رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 26 يوليو، 2018 0 تعليق

سقوط الأخلاق.. سقوط للمجتمعات


لم ترتق أمَّة من الأمم سُلَّم الحضارة الإنسانية يومًا ما، بما تملكه من ثروات مادية، أو قوة بشرية، وعسكرية فحسب، بل لابد أن يكون ذلك في إطار سياج متين، من الأخلاق، والقيم التي تجعل للتقدم هدفًا ساميًا، وغاية كبرى تحمل رسالة خير للإنسانية؛ فالأخلاق الراقية هي سر حضارة الأمم وديمومتها، ومهما رأيت من عظيم البنيان، وضجيج المصانع، وحركة التجارة في غياب الإطار الأخلاقي؛ فهي لا محال إلى زوال، ولم يكن الشاعر حافظ إبراهيم مُبالغًا عندما أشار إلى ذلك، وبين أن نهضة الأمم وازدهارها وقوَّتَها، إنما يقوم على الأخلاق ومنظومة القِيَم حين قال:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ                              فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

العديد من المتغيرات

      وإن ما يلاحظه كل غيور على دينه وأمته في ظل العديد من المتغيرات التي تمر بها أمتنا الإسلامية، محاولة بعض الأعداء طمس هوية الأمَّة، وتغيير ملامحها، ونسف القيم الربانية التي جاء بها الإسلام، ومنها الحياء، لتصبح تلك القيم مجرد لفظ ليس له مضمون؛ فباسم الحرية الشخصية، لا يتورع بعض الناس عن فعل الكثير من الأمور التي كان الحياء يمنعهم في السابق من فعلها، وما أكثر ما يرتكب اليوم من آثام باسم الحرية الشخصية في بلاد المسلمين، فهل أصبح الحياء علامة من علامات التخلف في عالمنا المعاصر؟ أم أن موضة التحديث لا تعترف بالقيم الربانية؟ وتعدها مجرد شعارات تزين بها خطاباتها وتشريعاتها فحسب؟

نسيجاً واحداً

      لقد جعل الإسلام العبادات والأخلاق نسيجًا واحدًا؛ فللأخلاق صلة وثيقةٌ بعقيدة الأمة ومبادئها؛ فهي عنوان التمسك بالعقيدة، ودليل الالتزام بالمبادئ والمثل؛ فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا أخبرُكم بأحبِّكم إلى الله، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالوا: بلى، قال: أحسنكم خلقاً»؛ فأحسنهم خلقًا أقربهم منزلة ومجاورة للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

حاجز منيع

     ولذا سيظل الالتزام الحق بالدين، حاجزًا منيعًا في وجه الانحطاط الخلقي والتفسخ الحضاري؛ لأن القيم مهما كانت عميقة، يمكن أنْ تخضع للتطور الذاتي، ويمكن أنْ تؤول على نحو يفرغها من مضامينها، ويمكن تجاوزها إذا لم تكن مرتكزة على عقيدة ربانية سليمة؛ لأن الحضارة البشرية قاصرة بطبعها، وعاجزة في حد ذاتها.

الحياء أساس العفة

إن الإنسان الذي كرمه الله، ينبغي في ظل كل المتغيرات أن يحافظ على كرامته وعلى قيمة الإنسان؛ من حيث هو إنسان، وهذا لن يتحقق تحققا كاملا، إلا إذا كان للحياء في حياة الإنسان مكانه ودوره في حماية الأخلاق من الانهيار.

     فالحياء من القيم النبيلة في حياة الناس أفرادًا وجماعات، ومن شأن الحياء أن يمنع المرء من فعل أي شيء لا يتفق مع الأخلاق الكريمة والسلوك الحميد، وهذا يعني أن الحياء والضمير صنوان لا يفترقان، ومن أجل ذلك يعد الحياء في التصور الإسلامي عنصرا أساسيا من عناصر الإيمان؛ فإذا رفع أحدهما، رفع الآخر، كما ورد في الحديث النبوي: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان».

مانع ودافع

     ولا يجوز أن يفهم الحياء على أنه أداة مانعة من فعل ما يشين فحسب، فالحياء يشمل ذلك وأكثر منه، إنه مانع ودافع في الوقت نفسه: مانع من الأفعال الرذيلة ودافع إلى الأفعال المحمودة؛ لأنه إذا كان شعبة من شعب الإيمان لا ينفصل عن العمل فإن الحياء بالتالي لا ينفصل عن العلم أيضا.

انهيار الحضارة

ومما لا شك فيه أن انهيار حضارات الأمم مرتبط بالانحلال والانحراف عن منهج الله الواحد الأحد.

نسيان الفضائل

     وأدرك هذه الحقيقة أيضًا أحد كتاب النصارى واسمه (كوندي)؛ حيث قال: «العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب، يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات»، وصدق الله العظيم القائل: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}(الإسراء:16).

ولقد كان من أهم عوامل سقوط بلاد الأندلس العامل الأخلاقي؛ فالضعف التدريجي الذي أصاب المسلمين في الأندلس، وأدى إلى خروجهم من تلك الديار، لم ينشأ من فراغ، كما لم يكن وليد يوم وليلة، بل كان نتيجة لعوامل وأسباب عدة أهمها ما يلي:

(1) انحراف كثير من مسلمي الأندلس عن منهج الله.

(2) موالاة الأعداء والتخلي عن الجهاد.

(3) التفرق والتشرذم.

(4) تكالب القوي النصرانيه عليهم.

الضعف الخلقي

ويعد الضعف الخلقي للمسلمين في الأندلس قبل سقوطها أحد النتائج التي تمخضت عن الانحراف عن منهج الله، وقد كان لهذا الضعف مظاهر عدة، نذكر منها اثنين فقط وهما:

(2) التشبه بالعدو وتقليده.

(3) انتشار المجون والخلاعة بين المسلمين.

التشبه بالعدو وتقليده

     للمسلمين شخصيتهم المستقلة التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظل مسلمو الأندلس خلال القرون الثلاثة الأولى لوجودهم في الأندلس محافظين على شخصيتهم التي تأصلت فيها الأخلاق والقيم النبيلة، ولكنهم بعد أن دب الضعف إليهم، وعصفت بهم الفتن، وضعف الوازع الديني عند بعضهم، بدؤوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق، والتأثر بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم.

كسر الحاجر النفسي

     ذكر ابن الخطيب أن جند مسلمي الأندلس، تشبهوا بالنصارى في زيهم وأسلحتهم، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلّد النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الشركية، وهناك فئة أخرى كانت تحضر مجالسهم وتشاركهم أفراحهم، من هؤلاء منذر ابن يحيى أمير سرقسطة؛ فقد بالغ في التشبّه بالنصارى وموالاتهم؛ حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين أبنائهم. ولا شك أن لذلك أثرًا في كسر الحاجر النفسي بين المسلمين وأعدائهم؛ فزالت مهابة المسلمين عند النصارى، حينما تخلوا عن أصالتهم وأخلاقهم الإسلامية؛ حيث أصبحوا حقيرين في عين عدوهم، وأقل من أن يهتم بهم.

الخلاعة والمجون

     وكان ذلك من أعظم الأسباب أثرًا في انهيار الدولية الإسلامية في الأندلس؛ حيث كان شرب الخمور والاستغراق في الملذات، والإكثار من الجواري والنساء، قاسمًا مشتركًا بين كثير من ملوك الطوائف، الذين غرقوا في مستنقع الفواحش والرذيلة، ويبدو هذا جليًّا لكل من طالع أخبارهم، واستغل هذا الأمر بعض الوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان، وكان أهل تلك الفترة يتفاخرون بكثرة آلات الطرب والغناء؛ حيث يقولون عند فلان عودان، أو ثلاثة، وأربعة، وأكثر من ذلك.

وامتد ذلك ليصل إلى حد الاستخفاف بالدين عند بعض الناس؛ فقد ذكر ابن حزم أن إبراهيم بن سيار النظام كبير المعتزلة في الأندلس، تعلق بحب غلام نصراني؛ فألف له كتابًا في تفضيل التثليث على التوحيد تقربًا إليه!!

المحافظة على أخلاق الأمَّة

      من هنا؛ فالمحافظة على أخلاق الأمَّة هي محافظة على بقائها ونجاتها من عقوبة الأخذ؛ فإن الأخلاق حِيْن تتعرَّض للانهِيار، تتحطَّم معها كل البنى الاجتماعِيةِ الأمنِية منها، والإِدارية، والاقتصادية، ولا تستعاد إلا بِها؛ فالأخْلاق تُعدُّ روحا تدُبُّ فِي بدن الكِيانات، مهما كانت لتبعث فيها الحيوية والنشاط، وما إِنْ تتعَرض للسلب إِلا وتَؤول إِلى الدمَار.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك