رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فيصل العثمان 19 ديسمبر، 2022 0 تعليق

شرح كتاب فضل الإسلام – للشيخ محمد بن عبدالوهاب (17) باب: ما جاء في أن البدعة أشد من الكبائر

الكبائر أمرها عظيم على اسمها، مثل شرب الخمر والزنا ورمي المحصنات المؤمنات والسرقة وغيرها من كبائر الذنوب، والشيخ -رحمه الله- في هذا الباب يريد أن يقول: إن البدعة أعظم خطرا من الكبائر. وقد ذكرنا في المرة السابقة لماذا كانت البدع أخطر من الكبائر؟ ذكر الشيخ سببين اثنين. وسنكمل اليوم ذكر هذه الأسباب التي جعلت البدعة أعظم من الكبيرة، من هذه الأسباب: قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}.

تجاوز الله عن عباده

     وفيها أن الله -سبحانه وتعالى- ممكن أن يتجاوز عن عباده في معاصيهم من عظيم رحمته بهم، إلا الشرك، إذا مات الإنسان عليه دون توبة فإنه خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، هذا الشرك أتى به الشيخ هنا على أنه أعظم بدعة تكون من الإنسان، كالطواف حول الأضرحة، ودعاء الأموات، والذبح على القبور، والاستغاثة بالأموات وغير ذلك من أفعال شركيه عظيمة في حق الله -عز وجل.

أنواع البدع

     أراد الشيخ أن يقول: إن مِن البدع ما يكون شركا، فبعض البدع معاصٍ، وبعض البدع شرك؛ لأن هذا الإنسان أمره الله -سبحانه وتعالى- بالطواف حول البيت، لكن الإنسان يصر على الطواف حول الأضرحة. ومن العبادات أن تذبح لله. بينما تراه يذبح لفلان؛ فهو مبتدع في دين الله عبادة ليست من دين الله -عز وجل-؛ لذلك هذه بدعة شركية.

     وفاعل الكبيرة تحت المشيئة كما هي عقيدة أهل السُّنة والجماعة، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. لكن صاحب البدعة الشركية خالد مخلد في النار. لذلك كانت البدعة أخطر من الكبيرة.

البدعة شر من الكبيرة

     ثم قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وقوله -تعالى-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. والبدعة شر من الكبيرة من وجوه: أن المبتدع في حقيقته مفترٍ على الله الكذب؛ لأنه بفعل هذه البدعة يقول: أنا أفعل شيئا من دين الله -عز وجل-، وأنا أؤجر على ما أفعل، بينما صاحب الكبيرة لا يقول ذلك؛ فهو مقر ومعترف أنه على ذنب عظيم.

     والمبتدع قدوة، يقتدي الناس به في فعل بدعته، ولا سيما إذا كان يُظهر العبادة، ويُظهر العلم للناس؛ فيغتر الناس به فيقتدون به وبفعله، ويكونون على بدعته؛ لذلك كانت البدعة شر من الكبيرة.

     ثم ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- قول الله -عز وجل-: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}، وفيها بيان أن البدعة أعظم خطرا من الكبيرة.

كذلك فالمبتدع سيأتي يوم القيامة وعلى ظهره وزره وأوزار الذين تبعوه دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.

     يقول الله -سبحانه وتعالى- {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. لا يحمل ثقله فقط، بل أثقال الناس الذين تبعوه وتسبب في إضلالهم ببدعته هذه. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعوه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». إذًا فالبدعة أعظم شرا من الكبيرة؛ لما فيها من استطالة على الناس، وإضلال، وتشويش لأفكار الناس وقلوبهم ودينهم؛ لذلك كان إثم المبتدع أعظم من صاحب الكبيرة.

بدعة الخوارج من البدع المستقبحة

     ثم قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم». وفيه بيان أن بدعة الخوارج من البدع المستقبحة، وفعلهم من الأفعال  المستقبحة. فهم الذين يخرجون على ولاة المسلمين. بينما يأمرنا الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم ونبيه - صلى الله عليه وسلم - في سُنته المطهرة بطاعة ولاة الأمور، حتى لو رأينا منهم ما لا نرضى. أما الخوارج يقولون: نخرج عليهم باللسان والسنان. كفّروا الناس بالمعاصي! فاعل الكبيرة عندهم كافر، وهذا مما ابتدعوه في دين الله -عز وجل-. لذلك فعل الخوارج من البدع المستقبحة في دين الله -عز وجل-؛ ولذلك أمر النبي بقتلهم لكف شرهم والقضاء على بدعتهم.

الأمر بطاعة ولاة الأمور

     فالسُّنة والشريعة أمرت بطاعة ولاة الأمور؛ لما في ذلك من خير عميم، من حفظ الأمن، وإقامة الحدود، وإقامة العبادة من صلاة وصيام وحج وأمن، واجتماع كلمة. لذلك أمر النبي بقتلهم وقتالهم، لكف شرهم ووأد بدعتهم. فمن خرج على ولاة الأمور فهو في حقيقته مبتدع في دين الله ما ليس منه، وإن كانوا يظنون أنهم ينكرون المنكر، وما فعلوه أنكر مما قد يكون من ولاة الأمور من بعض المعاصي.

أول بذرة في الخوارج

     وأول بذرة في الخوارج ذاك الرجل الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اعدل يا محمد، فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وهذا أمر لا يُتصَوّر، فمن يقول للنبي مثل هذا الكلام؟! لذلك لا تتعجب من أقوال الخوارج في المسلمين وأفعالهم. إذا كان هذا جدهم الأكبر ذو الخويصرة يقول هذا الكلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - فماذا بقي؟! فأمرهم من الجهل عظيم.

ظاهرهم الدين والعبادة الكثيرة

     قال جدهم: اعدل يا محمد، فقال له النبي: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ ثم لما ذهب قال النبي فيه: يخرج من ضئضئ هذا -أي من نسله- قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وعبادتكم إلى عبادتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ظاهرهم الدين والعبادة الكثيرة، وحقيقتهم الجهل. ثم قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»؛ لذلك لما أدركهم علي - رضي الله عنه - قتلهم، وكانت بينه وبينهم مقتلة عظيمة في النهروان، ونصره الله عليهم. ويقول فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلما ظهر منهم قرن قُطِع» ولله الحمد والمنة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك