شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (19) مدار الدين على الاتباعوالإخلاص
باب: قول الله -تعالى-: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، لكنهم ردوا هذه الدعوة وقالوا: لا نتبعك، نحن على دين إبراهيم، واليهود والنصارى قالوا إبراهيم على ملتنا، فرد الله -عز وجل- عليهم هذا الزعم وقال -عز وجل-: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}. فأولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوه في وقته، وهذا فريق، أما الفريق الثاني يمثله النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الله -سبحانه وتعالى-: أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ملة إبراهيم كما في قوله -تعالى-: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، والفريق الثالث صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهؤلاء أيضا أولى منكم بإبراهيم؛ لأنهم لما اتبعوا دين النبي - صلى الله عليه وسلم - وساروا على طريقته فهم في حقيقة الأمر على ملة سيدنا إبراهيم؛ لأن الدين واحد.
كيف يكون إبراهيم على ملتكم؟
وقال لهم الله -سبحانه وتعالى-: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}؟ أي كيف يكون إبراهيم على ملتكم وهو سابق لكم زمنا؟! والذي يُعقل أن المتأخر يتبع المتقدم؛ فملة إبراهيم هي الحنيفية السمحة، فمن كان على ملة إبراهيم نجا.
النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملة إبراهيم
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمره الله -سبحانه وتعالى-: أن يكون على ملة إبراهيم، قال: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلمًا وما كان من المشركين}، فسيدنا إبراهيم ما كان يهوديا، وما كان نصرانيا، إنما كان على الحنيفية السمحة، مخلصًا لله -عز وجل- العبادة، مسلما إليه، مذعنا إليه -سبحانه وتعالى- على الإسلام وعلى التوحيد الصحيح، فهذه ملة سيدنا إبراهيم، وهي ملة كل الأنبياء والرسل من بعده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، دين واحد، وإسلام واحد. فمن آمن بموسى زمن موسى فهو في الحقيقة على ملة سيدنا إبراهيم، ومن آمن بسيدنا عيسى فهو في حقيقته على ملة سيدنا إبراهيم. ومن آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو في حقيقة الأمر متّبع لملة سيدنا إبراهيم؛ لأن الدين واحد، بمعنى التوحيد وإفراد الله بالعبادة. أما الشرائع، فكل شريعة مناسبة لوقتها ولأهلها، فشريعة موسى لموسى وقومه، وكذلك عيسى وكذلك الأنبياء، ثم أتت شريعة النبي فنسخت كل الشرائع، أما الدين فهو واحد، إسلام واحد؛ ولهذا المعنى فكل الأنبياء والرسل على دين واحد.
من لم يتّبع النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس على ملة إبراهيم -عليه السلام
فمن لم يتّبع دين النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو في حقيقته لم يكن على ملة سيدنا إبراهيم؛ فحقيقة الأمر أنك تحقق الاتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنك تسير على طريقته الصحيحة من غير ابتداع ومن غير شرك، إخلاص واتباع.
من يرغب عن ملة إبراهيم هو السفيه
ثم قال -رحمه الله تعالى-: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، فمن يرغب عن ملة إبراهيم فهو السفيه، والسّفه هو خفة في العقل. {ولقد اصطفيناه} أي اخترناه، اختاره الله -سبحانه وتعالى-: في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين. {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أذعن لله -عز وجل-، وتبرأ من الشرك ومن أهله، وحصل له ما حصل من الإيذاء.
توبيخ ورد على اليهود والنصارى
وهذه الآية فيها توبيخ، ورد على اليهود والنصارى الذين ردوا دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما دعاهم للإسلام، فقالوا له: إبراهيم على ديننا ونحن على ملة إبراهيم، لا نقبل دعوتك. فالذي يرد دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما يدعوه للإسلام هو في حقيقته راد لملة سيدنا إبراهيم.
حديث الخوارج
ثم قال -رحمه الله تعالى-: وفيه حديث الخوارج قد تقدم، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه»؛ فالخوارج عبادتهم في ظاهرها أعظم من عبادة الصحابة بنص كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يحقر أحدكم صلاته إلى صلاته وصيامه إلى صيامه.. إلخ» طاعتهم في ظاهرها أعظم من طاعة الصحابة، لكن ما أسرعهم في الخروج من الدين ثم لا يعودون إليه! لأنهم أتوا بمنهج جديد وطريقة جديدة تخالف منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالأمر ليس بالاسم، الأمر أنت علام؟ أقَبِلت بطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودينه وسنته على الكتاب والسُّنة. أم أنك أتيت بطريق جديد وزعم جديد. فمع انتساب هؤلاء الخوارج للإسلام إلا أنه لم ينفعهم شيئا، كما زعم اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم ولم ينفعهم بشيء؛ لأنهم ما قبلوا بدين النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذا هو وجه الشّبه؛ ولهذا أتى الشيخ بهذا الحديث في هذا الباب.
إنما أوليائي المتقون
كذلك قال: وفيه -وفي الباب أيضا- أنه -صلى الله عليه وسلم - قال: «إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما اوليائي المتقون». هذا الحديث في البخاري ومسلم، آل أبي فلان هم آل أبي طالب. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول غير المسلمين من آل أبي طالب ليسوا بأوليائي. والوَلاية هي المحبة والنصرة، مع أنهم أقرباء له كعمه أبي طالب، إلا أنه ليس له حق المحبة والنصرة؛ لأنه ما قبل دين النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومات على دين آبائه.
فالمسألة ليست بالقرابة، فإن كانت قرابة ودين فهذا نور على نور، لكن قرابة ولا دين ليس لك من الوَلاية شيء. الأصل هو المتقي، هذا الذي له المحبة والنصرة، وهو ولي النبي - صلى الله عليه وسلم .
فمن رغب عن سنتي فليس مني
ثم قال -رحمه الله تعالى-: وفيه أيضا -أي وفي الباب- عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذُكِر له أن بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال آخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
الأصل في الأمر اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم
يبين هذا الحديث أن الأصل في الأمر اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس الزعم والقول، ويبين أيضا أن التشدد في العبادة والغلو فيها لا يجعلك على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ملته؛ فهؤلاء جمع من الصحابة سألوا عن عبادة النبي فكأنهم تقالّوها، فتشددوا في العبادة لعلهم يكونوا أقرب إلى التقوى وإلى الدين، وهذا من الخطأ؛ فليس الأمر أنه كلما شدّدت على نفسك كنت أقرب للنبي، بل التوسط في الأمر، الوسطية التي بمعنى السير على طريقة النبي وعلى سنته والحرص عليها وعدم الخروج عنها، فهذا الحديث يدعو إلى الاعتدال والوسطية وعدم الغلو في الدين؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ما قبِل منهم ذلك، وهم صحابة وحَسِنو النية في تتبع سنة النبي، لكنهم ما وافقوا الحق؛ فعلّمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودلّهم على طريقته.
اتباع الكتاب والسُّنة بفهم السلف
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من رغب عن سنتي فليس مني» كقول الله -تعالى-: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}، فنعرف من ذلك أن الأصل والحق في ذلك، اتباع الكتاب والسُّنة بفهم السلف، والحرص على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فتصيب الحق.
ونخلص من هذا أن مدار الدين على الاتباع والإخلاص، وأن ما ساقه المؤلف -رحمه الله تعالى-: في أول الكتاب أن من فضل الإسلام على أهله، أنّ الله -سبحانه وتعالى-: أمرنا بطاعات قد تكون بسيطة، لكن أجرها عظيم.
لاتوجد تعليقات