رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فيصل العثمان 10 أبريل، 2023 0 تعليق

شرح كتاب فضل الإسلام للشيخ محمد بن عبدالوهاب (29) غربة الإسلام وفضل الغرباء

ما زلنا مع باب: (ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء)، وقوله -تعالى-: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ}. روى بن وضاح معنى -حديث أبي ثعلبة الخشني- من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ»، يذكره الشيخ للتأكيد على هذا المعنى، معنى الغربة، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّكُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ مَا لَمْ تَظْهَرْ فِيكُمْ سَكْرَتَانِ، سَكْرَةُ الْجَهْلِ، وَسَكْرَةُ حُبِّ الْعَيْشِ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ حُبُّ الدُّنْيَا فَلَا تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْقَائِلُونَ يَوْمَئِذٍ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ كَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ»، هذا الحديث ضعيف مرسل، لكن معناه صحيح؛ لأنه ورد في حديث أبي ثعلبة الخشني وهو حديث صحيح.

الحديث المرسل

     والحديث المرسل هو من سقط منه اسم الصحابي، فعندما يقول التابعي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالتابعي لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - فيُسمى هذا عند أهل الحديث حديثا مُرسلا. أي أرسله التابعي إلى النبي ولم يذكر اسم الصحابي، وفقدان اتصال السند هو سبب ضعف الحديث، لكن هذا الحديث المرسل إذا جاء ما يوصله أو تكون له شواهد أو متابعات فإنه يتقوى بذلك، وحديثنا هذا المرسل في جزئه الأول إسناده ضعيف، لكن معناه صحيح يشهد له حديث أبي ثعلبة، أما الجزء الثاني من الحديث «فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين» هذا حديث صحيح، صححه الشيخ ناصر -رحمه الله تعالى.

أيام الصبر

     قال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ»، يعني أن هذا المسلم عندما يكون غريبا في أهله؛ لأنه على الحق بمفرده ليس له أعوان، أما الجميع فعلى غير الحق، مخذلين، مرجفين، على باطل، وهذا يحتاج إلى ثبات. فالمسلم في الغربة يكون على ثبات وعلى صبر؛ لأنه سيؤذى في نفسه، وفي كرامته، وفي دينه. فهذا الغريب له أجر خمسين من الصحابة! كيف ذلك؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، هذا ليس بالفضل العام، إنما بالفضل المقيد الخاص، ففي هذه الجزئية هو أفضل وله أجر خمسين من الصحابة؛ لصبره، ولقلة الناس معه، ولثباته، ولإصلاح نفسه، وإصلاح غيره، والثبات على الحق. أما مقام الصُحبة فلا يبلغه أحد من الناس. يقول أهل العلم: إن الفضيلة الخاصة لا تقضي على الفضيلة العامة.

إنكم اليوم على بينة من ربكم

      ثم قال: «إِنَّكُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب الصحابة أنهم اليوم على علم، وعلى منهج صحيح في فهم الدين، قال الله -عز وجل-: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً}. فالصحابة على بينة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم يتلو عليهم الكتاب، ويعلمهم السنة المطهرة، فَهُم على بينة من دينهم، ومن دعوتهم، وعلى المنهج الصحيح الصافي كما أخذوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

     قال: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» أي كما كان يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعروف وينهى عن المنكر، لا كما نرى الآن كيف يفعل الخوارج بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وكيف يعتقد المعتزلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هؤلاء انحرفوا في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم ليسوا على بينة. أما الصحابة فكانوا على بينة؛ لأنهم أخذوا منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

وتجاهدون في سبيل الله

     قال: «وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فهم بجهادهم -رضي الله عنهم أجمعين- على بينة من أمرهم، يجاهدون كما جاهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإلا فقد رأينا كيف يزعم أناس الآن أنهم يجاهدون في سبيل الله، وجهادهم ليس على بينة، ولا على طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطريقة صحابته -رضوان الله عليهم- أجمعين.

ولم تظهر فيكم السكرتان

     ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولَمْ تَظْهَرْ فِيكُمْ سَكْرَتَانِ، سَكْرَةُ الْجَهْلِ، وَسَكْرَةُ حُبِّ الْعَيْشِ» نعم؛ لأنهم صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم في القرن الأول الذي قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني»، وسكرة الجهل: أن يكون الإنسان على جهل ثم يأخذ مقام العلماء ويتكلم كأنه عالم وهو على منهج باطل. ليته سكت! بل أخذ لبوس العلماء، وتصدر المجالس ويفتي الناس يمينا وشمالا يوردهم المهالك، فهو جاهل جهلا مركبا. وهذا موجود الآن في وقتنا، يقال له العالم الفلاني وتنظر في منهجه تجده ليس على بينة، وليس على منهج السلف من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -. هذا في سَكْرَةُ الْجَهْلِ، لكنه تصدر، تجده يظهر في وسائل التواصل ويشار له بالبنان وتؤخذ فتواه ويورد الناس المهالك.

      وَسَكْرَةُ حُبِّ الْعَيْشِ: هي أن الإنسان يحب الدنيا وليس غير الدنيا شيء، فهو ينسى الآخرة ولا يعمل إلا للدنيا، يريد المال أو المنصب من حلال أم من حرام لا يهمه، وإذا تولى المناصب فسد، وسرق المال؛ لأن عنده حب الدنيا وحب العيش فهو في سكرة لا يرى الآخرة. كالذي تناول الخمر فعقله مغطى لا يرى شيئا.

وستحولون عن ذلك

      ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «وستحولون عن ذلك» والكلام مازال من النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة، أي أن الناس ستتحول وتتغير أمورهم، بعد أن كانوا في خير ودين ستتغير الأمور ويكونوا في أمورهم على غير بينة، وتتسلط عليهم الأهواء، وتظهر فيهم البدع والفرق والجماعات الباطلة. نعم تغيرت الأمور، ورأينا ذلك وهو حادث فالناس الآن في سكرة العيش وسكرة الجهل وتغيرت أمورهم إلا القلة من الغرباء الذين هم على المنهج. هنا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة: «فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله وتظهر فيكم السكرتان»، فلا تؤخذ الأمور بالكثرة إنما تؤخذ بالحق والمنهج الحق. فيجب على الإنسان أن يعرف صفات أهل الغربة في وقته حتى يكون معهم، ولا يكون مع الكثرة الذين تغيرت أمورهم وليسوا على بينة من أمرهم. فهذا الباب من أهم الأبواب التي عقدها المصنف -رحمه الله- في هذه الرسالة الجميلة المفيدة.

في زمن الغربة تتغير الأمور

      في زمن الغربة تتغير الأمور، ويشعر أهل الحق أنهم غرباء، في أسرته يشعر أنه غريب، في بلده يشعر أنه لا يؤخذ بكلامه ولا يستشار في الأمور، مع أنه هو الذي على الحق وثابت عليه. فالإنسان الحصيف يتعلم صفات أهل الغربة حتى يكون معهم؛ لأنهم الذين بشّرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «طوبى للغرباء».

ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين، قيل: منهم، قال: بل منكم». هذه بشارة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، إن كنت مع أهل الغربة سيكون هذا أجرك، أما إذا كان على غير ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله.

صفات أهل الغربة

     قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى للغرباء الذين يتمسكون بكتاب الله حين يُترك، ويعملون بسنتي يوم تترك -وفي رواية- حين تطفأ»، وهذا حديث مرسل لكن معناه صحيح، ونلاحظ أن المصنف يذكر أحاديث في هذا الباب، منها الصحيح ومنها الضعيف، وسنعرف بعد قليل لماذا يأتي في كتابه بأحاديث ضعيفة، هنا أتى لنا بصفات أهل الغربة: نزّاع من القبائل، يَصلحون إذا فسد الناس، يُصلِحون ما أفسد الناس من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهنا أتى بصفة جديدة وهي التمسك بكتاب الله حين يُترك، والعمل بسنة النبي حين تطفأ. ففي الغربة أكثر الناس تركت كتاب الله أفرادا وجماعات، ودولا تركوا كتاب الله -عز وجل- وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فهم لا يأخذون بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم . وذكر هذا الحديث مع أنه مرسل؛ لأن فيه زيادة معنى لمعنى الغربة، وهو يريد أن يعرّفنا بصفات الغرباء حتى نكون منهم، ولا شك أن هذه الأحاديث -وإن كان في بعض أسانيدها مقال- إلا أنها مجتمعة تعطي قوة في أصل الحديث «طوبى للغرباء»، كما أن شواهدها من الكتاب والسنة تدل على أنها تصلح للاستشهاد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك