رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران 12 يناير، 2026 0 تعليق

شَرْحُ مُخْتصر  شُعَب الإيمان.. السابع عشر من شُعب الإيمان:  طلبُ العلم      (٢)

  • إذا عزم العبد على التعاون مع أخيه في أمر من الأمور فيه دفعُ شرّ عنه أو جلبُ خير له قولًا كان أو فعلاً فلا ينبغي له أن يتردد عن إنفاذه
  • من أبواب الخير التي يمكن التعاون فيها طلب العلم والمراد به العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى
  • رفعة الدرجات تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت والحسية في الآخرة بعلوّ المنزلة في الجنة
  • ذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر رضي الله عنهما: إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب!
 

إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.

        واليوم نستكمل الحديث عن الشعبة السابعة عشرة وهي طلب العلم، وَهُوَ معرفَة الْبَارِي -تعالى- وَمَا جَاءَ من عِنْد الله، وَعلم النُّبُوَّة، وَمَا يُمَيَّزُ بِهِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَن غَيره، وَعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، وَمَعْرِفَة مَا تطلب الأحكام مِنْهُ، كالكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس، وشروط الِاجْتِهَاد، وَالْقرآن والْحَدِيث مشحونان بفضيلة الْعلم وَالْعُلَمَاء.

فضل أهل العلم

  • قوله: قال الله -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، قال الإمام السعدي: «وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرتَه التأدبُ بآدابه والعملُ بمقتضاه»، و«كان مطرف بن عبدالله بن الشِّخِّير يقول: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة، وخيرُ دينكم الورع، وكان عبدالله بن مطرف يقول: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صومًا وصلاة وصدقة، والآخر أفضل منه بونًا بعيدًا، قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدّهما ورعًا لله عن محارمه».
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11): في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به»، ورفعة الدرجات تدل على الفضل؛ إذ المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلوّ المنزلة في الجنة.

تنبيه عظيم على فضيلة العلم

  • قوله: وقال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله -تعالى-: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31)، قال صاحب (الكشاف): «أراد بالذين يعلمون: الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون: الذين لا يأتون بهذا العمل، كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من لا يعمل فهو غير عالم، ثم قال: وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة.

تفاوت عظيم

       ثم قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9) يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه إلا أولو الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضًا يدل على فضيلة العلم؛ لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جَرَم تركوه»، «أيْ: الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حق والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك، أو المراد العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجَّاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل المراد بالذين يعلمون: هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به؛ لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم».

قبض العلم بقبض العلماء

  • قوله: «وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس»، «أيْ: محوًا من الصدور، والمراد به علم الكتاب والسنة وما يتعلق بهما، يعني: لا يقبض العلم من الناس بأن يرفعه من بينهم إلى السماء، «ولكن يقبض العلم» أيْ يرفعه و «يقبض العلماء» أيْ بموتهم وقبض أرواحهم «حتى إذا لم يترك» أيْ: الله -تعالى- «اتخذ الناس رؤوسًا»، وفي الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذمّ من يقدم عليها بغير علم».
قال بدر الدين العيني: «إن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء أو يمحوه من صدورهم، بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حمَلته، وقال ابن بطال: معناه أن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يخلف من مضى، فأنذر بقبض الخير كله، وكان تحديث النبي - صلى الله عليه وسلم- بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: خذوا العلم قبل أن يُقبض أو يرفع. فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم ذهاب حمَلته ثلاث مرات».

ذهاب العلم بذهاب العلماء

        قال ابن القيّم في دار السعادة: «فذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر - رضي الله عنه -: إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب، وقد تقدم قول عمر - رضي الله عنه -: «موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه»، قال الإمام النووي: «هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوَه من صدور حفاظه، ولكن معناه أنه يموت حمَلتُه، ويتخذ الناس جهّالا يحكمون بجهالاتهم، فيَضِلّون ويُضِلّون».

حديث عظيم

  • قوله: قال رسول لله - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا، يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، قال ابن دقيق العيد في شرح الحديث: «هذا الحديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، فيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك، ومعنى تنفيس الكربة: إزالتها».

من ستر مسلمًا

  • قوله: (من ستر مسلمًا)؛ الستر عليه أن يستر زلاته، والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد، وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت، أما إذا عُلم معصيتُه وهو متلبّس بها، فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة، فالمعروف بذلك لا يستر عليه؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك، بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يَخَف من ذلك مفسدة، وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب تجريحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة.

إجمال وإيجاز بليغ

  • قوله: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)، هذا الإجمال والإيجاز البليغ يمكن توضيح بعضٍ من مفهومه العام؛ فالعبد إذا عزم على التعاون مع أخيه في أمر من الأمور، فيه دفعُ شرّ عنه، أو جلبُ خير له، قولا كان أو فعلا؛ فلا ينبغي له أن يتردد أو يجبن عن إنفاذه، مادام مؤمنا بأن الله -تعالى- في عونه، ومن أبواب الخير التي يمكن التعاون فيها (طلب العلم)، ففي الحديث الحث على فضل التيسير على المعسر، وفضل السعي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد: العلم الشرعي، ويشترط أن يقصد به وجه الله -تعالى- وإن كان شرطًا في كل عبادة.

فضل الاجتماع على تلاوة القرآن

  • قوله: قال - صلى الله عليه وسلم-: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»، هذا دليل على فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المساجد، و(السكينة) ها هنا قيل: المراد بها الرحمة، وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها، وقال بعضهم: السكينة الطمأنينة والوقار، وهذا أحسن، وفي قوله: (وما اجتمع قوم) هذا نكرة شائعة في جنسها، كأنه يقول: أيّ قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كلية، فإنه لم يشترط - صلى الله عليه وسلم- هنا فيهم أن يكونوا علماءَ ولا زهادًا ولا ذوي مقامات. ومعنى: (حفتهم الملائكة) أيْ: حافتهم، من قوله ﻷ: {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} (الزمر: 75) أيْ: محدقين محيطين به مطيفين بجوانبه، فكأن الملائكة قريب منهم قربًا حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان، وقوله: (وغشيتهم الرحمة) لا يستعمل (غشي) إلا في شيء شمل المغشي من جميع أجزائه، قال الشيخ شهاب الدين بن فرج: والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله -تعالى-.
قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) يقتضي أن يكون ذكر الله -تعالى- لهم في الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم، وقوله: (سهل الله له طريقًا إلى الجنَّة) أي في الآخرة أو في الدنيا، بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة، قوله: وقال، أيْ الله ﻷ وهو معطوف على قوله؛ لقول الله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} (فاطر: 28)، قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: في هذا الحديث: فضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله -تعالى-، وإن كان هذا شرطًا في كل عبادة، العلماء يقيدون هذه المسألة؛ لكونه قد يتساهل فيه بعض المبتدئين ونحوهم.

فوائد طلب العلم

1- البصيرة في الدين. 2- التحصّن من الفتن. 3- الحذرُ من الشرك والبدع. 4- التقرّب إلى الله -تعالى- بطلب العلم ونشره. 5- رفع الجهل عن طالب العلم وعن المسلمين.
  • أثر طلب العلم على سلوك المسلم:
1- التعبدُ لله -سبحانه- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. 2- نصحُ الأمة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3- شكرُ الله -تعالى- على نعمة العلم والهداية، وسؤاله الثباتَ عليها. 4- نشرُ العلم، والحرص على تعليم الناس ما ينفعهم. 5- الانكفاف عن المعاصي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك