رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران 15 ديسمبر، 2025 0 تعليق

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان..  الخامس عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِه

  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله تعالى له ومن هذا التعظيم عدم رفع الصوت فوق صوته وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا
  • من تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء له بعد سماع الأذان والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه
 

إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.

  الْخَامِس عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَان: «الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِهِ»، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح: 9)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} (الأعراف: 157)، وَالتَّعْزِيْرُ هَاهُنَا التَّعْظِيْمُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} (النور: 63) أَيْ: لاَ تَقُوْلُوْا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَبَا الْقَاسِم، بَلْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، يَا نَبِيَّ اللهِ!، وَلِقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الحجرات: 1)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2) الآيات (الحجرات 2- 5)، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ فَوْقَ مَنْزِلَةِ الْمَحَبَّةِ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ مُحِبِّ مُعَظِّمًا، كَمَحَبَّةِ الأَبِ لِوَلَدِهِ، وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْظِيْمٍ بِخَلاَفِ الْعَكْسِ.

الشرح

  • قوله: (الإيمان بوجوب تعظيم النبي وتجبيله وتوقيره) وهو ركن من أركان الإيمان، يفوت الإيمان بفواته لقوله -تعالى-: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}(التوبة: 65).
  • وقوله: لقوله -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: تعزروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم»، وقوله: وقوله -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ}، والتعزير ها هنا التعظيم بلا خلاف.
يقول الطبري: «القول في تأويل قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول -تعالى- ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - وأقرُّوا بنبوّته «وعزَّروه»، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، وعن ابن عباس: «وعزروه»، يقول: حَمَُوه ووقَّروه. وعن مجاهد: «وعزروه ونصروه»: «عزَّروه»، سدَّدوا أمره، وأعانوا رَسُوله.
  • وقوله: «نصروه»، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم، واتبعوا النور الذي أنزل معه، يعني: القرآن والإسلام {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك، والصحابة ي حازوا قصب السبق في هذا المضمار.

تأديب الله للمؤمنين

  • قوله: (وقوله -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تقولوا له: يا محمد، يا أبا القاسم، بل: يا رسول الله، يا نبي الله!)، يقول الحافظ ابن كثير: «وقال مقاتل في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتُموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبدالله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا أدبٌ أدَّبَ الله -تعالى- به المؤمنين في مخاطبة نبيهم - صلى الله عليه وسلم-، وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} (البقرة: 104)، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 2 - 5)، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم- والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.
والقول الثاني في ذلك، أن المعنى في: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتمٍ، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، - والله أعلم -».

الأدب مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم-

  • قوله: ولقوله -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «هذا متضمن للأدب، مع الله -تعالى-، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر (الله) عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في جميع أمورهم، و(أن) لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي (الشديد) عن تقديم قول غير الرسول - صلى الله عليه وسلم- على قوله؛ فإنه متى استبانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنًا ما كان». ويقول ابن القيم معلقا على هذه الآية الكريمة: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم؟!.

 أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه

  • قوله: وقوله -تعالى-: {َيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2)، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه، أي: لا يرفع المُخَاطِب له، صوته معه فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض الصوت، ويخاطبه بأدب ولين، وتعظيم وتكريم، وإجلال وإعظام، ولا يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم- كأحدهم، بل يميزوه في خطابهم، كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم القيام بذلك محذورًا، وخشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه، من أسباب حصول الثواب وقبول الأعمال».
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: وهذه منزلة فوق منزلة المحبة، إذ ليس كل محب معظمًا، كمحبة الأب لولده، والسيد لعبده، من غير تعظيم بخلاف العكس)، التعظيم درجة أعلى من درجة المحبة، فهو محبة من الأدنى إلى الأعلى، أما المحبة من الأعلى إلى الأدنى، فليس فيها تعظيم، كمحبة الولد لولده، ومحبة السيد لعبده.
   

أثر تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في قلب المؤمن

  • مَنْ عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- تلذذ بمتابعته له في سنته، ولم يلتفت إلى المُعَوِّقات.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ إظهار سنته، سواء كانت في العبادة أو المعاملة ليقتدي بها الناس.
  • من عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- واقتدى به ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا في الهدي والسمت والسلوك، وباطنًا بالإخلاص ومحبة الله -تعالى- والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وترك ما في أيدي الناس؛ ظَهَرَ أثر ذلك على أقواله وأفعاله، فلا يقول إلا خيرًا، ولا يفعل إلا برًا، فلا يُضْمِر الشر، ولا يفعله، مقتديا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله -تعالى- له، ومن هذا التعظيم؛ عدم رفع الصوت فوق صوته، وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا، كما يفعل الجهلة وضعاف الإيمان.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ الدعاء بعد سماع الأذان، والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها، وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه، من غير تمييز بينهم، واختيار بعضهم، وترك أغلبهم، كما يفعل بعض جهلة الناس اليوم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك