رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الحضرمي أحمد الطلبه 8 أكتوبر، 2019 0 تعليق

زيف دعوى رؤية النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – يقظة

إكمال الدين من أكبر نعم الله -تعالى- على عباده المؤمنين؛ فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم -صلوات الله وسلامه عليه-، فقد جعله الله -تعالى- خاتمَ الأنبياء والمرسلين، وبعثه إلى الثقلين -الإنس والجن-، فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه، قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} (المائدة: 3).

     والكلامُ في الأحكام الشرعية كالوجوب والاستحباب والتحريم والكراهة والإباحة لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وكلّها مأخوذة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وتناقلها العلماء من لدن الصحابة إلى وقتنا المعاصر؛ لذا لما أحدث بعض الصوفية -والطائفة التيجانية من أكثرهم توسُّعًا في هذا الأمر– دليلًا مخترعًا: «وهو ادعاؤهم رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظةً، واستفتاءه في مسائل الشريعة، وتلقي تصحيح الأحاديث وتضعيفها منه، وتحصيل الأحكام الشرعية منه»، تصدَّى لهم أهل السنة والجماعة وبيَّنوا زيف دعواهم وبطلان آثارها.

مناقشةَ دعوى الصوفيَّة

     وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس المقصود بهذه المقالة مناقشةَ دعوى الصوفيَّة بإمكان وقوع رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظةً من جهة العقل، أو ثبوتها من جهة النقل، والرد على أدلتهم التي استدلوا بها على هذا الأمر؛ فإن الكلام على هذا الأمر له مقام آخر، وإنما المقصود هنا هو الكلام على أدلَّةِ فساد دعواهم، وبطلان الآثار المترتِّبة عليها، وشناعة دعواهم، وإحداثهم في دين الله -تعالى- ما ليس منه.

ذم الابتداع في الدين

     وقد تبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - من صنيعهم هذا فقال: «من أحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ». وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو صريح في رد كل البدع والمخترعات؛ فكل دعوى تنطوي على مخالفة هذا الأصل بزيادة دليل لم يعتبر شرعًا -ومنها ادعاء رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظةً وتلقي الأحكام منه- أو إضافة حكم لم يكن له دليل شرعي معتبر، فهي دعوى باطلةٌ مردودة على صاحبها كائنًا من كان، وبيان ذلك -باختصار- من وجهين:

الوجه الأوَّل

 دعوى رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظَةً بعد وفاته باطلة شرعًا، مستحيلةٌ عقلًا: فلم يرد دليل في القرآن أو في السنة يدل على جواز رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم- يقظة بعد وفاته، بل الثابت بالدليل القطعي بخلاف ذلك:

معارضة القرآن الكريم

     قال -تعالى-: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر: 30)، والآية نص في إثبات موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي من الآيات التي استشهد بها الصديق أبو بكر - رضي الله عنه - عند موت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تحقَّق الناس موته؛ حيث قال: ألا من كان يعبد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر: 30)، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 144)، قال: فنشج الناس يبكون.

مخالفة الإجماع

 حكى بعضُ العلماء الإجماعَ على ما تقرَّر سلفًا في الآيات السابقة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعود إلى الدنيا، يقول ابن حزم في كتابه: «واتَّفقوا أن محمَّدًا -عليه السلام- و أصحابه لا يرجعون إلى الدنيا إلا حين يبعثون مع الناس».

مخالفة المعقول

     القائلون بهذه الدعوى يخالفون صريح العقول والفطر، ولا يتردد عاقل في رد كلامهم، يقول أبو العباس القرطبي: «قالت طائفة من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته، كما يرى في اليقظة، وهو قول يدرك فسادُه بأوائل العقول؛ فإنه يلزم عليه ألا يراه أحد إلا على صورته التي توفي عليها، ويلزم عليه ألا يراه رائيان في وقت واحد في مكانين... وهذه جهالات لا يبوء بالتزام شيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول».

اعتراض ورده

     وإذا اعتُرض على هذا بأن بعضَ من ينتسب إلى العلم ادَّعى رؤيتَه - صلى الله عليه وسلم - يقظةً بعد وفاته؛ فإنه يجاب عن هذا: بأنه مردود؛ لثبوت معارضته للأدلة السابقة، ولا يستبعد وقوع الخطأ أو التخييل أو التلبيس عليهم من الشيطان؛ فإنه لا قائل بالعصمة لهم أصلًا من الوقوع في مثل هذا؛ ولذا يقول ابن الجوزي: «من ظن أن جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المودع في المدينة خرج من القبر، وحضر في المكان الذي رآه فيه؛ فهذا جهل لا جهل يشبهه»، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكل من قال: إنه رأى نبيًّا - صلى الله عليه وسلم - يعني: بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعين رأسه، فما رأى إلا خيالًا»، وإذا ثبت هذا تيقَّنَّا فسادَ ما يترتب عليه من أحكام.

الوجه الثاني

      بطلان الآثار المترتبة على دعواهم: يزعم أصحاب تلك الدعوى رؤيتَهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة، وأنه أمَّنَهم ومن رآهم من العذاب يوم القيامة، وأنهم يستفتونه في أمور دينِهم ودنياهم، ويأخذون عنه أورادَهم وما يترتب عليها من أجور، ويثبتون بها انتسابهم إلى بيت النبوة، ويصحِّحون بها الأحاديث التي ضعَّفها الحفَّاظ فيعملون بتصحيحه، وغير ذلك من الطوامِّ المهلِكَة، مما يفتَح الباب على مصراعَيه للإفساد في الدّين والتلاعب بالأحكام، وانتشار البدع والخرافات.

أمثلة من الواقع

     ومن الأمثلة على ادعاء أحمد التيجاني -مؤسس الطريقة التيجانية- أنَّه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظةً لا منامًا، وقال له: أنتَ منَ الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان، ويقول الشيخ أحمد الزواوي -وهو أحد شيوخ الطائفة التيجانية-: «طريقنا أن نكثرَ من الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - حتى نصير مِن جُلسائه، ونصحَبَه يقظةً مثل أصحابِه، ونسأله عن أمور ديننا، وعن الأحاديث التي ضعَّفها الحفاظ عندنا، ونعمل بقوله فيها»، ويقول ابن حجر الهيتمي: «وقد حُكِي عن بعضِ الأولياء أنه حضَر مجلسَ فقيهٍ، فروى ذلك الفقيهُ حَديثًا، فقال له الولي: هذا الحديث باطِل، قال: ومِن أين لك هذا؟ قال: هذا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - واقفٌ على رأسك، يقول: إني لم أقُل هذا الحديثَ، وكشف للفقيه فرآه».

كمال دين الإسلام

     وبصنيعِهم هذا يطعنون في كمال دين الإسلام وإتمام النعمة، ويشكِّكون في تبليغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البلاغَ الكامل لما أنزل إليه من ربِّه، كما صرح بذلك بعضُهم عندما سئل: هل كان - صلى الله عليه وسلم - عالمـًا بفضل صلاة الفاتح لما أُغلِق؟ فقال: نعم، كان عالمـًا به، قالوا: ولـِم لم يَذكره لأصحابه؟! قال: لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بتأخير وقتِه، وعدم وجود من يُظهره الله على يَدَيه في ذلك الوقت».

يَكذِبون على القرآن

     وهم بفعلهم القبيح هذا يَكذِبون على القرآن، ويكذِّبون القرآنَ؛ تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لمسروقٍ -رحمه الله-: «من حدَّثَك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآيَةَ (المائدة:)».

ردَّةٌ عن الإسلام

     ومعلوم أن نسبةَ كِتمان النبي - صلى الله عليه وسلم - لشيء من الشريعة ردَّةٌ عن الإسلام؛ يقول ابن حزم: «واعلموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكتم من الشريعة كلمةً فما فوقَها، ولا أَطلَع أخصَّ الناس به -من زوجة أو ابنة أو عم أو ابن عم أو صاحب- على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده -عليه السلام- السرُّ ولا رمز، ولا باطن غير ما دعَا الناسَ كلَّهم إليه، ولو كتمَهم شيئًا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر، فإياكم وكلَّ قول لم يبيَّن سبيلُه، ولا وضح دليلُه! ولا تعوَجُّوا عما مضى عليه نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم».

انعقاد الإجماع

     كما أن الإجماع قد انعقَد على عدم جواز العمل بما يدَّعيه الصوفية من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة بعد موته؛ يقول ملا علي قاري: «لو حمل (يعني: ادّعاؤهم رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة) على الحقيقة لكان يجب العمل بما سمعوا منه - صلى الله عليه وسلم - من أمر ونهي، وإثبات ونفي، ومن المعلوم أنه لا يجوز ذلك إجماعًا، كما لا يجوز بما وقع في حال المنام، ولو كان الرائي من أكابر الأنام».

لم يحدث للصحابة

     فضلا عن أنَّ هذا لم يحدث للصحابة -رضي الله عنهم- وهم أفضل الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه لما حكى بعضهم عن ابن منده أنه كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية، ودخل فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأجابه، وادَّعى آخرُ من أهل المغرب حصَل له مثل ذلك، وجعل ذلك من كراماته؛ رده الحافظ ابن عبد البر، وقال لمن ظن صحَّةَ ذلك: «ويحك! أتَرى هذا أفضلَ منَ السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار؟! فهل في هؤلاء من سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد الموت وأجابه؟! وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأجابهم؟! وهذه ابنته فاطمة تُنازع في ميراثه، فهلا سَأَلَته فأجابها؟!».

     وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: «ثلاث وددتُ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدًا: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا»، وبهذا يُعلم سلامة منهج أهل السنة والجماعة تأصيلًا وتفريعًا، وبطلانُ ما عليه أصحاب الأهواء والصوفيةُ المبتدعة، وفساد طريقتهم في التعامل مع الشريعة.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك