سكة الحجاز الحديدية وقف إسلامي مفقود
الخط الحديدي الحجازي من الإنجازات الرائعة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني سياسياً ودينياً وحضارياً، وهو من أعظم الأوقاف المعاصرة؛ حيث قدم خدمات جليلة ولاسيما لحجاج بيت الله الحرام، الذين تخلصوا من رحلة الشقاء الطويلة التي كانت تمتد لأشهر وسط المخاطر الكثيرة؛ إذ تقلصت بعد إنشاء الخط إلى خمسة أيام فقط بما في ذلك فترات الاستراحة.
رأى السلطان عبد الحميد ما يعانيه الحجاج من مشاق في طريقهم إلى مكة المكرمة، فعزم على مد خط حديدي ليسير عليه عربات بخارية تحمل الحجاج والمتاع، وتقيهم من متاعب السفر لأشهر في صحراء مقفرة، فشرع العمل في هذا المشروع سنة 1900م وامتد العمل فيه ثماني سنوات متتالية؛ فأصبحت الرحلة بعد إنشاء هذا الخط الحديدي الذي بلغ طوله (1320كم) تستغرق أيامًا معدودة ينعم فيها الركاب بالراحة والأمان، وقد خصص لمده من خزانة الدولة أقصى ما تستطيع، ومن ماله الخاص ما جادت به نفسه، ورغب المسلمين في المشاركة والتبرع لهذا المشروع الاستراتيجي، وأوقف له الأوقاف، وسخر الجيش العثماني للعمل في مده.
ومما أوقف لذلك الخط الحديدي أراض في حيفا، وعكا والناصرة، واستثمار مياه وادي اليرموك، وأراض ومبان في دمشق وبيروت، ومنها كذلك استثمار الفوسفات في الأردن، وفي كل ذلك حُجج وقفية ووثائق قضائية.
محب الدين الخطيب
وأفضل من كتب بشأنها، (محب الدين الخطيب)، الداعية الإسلامي الذي كان شعلة من الحيوية والذكاء، والغيرة على الإسلام، الذي ترأس مجلة الفتح (1926-1948)، وبلغت أعدادها 884 كانت تصدر في القاهرة، تحمل هم الدفاع عن الإسلام وقضايا المسلمين في كل مكان، وقد نشرت المشروع الإسلامي، وقلّ أن تجد أحد الأعلام– في زمنه- لم يكتب في الفتح، وكانت الفتح تصل إلى كثير من بلاد العالم، وكانت تتميز بأخبارها الخاصة؛ حيث كان يراسلها المخلصون من كل مكان، ففي افتتاحية مجلة الفتح، العدد 107 الخميس 16 صفر سنة 1347 – 2 أغسطس 1928، السنة الثالثة، كتب الشيخ محب الدين الخطيب الآتي حول سكة الحجاز الحديدية:
«إن هذا التراث الإسلامي العظيم ما زال شاخصاً أمام عيوننا في جميع الأوقات؛ لأن الجهود التي بذلها آباؤنا في جميع أقطار المعمر لإنشاء هذه السكة الحجازية تعدُّ من أعظم الجهود التي كتب الله لنا فيها النجاح، فكيف يستطيع الرجل المسلم أن ينسى هذه الناحية من أعمال المسلمين الناجحة؟ وكيف يرضى المسلم بحال من الأحوال أن يصير مجهود أمته إلى غير أيديها؟
سكة الحجاز الحديدية وقف إسلامي، والذين أنفقوا على تكوين هذا الوقف ووضعوا فيه أموالهم ما يزالون موجودين، والذين ماتوا منهم ما يزال أبناؤهم على قيد الحياة. ومنذ وضعت الحرب العظمى أوزارها حتى اليوم ما برحت الصحف الإسلامية تردّد صدى الرأي العام الإسلامي بشأن هذه السكة الحديدية، ولكن المسلمين لم يشاؤوا أن يثيروا هذه المسألة بجد واهتمام انتظاراً لما يكون للحكومة الحجازية في هذا الشأن من تدبير، ولا سيما في مدة حكم جلالة الملك ابن السعود الذي عرف فيه المسلمون بُعد النظر وحسن اختيار الوقت الملائم لكل عمل، فكان من المعقول ألا نثير -نحن الصحفيين- هذه المسألة في وقت لعله لا يكون مناسباً لإثارته فيه. ولكن لكل شيء حدّ، والحق مهما انتظر صاحبه ليصل إليه فسيأتي وقت يأخذ فيه بالعزم والحزم معاً طلباً لهذا الحق الذي يراه مقدساً.

المائدة الخضراء
والآن فإن المائدة الخضراء قد وضعت تحت سقف البناية الفخمة التي أنشأها المسلمون بأموال هذا الوقف الإسلامي، وأعني بها البناية التي فيها إدارة الخطوط الحديدية في حيفا، واجتمع حول هذه المائدة مندوبو الانتداب الفرنسي في سوريا والانتداب البريطاني في فلسطين، وجلس معهم رجلان أحسنَ جلالة الملك ابن السعود كل الإحسان في اختيارهما وهما: الدكتور عبدالله بك الدملوجي -القائم بالشؤون الخارجية في الحجاز- وخالد بك الحكيم -الاختصاصي في شؤون سكة الحجاز الحديدية- من أيام إنشائها، والواقف على دخائلها، والعارف بما للمسلمين من حقوق فيها.
إن هذا الخط واقع تحت أيدي سلطات ثلاث: السلطة الفرنسية من دمشق إلى منتهى حدود الانتداب الفرنسي في سَمَخْ، والسلطة البريطانية في فلسطين من سمخ إلى حيفا ونصيب، وفي شرق الأردن من نصيب حتى معان وما يليها من الحدود المؤقتة التي هي نفسها موضع نزاع أيضاً، ومن هناك إلى المدينة المنورة تحت سلطان جلالة الملك العربي.
ولما انتهى هذا الخط الحديدي إلى السلطات الواقع الآن تحت تصرفها كانت فيه قاطرات وقطارات كثيرة العدد، وكان له فرع يمتد أثناء الحرب العظمى إلى بلدة طول كرم، وله في محطة القدم بظاهر دمشق (مصنع) واسع ذو آلات وأدوات ثمينة. ولعل محطة هذه السكة في حيفا تعد من أعظم محطات الخط غنى بما فيها من مصنع ومركبات وأدوات. زد على هذا أن الأجزاء الواقعة من هذا الخط تحت سلطة الفرنسيين والإنكليز هي الأجزاء الفنية، يدلك على ذلك أن واردات الخط في الجزء الفرنسي فقط بلغت في العام الماضي نحو ثلاثين مليون فرنك، وفي العام الذي قبله (1926) نحو واحد وعشرين مليونا.
مع أن هذا الخط يدار بيد شركة فرنسية تعد بمقام الضرة للخط الحجازي؛ لأنها كانت تملك خطاً موازياً له في جنوب دمشق يخترق حوران إلى المزيريب، فكان الخط الحجازي قاضياً عليه. ويقال إن سلطة الانتداب أسلمت إدارة الخط الحجازي لهذه الشركة تعويضاً لها عما ألحقه الترك بها من ضرر أثناء الحرب العظمى، ولعل مؤتمر السكة الحجازية في حيفا إذا اطلع على حسابات ذلك القسم يظهر له أن فائدة الشركة الفرنسية في سوريا والإدارة الإنكليزية في فلسطين غير مقصورة على إصلاح قاطراتها ومركباتها في مصنع محطة القدم ومصنع حيفا.

وبعد فإن مؤتمر (لوزان) اعترف بأن هذا الخط الحجازي وقفٌ إسلامي؛ لأنه لم ينشأ بأموال تركيا فيكون غنيمة الذين غلبوها، بل أنشىء بإعانات المسلمين في أنحاء الأرض. ومؤتمر حيفا الذي أرسل جلالة الملك ابن السعود مندوبيه لحضوره يجب أن يبتّ في هذا الحق الإسلامي الذي لا ريب أن تصرف الأيدي غير الإسلامية فيه يولد في قلوب المسلمين جميعاً أضغانا، نظن أن الانتدابين البريطاني والفرنسي في غنىَ عنهما. وقد كان هذا الخط سبب عمران المدينة المنورة سنين طويلة، ثم كان انقطاعه سبب فقرها وقلة سكانها وبقاءهم في عزلة عن المعمور، وأن الجزء الواقع تحت سلطة الحكومة الحجازية هو أفقر أجزاء هذا الخط؛ لأنه يمر ببلاد غير معمورة، فضلاً عن أنه خالٍ من الأدوات والقاطرات والقطارات، وجميع محطاته خربة، وخطوطه منتزعة، وقناطره وجسوره تحتاج إلى بناء من جديد. ولا يمكن استئناف العمل عليه إلا بإعطاء هذا القسم نصيباً متناسباً مع مساحته من جميع أدوات الخط التي توجد في منطقتي الانتدابين.
ومن الواجب أن يعد مجموع هذه السكة الحجازية عملاً واحداً ينفق من بعضه على بعضه الآخر، فيقوم القسم العامر منه بسد حاجة القسم الخرب. وهذه القاعدة تستلزم تقديم حساب عن واردات هذا الخط الإسلامي في السنين السابقة بعد الحرب وعن قيمة طوابع السكة الحجازية التي صرفت في سوريا وفلسطين، فيحجز منها احتياطيٌّ معتدل المقدار لما يحتاج إليه الخط في منطقتي الانتداب، ويرصد باقي ريعه في كل السنين السابقة واللاحقة لإصلاح الخط من معان إلى المدينة المنورة، بعد تأسيس إدارة له مرتبطة بالحجاز يكون مركزها المدينة ولها فرع في حيفا، ويكون الخط كله وحدة مستقلة ذات صندوق مستقل يُردّ إليه جميع ما يفيض عن نفقاته من وارداته لمواصلة إصلاحه، وللاستمرار بعد ذلك على مد خطوطه من المدينة إلى ينبع ورابغ ومن رابغ إلى مكة كما أشار بذلك كمال بك الخشن المهندس المصري في تقريره الذي سبق لنا نشر هذا الجزء منه.

إن الحجاز يفاخر الآن باستقرار الأمن في ربوعه من حدود عسير إلى حدود الشام، وهذا الأمن هو الخطوة الأولى في سبيل العمران؛ فمن الواجب على أوروبا التي تقدر الأمن والعمران قدرهما أن تساعد هذه الحكومة الحجازية العادلة الحازمة؛ فتمكنها من أهم أسباب عمران بلادها وهو إعادة إنشاء هذه السكة الحجازية. والمسلمون إذا ألحوا بالمطالبة بذلك فإنما هم يطالبون بحق مالي لا دخل له في السياسة والحكم، وإنما هو وقفٌ اعترفت معاهدة لوزان نفسها بصفته الإسلامية، وأقرت بوجوب تسليمه إلى لجنة إسلامية، والمسلمون قد سجلوا على أوروبا هذا الاعتراف وباتوا يترقبون الوقت المناسب لتحقيقه، وهم يرون أنه قد آن الأوان بذلك بانعقاد مؤتمر حيفا الذي حضر مندوبا الحجاز لتمثيل الحجاز فيه، وسننتظر ما يكون من أمر حقنا الصريح فيما يقرره هذا المؤتمر».
لاتوجد تعليقات