رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 9 فبراير، 2015 0 تعليق

سلسلة الأعمال الخيرية- القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية 32- « الدفع أسهل من الرفع»

نكمل في هذا العدد ما بدأناه من ضوابط وقواعد للعمل الخيري والوقفي ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع؛ الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من الكتب الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية .

الدفع أسهل من الرفع(1)، قاعدة مهمة ويمكن تسميتها : قاعدة وقائية ، وتعني: أن دفع الشيء قبل حصول الشيء أسهل من إلغائه بعد وقوعه، فالدفع من البداية أسهل من معالجة الأمر بعد أن يتمكن.

     فالدفع من البداية أسهل بكثير من الدفع بعد أن يتمكن الآخرون، لأن الدفع ابتعاد عن الشر وأسبابه , لكن إذا نزل الشر صار من الصعب أن يدفعه الإنسان، ومن أهمل الدفع بداية عوقب بصعوبة الرفع، فإثم من تكاسل عن دفع الغاصبين والمعتدين على الوقف وهو قادر على دفعهم كبير، وآثار ذلك على من فرط في الدفع في الدنيا قبل الآخرة، فيثقل عليه رفع يد المعتدين بعد تمكنهم واستغلالهم لعين الوقف.

     وهذا مشاهد محسوس، فكم من وقف قد اعتدي عليه واغتصب، وأضحى وكأنه حق مملوك للمعتدين ، وتشابكت الأمور حتى عجز عن استرداده إلا بجهود كبيرة ومصارف ثقيلة  لا يملكها الوقف ولا القائمون عليه.

وقد نص الفقهاء – رحمهم الله – على أن أحكام الدفع، قد تختلف عن أحكام الرفع في الكثير من النوازل.  

     وقد اندرجت تحت هذه القاعدة فروع كثيرة شملت أبوابا عديدة من الفقه ومسائله، وأدوات الدفاع عن الوقف متعددة ومتنوعة ، كدفع من غزا أرضاً من أراضي المسلمين، فكل يدفع بما يستطيع، وكذلك الدفاع ورد المعتدين بداية يكون على كل حسب استطاعته. 


ومن التطبيقات العملية لهذه القاعدة:

- إذا علم أن هنالك جماعة تكيد للاستيلاء على الوقف، فالواجب إبطال كيدهم وكشف مخططاتهم حتى يدفعوا من البداية؛ وينبغي أن يكون الجهد المبذول للدفع أكبر من مخطط الاستيلاء عليه أو على ريعه.

- والاستعانة بأناس بمقابل مادي للدفاع عن الوقف في حال تكشف الكيد له، إن لم يستطع صدهم بما هو مقدور ، أولى من تركه عرضة للاعتداء، فالوقاية خير من العلاج، فقد يصعب تحصيل العلاج، ويطول التداوي به.

- ودفع من لا يستحق المساعدة من المؤسسات الخيرية من البداية ومصارحته بأن شروط المساعدة لا تنطبق عليه أولى من مساعدته مرة واحدة ثم قطعها بعد تأميله بأنها ستكون شهرية.

     ومنع تسجيل مشروع خيري باسم شخص من البداية، أسهل من تحصيل المشروع واسترداده بعد مضي سنوات من تسجيله، فقد يتعرض المشروع لمخاطر عديدة في حياة ذلك الشخص أو مع ورثته بعد مماته؛ فكم من الأخطاء كان بالإمكان تفاديها ودفعها عن المشاريع الخيرية والوقفية، والتساهل بذلك حتى وقعت المشكلة، و صار من الصعوبة رفعها، فالدفع منع وجود، والرفع إزالة موجود.

- منع استلام مؤسسات خيرية أموال من جهات خارجية مشبوهة ابتداءً ، أسهل من التعامل مع ذلك المال لا حقاً، والذي قد يتسبب بمشكلات متعددة الجوانب، وفي مقدمتها الشرعية .

- ودفع المنتفعين والمغرضين وأصحاب الكفاءات المتدنية من البداية عن إدارة المؤسسات الخيرية والوقفية ، يحفظ العمل الخيري والوقفي من الضياع ويمنع توظيفه للمصالح الخاصة، فبتطبيق تلك القاعدة يُدفع شرٌ وخطرٌ عظيم؛ ويخفف صعوبة الرفع بعد الوقوع .

- وينبغي دفع الضرر عن أصحاب النوازل والحاجات من البداية؛ لأن معالجة الضرر بعد وقوعه يحتاج إلى جهد أكبر وتكاليف أكثر. فما أمكن دفعه ومنع تأثيره في الفعل ابتداءً أولى من التمادي فيه حتى يقوم المانع ثم يبذل الجهد في رفعه، ذلك أن الدفع يكون قبل وقوع المانع فكان أقوى وأسهل، فإذا وقع المانع ضعف رفعه(2).

- والصلح بين الناس عند الخصومة من الأعمال الخيرية الفاضلة وسماه الله خيراً ؛ قال تعالى «والصلح خير»(3) ، وهو مادة قوية لحسم النزاع في أوله؛ لأن إغفاله يؤدي إلى فساد ذات البين. 

 الهوامش:

 1- الشرح الممتع (1/65)، وهي من القواعد التي نصص عليها ابن رجب في قواعده (3/23).

2 - انظر القواعد لأبي عبد الله المقري - تحقيق أحمد بن حميد - طبع جامعة أم القرى - 2/590، والأشباه والنظائر – للسيوطي – الطبعة الأخيرة - مطبعة الحلبي - مصر - ص 138.

3 - سورة النساء ، الآية 128 .

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك