شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الرابع عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
- من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّبع أوامره جميعًا سواء الواجب أو المستحب في عبادته وسلوكه ومعاملته
- من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى سنته وحفظها ورغّب الناس فيها ووضحها لهم وحارب البدعة وكَرَّهَ الناس فيها
- من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دافع عنه وعن سنته ورد على شبهات المعترضين بحسب القدرة والاستطاعة وهذا دليل الحب
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
- الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لِحَدِيْثِ أَنَسٍ - رضي الله عنه - الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ»، وَلِحَدِيْثِ أَنَسَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الْإِيْمَانِ: أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» الْحَدِيْثُ، وَلِحَدِيْثِهِ فِيْهِمَا أَيْضًا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَثِيْرَ صِيَامٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، إلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
الشرح
- قوله: (الإيمان بوجوب محبة النبي): محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن يتبع التصديق برسالته ونبوته، ويجد بها العبد حلاوة الإيمان، وهي درجة يكون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدما على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين، كما أن من آثارها وبركاتها: بلوغَ المنازل العليا في جنات النعيم، فالمرء مع من أحب.
- قوله: (لحديث أنس - رضي الله عنه - المتفقُ على صحته: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين»)، يقول ابن رجب: «محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله ﻷ وقد قرنها الله بها، وتوعَّد من قَدَّم عليها شيئًا من الأمور المحبوبة طبعًا مثل: الأقارب، والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).
حقيقة المحبة وعلامتها
وسُئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، فعلامة تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على محبة كل مخلوق، أنه إذا تعارض طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فقدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي؛ كان دليلًا على صحة محبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا؛ دلَّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبة الله، ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبع لمحبة مُرْسِلِهِ عز وجل. هذا كله في امتثال الواجبات، وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، وبلغت المحبة بصاحبها على تقديم المندوبات على دواعي النفس؛ كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى ذلك فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها»، وقوله: (ولحديث أنس - رضي الله عنه - في الصحيحين: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...». الحديث)معنى وجود حلاوة الإيمان
معنى وجود حلاوة الإيمان هو: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما يرضى الله -تعالى-، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإيثار ذلك على عَرَضِ الدنيا، رغبة في نعيم الآخرة، الذى لا يبيد ولا يفنى، ورُوِيَ عن عتبة الغلام أنه قال: كابدتُ الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذتُ بها باقي عمري، وعلامة محبة العبد لخالقه هي التزام طاعته، والانتهاء عن معاصيه لقوله -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، وكذلك علامة محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي التزام شريعته، واتباع طاعته، ولما لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول، كانت محبته من الإيمان، وقد سُئل بعض الصالحين عن المحبة ما هي؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الرب، أن توافق الله -تعالى-؛ فتحب ما أحب، وتكره ما كره.- قوله: (ولحديثه فيهما أيضًا قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «ما أعددتَ لها»؟ «فقال: يا رسول الله ما أعددتُ لها كثير صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت»).
- قوله: (مَا أَعْدَدْت لَهَا): قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: سَلَكَ مَعَ السَّائِل أُسْلُوب الْحَكِيم، وَهُوَ تَلَقِّي السَّائِل بِغَيْرِ مَا يَطْلُب مِمَّا يُهِمّهُ أَوْ هُوَ أَهَمُّ.
- قوله: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت)، زَادَ سَلَّام بْن أَبِي الصَّهْبَاء عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «إِنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَلَك مَا احْتَسَبْت» أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم... وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس: «الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ» وَمَنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عبدالله «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَعَلَيْك مَا اِكْتَسَبْت، وَعَلَى اللَّه مَا احْتَسَبْت».
أثر محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سلوك العبد
- من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّبع أوامره جميعًا، سواء الواجب، أو المستحب في عبادته وسلوكه ومعاملته.
- من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - ترك نواهيه جميعًا، سواء كان النهي للتحريم أو الكراهية.
- من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - صدّقه بكل ما أخبر من علم الغيب، سواء السابق أو اللاحق.
- من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - دافع عنه وعن سنته ورد على شبهات المعترضين بحسب القدرة والاستطاعة وهذا دليل الحب.
- من أحب النبي -صلى الله عليه وسلم - دعا إلى سنته وحفظها، ورغب الناس فيها ووضحها لهم، وحارب البدعة، وكَرَّهَ الناس فيها.
- من آثار حبه -صلى الله عليه وسلم - كثرة الصلاة والسلام عليه، ولا سيما عند ذكره الشريف -صلى الله عليه وسلم -.
- من آثار حبه حب أصحابه وأحبابه وأزواجه وذرياته وآله -عليه وعليهم الصلاة والسلام- أجمعين.
لاتوجد تعليقات