شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الثاني والعشرون من شُعب الإيمان: الزكاة
- من أثر الزكاة على المزكي شعوره بانتمائه ومساهمته في بناء المجتمع وإسعاد أفراده لأنه يسهم في ضمان عوامل الاستقرار
- القيام بركن الزكاة عليه مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة
- إخراج الزكاة يحقق للمجتمع الأمن والأمان ويقلل الجرائم ويجعل التكافل والتراحم سائدًا
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
- الزكاة من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5)، وقوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (التوبة)، وقوله -تعالى-:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه -في الصحيحين: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح البخاري: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآية: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)».
المعنى الإجمالي
الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفريضة على كل مسلم، وهي من أعمال الجوارح، وبها كمال الإيمان، تؤخذ من الأغنياء طهرة ونماء وبركة لأموالهم، فتردّ على الفقراء، وطهرة للمجتمع من التحاسد والتباغض، فهي عامل مهم لزيادة التواد والتكافل بين أفراد المجتمع، وقوله: (من شُعب الإيمان الزكاة): وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي لغة: النماء والزيادة، وَشَرْعًا: «عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص». لقوله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ا لْقَيِّمَةِ} (البينة: 5). قال القرطبي: «فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا} أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل {إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} أي ليوحّدوه. واللام في لِيَعْبُدُوا بمعنى (أنْ)... وفي حرف عبدالله: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله. {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي العبادة، ومنه قوله -تعالى-: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} (الزمر: 11). وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله -تعالى- لا غيره.- الثانية: قوله -تعالى-: {حُنَفَاءَ} أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم -عليه السلام-. وقيل: الحنيف: من اختتن وحج، قاله سعيد بن جبير. قال أهل اللغة: وأصله أنه تحنَّف إلى الإسلام، أي مال إليه.
- الثالثة: قوله -تعالى-: {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي بحدودها في أوقاتها. {وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} أي يعطوها عند محلها. {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي الدين المستقيم. وقال الزجاج: أي ذلك دين الملة المستقيمة. والْقَيِّمَةِ: نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دين الأمة القيّمة بالحق، أي القائمة بالحق. وفي حرف عبدالله وذلك الدين القيم. قال الخليل: الْقَيِّمَةِ جمع القيم، والقيم والقائم: واحد».
- قوله: : قال الله -تعالى-: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)، قال الإمام السعدي: «أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يجعل ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم، يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح: «إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك، أنا كنزك وتلا رسول الله [ مصداق ذلك، هذه الآية»، فهؤلاء حسبوا أن بخلَهم نافعُهم ومُجْدٍ لهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارّهم، وسبَبَ عقابهم،{وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (آل عمران: 180) أي: هو-تعالى- مالك الملك، وتُرَدُّ جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال, قال -تعالى-: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (مريم: 40) وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله.
- أخبر أولًا: أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكا للعبد، بل لولا فضل الله عليه وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال -تعالى-: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات.
- ثم ذكر ثانيًا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها -تعالى-، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك.
- ثم ذكر ثالثًا: السبب الجزائي، فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فإذا كان خبيرًا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب».
طريقة الدعوة إلى الله
والحديث يدل على رسم الخطة التي يسار إليها في الدعوة إلى الله، وأنه يبدأ بالأهم فالمهم، وأن أهم شيء يدعى إليه التوحيد، وأنه لابد من الجمع بين الشهادتين: الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم - بالرسالة...- قوله: «فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» يدل على أن الزكاة عندما تؤخذ من الأغنياء تصرف للفقراء، والفقراء من مصارف الزكاة الثمانية الذين ذكرهم الله ﻷ في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 60) الآية، وهذا يدل على أن الزكاة يجوز أن تخرج لصنف واحد؛ لأنه قال: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم».
الفرق بين الغني والفقير
ويدل الحديث على الفرق بين الغني والفقير، وأن الغني هو الذي عنده مال يزكى، والفقير هو الذي ليس عنده شيء يزكى، بل إنه ليس عنده مال أصلًا، أو عنده مال لا يكفيه، فيعطى من الزكاة ما يكفيه لمدة سنة، وذلك لأن الزكاة تؤخذ كل سنة فيعطى من الزكاة ما يكفيه لسنة، وإذا مضت السنة فيعطى من الزكاة للسنة القادمة وهكذا. وفيه دليل على أن الزكاة تصرف في بلد المال؛ لأنه قال في أهل اليمن: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، ولا شك أن الفقراء في البلد أولى الناس بزكاة أغنياء البلد، ولكن لا بأس أن تنقل الزكاة من بلد إلى بلد؛ لأنه قد يقال: المقصود بقوله: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» المسلمون أينما كانوا، فتؤخذ من أغنياء المسلمين، وترد على فقراء المسلمين، لكن لا شك أن فقراء البلد هم الأولى، وإذا كانت الزكاة فيها فائض أو كانت الحاجة في بلد آخر أشد وأعظم فإنه يجوز نقلها. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن هم أجابوك لذلك» أي: دفعوا الزكاة «فإياك وكرائم أموالهم» يعني: احذر أن تأخذ كرائم الأموال، وهي الأموال النفيسة التي تعظم في عيون أهلها، والتي يصعب عليهم أخذها.فوائد الزكاة
- القيام بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، عليه مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة.
- برهانٌ على صدق إيمان المزكي، قال [: «والصدقة برهان» (رواه مسلم).
- تقرّب العبد إلى الله -تعالى-، ويحصل له من الأجر العظيم، قال -تعالى-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة: 276).
- إخراج الزكاة تحقيق للأمن والأمان، وتقليل للجرائم، وحصول للتكافل والتراحم؛ لأنها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» (متفق عليه).
- طُهرة للمال وحلول البركة فيه.
أثر الزكاة على سلوك المسلم
1- تطهيرٌ لأخلاق باذلها من البخل والشح، كما قال -تعالى-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: 103). 2- أن المزكي يلحق بركب الكرماء ذوي السماحة والوفاء. 3- اتصاف المزكي بالرحمة والعطف على إخوانه الفقراء. 4- شعور المزكي بانتمائه ومساهمته في بناء المجتمع وإسعاد أفراده؛ لأنه ساهم في ضمان عوامل الاستقرار. 5- تعويد المزكي على البذل والعطاء.
لاتوجد تعليقات