل على يقينه بالغيب؛ فالإنسانُ الذي يُسْلِم وجُلّ همّه الدنيا فحسب، ثم تنصلح نيّتُه طمعًا في الآخرة، فيزهد في الدنيا الفانية وما فيها، ويطمع بما عند الله؛ تَحَوُّله هذا دليلٌ على قوة إيمانه؛ لأن الحياةَ الآخرةَ للمؤمن بعد الموت أفضلُ له وأحبُّ من هذه الحياة القصيرة.معاني المفردات
- الشُّحُّ: البخل مع حرص. تقول: شحِحت بالكسر تشحّ.
- قوله: (شُحّ المرء بدينه) أيْ: حرص المرء على دينه كما يحرص على عدم دخوله النار.
- كره أن يقذف في النار: أيْ يستوي عنده الأمران.
- قوله لحديث أنس: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوةَ الإيمان».
- قوله: (ثلاثٌ) هو مبتدأ، والجملة الخبر.
- قوله: (كنّ) أيْ (حصلْن)، فهي تامة.
- قوله: (حلاوة الإيمان) بيان لحقيقة عظيمة من حقائق الإيمان وهو حصول حلاوة حقيقة في قلب المؤمن, يجدها ويشعر بها، ويلتذ بطعمها كما يجد حلاوة السكر في فمه.
أنواع المحبة
هنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضلّ من ضلّ؛ لعدم التمييز بينها:- النوع الأول: محبة الله، ولا تكفي وحدَها في النجاة من الله ومن عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعبّادَ الصليب واليهودَ وغيرَهم يزعمون أنهم يحبّون الله، قال علماء التفسير: زعم اليهود والنصارى محبة الله فأمتحنهم الله بهذه الآية الكريم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31).
- النوع الثاني: محبة ما يحبّ اللهُ، وهذه هي التي تدخل العبدَ في الإسلام وتخرجه من الكفر، فأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
- النوع الثالث: الحب لله وفيه، وهو من لوازم محبة ما يحب اللهُ، ولا تستقيم محبة ما يحب اللهُ إلا بالحب فيه وله.
- النوع الرابع: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا لله، ولا من أجله، ولا فيه؛ فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين.
- قوله: (فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ). أَيْ: كَثِيرَةً كَأَنَّهَا تَمْلَأُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ.
- قوله: (فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا).
- قال الشيخ ابن عثيمين: «ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، ولا أن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو ذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء، بل إن الله جعل لهم حظًا من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه».
فوائد شُحّ المرء بدينه
- الحرص على أداء الواجبات كاملة غير منقوصة.
- إكمال النواقص منها بكثرة النوافل والاستغفار.
- البعد عن مواطن الشبهات والشهوات.
- السؤال عما أشكل من أمور الدين.
- الاستبراء للدين والعرض.
- الخوف والخشية من الله.
- الرجاء فيما أعده الله -تعالى- ثوابًا للصابرين.
- الخشوع في أداء الصلوات وسؤال الله -تعالى- القَبول.
- متابعة العبادة تلو العبادة مع تنويعها.
- محاسبة النفس على التقصير.
لاتوجد تعليقات