شهر شعبان .. محطة التهيئة الإيمانية والاستعداد لرمضان
- شعبان ليس شهرًا مهملًا بل شهر اختيار ومفترق طرق إمّا أن يكون بابًا للقبول أو شاهدًا على التفريط
- شعبان فرصة للتهيئة وغرس القيم قبل موسم الحصاد في رمضان وهو فرصة للأسرة لتؤدي دورًا محوريا في استثماره
- يجوز شرعًا قضاء صيام رمضان الفائت في شعبان بل قد يتعيّن ذلك عند ضيق الوقت
- من فقه العبادة إدراك فضل الأزمنة فالعمل يتفاضل بتفاضل الأوقات كما قرره ابن القيم رحمه الله
- من أعظم ما يُستثمر به شعبان التوبة الصادقة فهو شهر تُرفع فيه الأعمال
ليست المواسم الإيمانية محطاتٍ عابرة، وإنما فرص ربانية لإحياء القلوب وبنائها، ويأتي شهر شعبان في مقدمة هذه المواسم؛ فهو شهر التهيئة لا الطفرة، والبذر لا الحصاد، ومن أحسن استثماره دخل رمضان بقلبٍ مقبل ونفسٍ مستعدة، وقد غفل عنه كثير من الناس لوقوعه بين رجب ورمضان، مع عظيم مكانته في السنة النبوية؛ إذ قال أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: قلتُ: يا رسولَ الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ذلك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم»، فكان شعبان في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - موسم إعداد ويقظة، وتصفية للقلوب قبل أعظم مواسم الطاعة.
هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر شعبان
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكثر الصيام في شعبان أكثر من غيره من الشهور، حتى قالت عائشة -رضي الله عنها-: «كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا». وهذا يدل على استحباب الإكثار من الصيام فيه دون اعتقاد وجوبه، وهذا الإكثار لم يكن لمجرد العمل، بل لتربية الأمة على فقه الاستعداد، وتعويد النفس على الطاعة قبل فرضها الأعظم في رمضان؛ فشعبان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - شهر تهيئة لا مفاجأة.حال الصحابة والسلف في شعبان
اقتدى الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وسلف الأمة الصالح بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فكانوا يعظمون شعبان، ويجعلونه شهر الاستعداد الحقيقي لرمضان، قال سلمة بن كهيل: كانوا يسمون شعبان شهر القراء، وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن. وعن شهر شعبان قال ابن رجب -رحمه الله-: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه. وهكذا فهم السلف أن المواسم لا تُنال فجأة، بل تُسبق بالتهيئة.تصفية القلوب قبل رفع الأعمال
من أعظم وسائل استثمار شعبان التوبة الصادقة؛ إذ هو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، ولا يليق أن تُرفع صحيفة مثقلة بالذنوب والإصرار، قال -تعالى-: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: 31)؛ فشعبان هو شهر التخلية قبل التحلية، تصفية القلب من: الذنوب الخفية، والتسويف، وكذلك ضعف الهمة، وسائر الذنوب والمعاصي.التوحيد وسلامة الصدر
من أعظم ما يميز العابد الفقيه عن غيره فهمه لسنن الله في الأوقات؛ فليست العبادة مقطوعة عن الزمان، بل تتفاوت بتفاوت الأزمنة، قال ابن القيم رحمه الله: العمل في الوقت الفاضل أفضل من العمل في غيره وإن كان أقل منه، وشَهْرُ شعبانَ مِن شُهورِ اللهِ المُبارَكةِ قال عنه رسول الله - -: «إنَّ اللهَ -تعالى- لَيطَّلِعُ في ليلةِ النصفِ من شعبانَ فيغفرُ لجميعِ خلْقِه، إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ» وفي هذا الحديث جَعَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العَفْوَ مُعلَّقًا بطَهارةِ القَلبِ مِن الشِّركِ بكُلِّ مَظاهِرِه، وبَراءتِه مِن التَّعلُّقِ بغَيرِ اللهِ خالِقِه ورازِقِه؛ فالشِّركُ أَعظمُ الذُّنوبِ، ولا يَقبَلُ اللهُ معه صَرْفًا ولا عَدْلًا، ولا فَريضةً ولا نَفْلًا؛ لقَولِه -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء: 48) ، «أو مُشاحِنٍ لأَخيه»، وهو الذي يُعادي أخاه المُسلِمَ، ويَحمِلُ له الخُصومةَ والبَغْضاء، وفي الحديثِ: بَيانُ فَضيلةِ لَيلةِ النِّصْفِ مِن شعبانَ. وفيه: الحثُّ على المَحبَّةِ والتَّآلُفِ، والمَودَّةِ والتَّعاطُفِ. وفيه: التَّحذيرُ مِن الشِّركِ والتَّشاحُنِ بيْنَ النَّاسِ، فدلّ على أن سلامة الصدر شرط لفيض المغفرة، وأن إصلاح العلاقات عبادة لا تقل شأنًا عن الصيام والقيام.
عودوا إلى خير الهدي
- ليلة النصف من شعبان: لم يثبت في السنة الصحيحة تخصيص هذه الليلة (ليلة النصف من شعبان) بقيامٍ أو صيامٍ معين، ولم يكن ذلك من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة. وعليه، فإحياء هذه الليلة بعبادات مخصوصة أو احتفالات جماعية لا أصل له، والعبادة فيها تكون من جنس العبادة المطلقة دون تخصيص.
- تخصيص شهر شعبان بالعمرة: لم يثبت لها فضل خاص ولا مزية خاصة عن باقي الشهور، ومع ذلك، فالعمرة في شعبان من جملة العمل الصالح الذي يؤجر عليه المسلم كسائر الأعمال الصالحة والطاعات الأوقات.
قراءة تربوية في فقه المواسم
من الأخطاء الشائعة عند بعض الناس دخول رمضان بلا خطة، ودون أخذ العدة والاستعداد، ثم تأتي الشكوى من ضعف الاستمرار على الطاعات، شهر شعبان هو الوقت الأمثل للتخطيط التعبدي الواقعي، فلابد من عبادة الوعي لا عبادة الاندفاع والحماس الوقتي، والتخطيط المقصود هنا ليس تكديس أعمال، بل المراد التخطيط الجيد المدروس والذي يبدأ بمعرفة شرف وأهمية الزمان والإعداد الواعي له، فشهر شعبان ليس شهرًا عابرًا، بل هو ميدان الإعداد الحقيقي، ومختبر الصدق، ومفتاح القبول، من أحسن فيه الاستعداد، أُعين في رمضان على الطاعة، ومن فرّط فيه، دخل رمضان مثقلًا، فطوبى لمن عرف قدر الأوقات، واستثمر المواسم، وسأل الله القبول والثبات. قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فالنجاح في رمضان يبدأ بورقة وقلم في شعبان، وبنية صادقة قبل كثرة الأعمال.وصايا عملية على أعتاب الشهر الكريم
- الصيام: قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة:183)، فجاء شهر شعبان ليكون تمهيدًا عمليًا وتهيئةً روحية لهذا الركن العظيم، يتدرّب فيه المسلم على الصيام استعدادًا لرمضان.
- قضاء الصوم: من المهم أن تبادر المسلمات الفاضلات بقضاء ما عليهن من أيام رمضان الماضي، اقتداءً بأمهات المؤمنين زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويجوز شرعًا قضاء صيام رمضان الفائت في شهر شعبان، بل قد يتعيّن ذلك إذا ضاق الوقت، وقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان، غير أنه لا يجوز تأخير القضاء إلى ما بعد دخول رمضان الجديد دون عذر معتبر.
- تهيئة القلب للقرآن: الإقبال على كتاب الله -تعالى- تلاوةً وتدبرًا وخشوعًا من أعظم ما يُستقبل به رمضان؛ فما هي إلا أيام ويهلّ علينا الشهر الذي أُنزل فيه القرآن. وكان السلف الصالح يُكثرون من تلاوة القرآن في شعبان، حتى إذا دخل رمضان كان القرآن أنيسهم الملازم لا ضيفًا عابرًا. قال -تعالى-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، ولا يليق أن يُستقبل شهر القرآن بقلبٍ معرضٍ عنه أو هاجر له.
- أئمة المساجد: إذا كان رمضان شهر القرآن، فإن شعبان هو شهر تجديد الصلة به. فمن لم يأنس بالقرآن قبل رمضان، شقّ عليه ملازمته فيه. ومن هنا، فإن الواجب يتأكد على أئمة المساجد الذين يتقدمون الناس في صلاة التراويح، أن يُقبلوا في شعبان على مراجعة محفوظهم من كتاب الله، وأن يجعلوا هذا الشهر ميدانًا للاستعداد والإتقان، ليؤدوا عبادتهم في رمضان على أكمل وجه وأحسن حال.
دور الأسرة في استثمار شهر شعبان
شعبان فرصة لغرس القيم قبل موسم الحصاد في رمضان، وهو فرصة للأسرة لتتبنى دورا محوريا في استثمار هذا الشهر، قال الله -عز وجل-: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (النساء: 11)، قال السعدي - رحمه الله - أي: أولادكم - يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. انتهى. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فالأسرة الذكية لا تنتظر رمضان لتبدأ التربية، بل تستثمر شعبان في التهيئة النفسية والسلوكية وذلك من خلال أمور، من أهمها: تعويد الأبناء على الصيام التدريجي، وربطهم بالمسجد والقرآن، والحديث عن فضل رمضان بأسلوب تربوي مشوّق، وإحياء روح العبادة داخل البيت بالصلاة والذكر، وتنظيم الوقت والنوم، ومن أهم الأمور التي ينبغي مراعاتها تخفيف الملهيات من أجهزة الكترونية وألعاب تستهلك أوقاتا كثيرة؛ فلابد من الانتباه لها مبكرا قبل دخول رمضان وليس أفضل من شعبان لتعويد الأبناء على التقليل من هذه الأمور؛ فشعبان هو شهر التدريب الأسري الجماعي، وليس الاجتهاد الفردي فقط.من الغفلة إلى اليقظة
شعبان ليس شهرًا مهملًا، بل شهر اختيار ومفترق طرق؛ إما أن يكون بابًا للقبول، أو شاهدًا على التفريط؛ ففيه ترفع الأعمال السنوية، وفيه يمكنك إحياء العبادة في زمن الغفلة؛ فالرسالة الكبرى لشهر شعبان أنه: ليس كل من أدرك رمضان فاز، وإنما فاز من أعدَّ له قبل أن يُدركه. قال -تعالى-: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (الحديد:21). وشعبان هو ميدان السباق الصامت؛ حيث لا زحام ولا ضجيج، وإنما صدقٌ بين العبد وربه. من أحسن استثمار شعبان، فتح الله له أبواب القبول في رمضان، ومن أهمله بقي يلهث في بدايات الشهر حتى ينقضي؛ فشعبان ليس شهرًا مهملًا، بل شهر اختيار: إما أن تكون فيه من السابقين، أو من المتفرجين.
لاتوجد تعليقات