شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (16) باب: وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه
يريد الشيخ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب أن يبيّن أن الإسلام يؤخذ كله ولا يؤخذ بعضه؛ فمن أراد أن يدخل الإسلام على وفق هواه وعقله فيأخذ ما وافق ذلك ويطرح مالم يوافق، فهذا لا يٌقبل منه ذلك، ولو كان الذي تركه قليلا والذي أخذ به كثيرا، بل لابد أن تأخذ بالإسلام كله، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، وكنا قد وقفنا عند ما ذكر من قول الله -عز وجل-: {نَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}.
شِيَع يعني جماعات وأحزابا وفِرَقا، وتفريق الدين إلى هذه الفِرَق وهذه الجماعات أمر حذّر الله -عز وجل- منه في هذه الآية وغيرها، عندما يتفرق المسلمون إلى هذه الفِرَق والجماعات، إنما هم في الحقيقة قد فرّقوا دينهم؛ فالمسلمون جماعة واحدة، وهي جماعة الحق، وهي حزب الله، وهي طريقة واحدة -طريقة النبي [- قال الله قال رسوله بفهم السلف الصالح، هذه هي الجماعة. أما الفرق والجماعات المتفرقة فهي لا ترى عند الاختلاف الرجوع إلى الكتاب والسنة، إنما كل جماعة تتمسك بما عندها من الإسلام، ولا ترى غيرها على حق، قال الله -تعالى-: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}؛ فالمنهج الصحيح عند الاختلاف الرجوع إلى الكتاب والسُّنة.
لست منهم في شيء
يقول الله -عز وجل- لنبيه - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الفِرَق: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}؛ فالنبي متبرئ منهم؛ لأنه ما كانت هذه المناهج على زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا زمن صحابته؛ فما رأينا جماعة بكرية، وأخرى عمرية، وأخرى عثمانية، وأخرى علوية. لم يكن هذا موجودا، إنما كانوا على منهج واحد فقط، ومرجعيتهم واحدة؛ إذًا فهذه الجماعات ليست على منهج النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن مرجعيتها مختلفة ومتنوعة ومتصادمة، وكلٌ متعصب على ما هو عليه.
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه
ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- قال: وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. تبيَض وجوه أهل السُّنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف، وقبل هذه الآية بآية في سورة آل عمران يقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛ فأتى الشيخ بهذه الآية ليشير إلى أن أهم أسباب عدم دخول الإنسان أو هذه الجماعة في دين الله كله، أنهم فرّقوا دينهم وأخذوا منه شيئا وتركوا أشياء. فكأنه يقول احذروا الفُرقة والاختلاف؛ لأنها مؤدية إلى عدم أخذ الدين كاملا. ومعنى أن تأخذ الدين كاملا أن تقبل بالدليل الصحيح إذا أتاك، وهذا معنى عميق أراده الشيخ من هذا الباب.
يوم القيامة الناس قسمان
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. فيوم القيامة الناس قسمان: قسم مُبْيَض الوجه منوّر، وقسم مُسْوَد. أما الذين اسودّت وجوههم فلأنهم فرقوا دينهم، تفرقوا بعد أن جاءتهم البينات، فعقابهم أنّ لهم عذابا عظيما على ما فعلوا وفرّقوا الناس.
أقول لهذه الجماعات وأتباعها: إذا أتاك الدليل الصحيح فلا يجوز لك أن ترده أو تؤوّله التأويل المعوج، بل تأخذه كما فهمه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وتلتزم به حتى تأخذ الدين كاملا. وإذا كنت على غير ذلك فإنك تعيش وتموت على دين ناقص.
كلها في النار إلا ملة واحدة
ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- قال: وعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -[-: «ليأتين على أمتى ما أتى على بني اسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني اسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة» وتمام الحديث قوله: «وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي.
نصائح غالية من النبي - صلى الله عليه وسلم
حديث صحيح فيه نصائح غالية من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه عطف من النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، يحذّرهم بما سيكون، وأنه سيكون من أمته صنف من الناس يتشبّه بأهل الكتاب في كل ما يفعلونه، وهذا مُشاهد الآن من تقليد أبناء هذه الأمة لليهود والنصارى ويتشبهون بهؤلاء، ويفعلون ما يفعلون والعياذ بالله؛ لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ستفترق هذه الأمة كما تفرقوا. أمة اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وأمة النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وأمة الإسلام ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة. والمُشاهد أنهم أكثر من ثلاث وسبعين فرقة، وتفسير ذلك أن كل فرقة من أمهات الفِرق يندرج تحتها فِرَق وجماعات كثيرة. قال -عليه الصلاة والسلام-: «كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». فالفرقة الناجية «ما أنا عليه وأصحابي»، هذه كلمة عظيمة تُفرّق بين الحق الذي عند صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الباطل الذي عند هذه الفِرَق والجماعات.
فهم الصحابة -رضي الله عنهم
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وهذا الفارق وهو فهم الصحابة نصّ عليه كتاب الله -عز وجل-، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم..» الخيرية بالفهم والحكمة.
لذلك يقول الشيخ: يا لهذه الموعظة لو وافقت من القلوب حياة! فكثير من يسمع الكلام، لكن قليل من يستفيد؛ فالقلب المهيأ لسماع الخير يُثمر، أما القلوب الغافلة التي عليها الران من المعاصي لا تؤثر فيها النصيحة.
ثم قال: ورواه أيضًا -حديث الافتراق- من حديث أبي هريرة وصححه، ولكن ليس فيه ذكر النار، وهو في حديث معاوية عند أحمد وأبي داوود وفيه «أنه سيخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه فلا يبقى منه عِرق ولا مفصل إلا دخله».
صاحب البدعة
هذا الجزء من الحديث فيه أن صاحب البدعة يظن أنه على حق. كلما جاءه شيخ بخلاف ما عنده وبخلاف هواه لا يقبل به، {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}. والنبي في هذه الرواية من الحديث شبّه تشبيها عجيبا! فانظر إلى إنسان عَضّه كلب مسعور، فجرى لعابه في دم هذا الإنسان. تجارى أي تغلغل، والكَلَب أي مرض الكَلَب من هذا الكلب المسعور. فيجري لعابه في دم هذا المعضوض وفي عروقه ومفاصله وعلاجه صعب. كذلك الهوى إذا تغلغل في قلب هذا المُصاب صاحب الهوى، صعب أن يخرج إلا أن يشاء الله؛ فاحذر أن تكون ممن تغلغل هواه في قلبه وتَشَرّبه! فمثل هذا صعب أن يقبل النصيحة، وصعب أن يغيّر موقفه. فعم النبي - صلى الله عليه وسلم - دافع عن النبي كثيرا وقال: أعرف أنك على الحق لكني لا أستطيع. فيجب على الإنسان أن يوطّن نفسه، أنه إذا أتاه الخير والحق والنصيحة الطيبة القائمة على الدليل الصحيح، يقبل بها حتى يبارك له الله ويستفيد.
لاتوجد تعليقات