زيادة معدلات الجريمة في الكويت قنبلة موقوتة تهدد أمن المجتمع-أكثـــر مــــــن 15000 جريـمــــــة فــــي عــــــام 2012
الأمن في الأوطان من أعظم النعم التي تفضل الله سبحانه وتعالى بها على بني الإنسان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».
ولا شك أنه باختلال الأمن تختل جميع الموازين، فلا مال يستفاد منه، ولا صحة، ولا استقرار ولا تطور بدون الأمن، ولا حياة ترجى بدون الأمن، فالأمن هو الحياة، ولا شك أن من أهم ظواهر فقدان الأمن: انتشار الجريمة، وزيادة معدلاتها، ويأتي على رأس هذه الجرائم بالطبع جرائم القتل وإزهاق الأنفس بغير حق، ولعل جريمة القتل البشعة التي راح ضحيتها طبيب لبناني في أحد المجمعات التجارية، قبل عدة أيام تنذر بخطر شديد يتمثل في فقدان هذه النعمة العظيمة في الكويت، خاصة -ومع الأسف الشديد- أنها ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الجريمة، وكذلك لن تكون الأخيرة ما دام الوضع على ما هو عليه، فمع كل حادثة كهذه ترتفع الأصوات، وتتعالى الصيحات كردود فعل وقتية، ثم لا تلبث الأمور أن تهدأ، وبمرور الوقت نفاجأ بجريمة أخرى أبشع من سابقتها، فنعود من جديد نتباكى على دماء أبنائنا المسفوكة بغير حق، وهكذا ندور في حلقة مفرغة دون حلول جذرية شاملة لهذه القضية الخطيرة.
إحصائيات مخيفة
أشارت الإحصائيات الصادرة عن وزارة الداخلية الكويتية إلى زيادة نسبة الجريمة بصورة مخيفة، فهل يعقل أن بلدًا مثل الكويت يُرتكب فيه كل يوم نحو (57) جريمة بمختلف أنواعها خلال العام الحالي، أي بمعدل أكثر من جريمتين كل ساعة، هذا ما كشفت عنه الإحصائية الرسمية الصادرة عن مركز البحوث والدراسات والإحصاء في وزارة الداخلية، للأشهر التسعة المنتهية في سبتمبر الماضي، حيث تبين أن الجرائم الجنائية تزايدت في البلاد، ومعدلات العنف والسلوك العدواني تضاعفت، مقارنة بعام 2011.
وأظهرت الإحصائية أن البلاد شهدت 15 ألفا و501 جريمة متنوعة خلال الأشهر التسعة الفائتة فقط، بزيادة قدرها 10٪ عن المدة نفسها من العام الماضي 2011.
وبيّنت الإحصائية أن بعض أنواع الجرائم الجنائية في البلاد تضاعفت، مثل القتل العمد، والسرقة بالإكراه، والتهديد والسلب بالقوة والمشاجرات لأسباب مختلفة، فضلاً عن جرائم الاعتداء على النفس بشتى الوسائل، كما تصاعدت معدلات جرائم حيازة السلاح الناري والذخيرة بلا ترخيص؛ مما يستلزم وقفة أمنية مشددة بجانب تكاتف جميع جهات الدولة لبحث الأسباب وسبل العلاج.
والسؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة: مسؤولية من وقوع هؤلاء الشباب في مثل هذه الجرائم؟ مسؤولية من هذه الدماء البريئة التي تزهق بين الحين والآخر؟ هل هي مسؤولية الأسرة التي لم تحسن تربية هذا الابن الذي أصبح في عرف القانون (مجرمًا)؟ أم هي مسؤولية المدرسة التي غاب عنها مفهوم التربية الحقيقي؟ أم هو القانون الذي لم يعد رادعًا لأمثال هؤلاء عن ارتكاب جرائمهم؟ أم هي مسؤولية الإعلام الذي صرف جل وقته في عرض الأفلام والمسلسلات الهابطة؟ أم هي الواسطة والمحسوبية التي أمن بسببها المجرم العقاب، فارتكب جريمته وهو يعلم أن هناك من سيخرجه؟ أسئلة كثيرة محيرة، ولكن قبل أن نجيب عنها من خلال المختصين والخبراء، نعرض بدايةً لأهمية الحدود الشرعية ودورها في حفظ الأمن في المجتمعات المسلمة فنقول:
الـحدود الشرعية لـحفظ أمن الـمجتمعات واستقرارها
جمعتْ شريعةُ الإسلام المحاسنَ كلّها، فصانت الدِّينَ، وحفظت العُقول، وطهَّرتِ الأموال، وصانت الأعراض، وأمَّنت النفوس، أمرتِ المسلمَ بإلقاء كلمة السلام والأمن والرحمةِ والاطمئنان على أخيه المسلم؛ إشارةً منها لنشرِ الأمن بين الناس.
وأوجبت حِفظَ النفس حتى في مَظِنَّة أمنها في أحبِّ البِقاع إلى الله؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «إذا مَرَّ أحدُكم في مسجدِنا أو في سُوقنا ومعه نَبْلٌ، فليُمسِك على نِصالها - أو قال: فليقبِض بكفِّه - أنْ يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيء» متفق عليه.
وحذَّرتْ من إظهارِ أسباب الرَّوع بين صُفوفِ المسلمين؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسِّلاح؛ فإنه لا يدري لعلَّ الشيطانَ يَنزِع في يده، فيقعُ في حفرةٍ من النار» متفق عليه.
وحرَّمتْ على المسلم الإشارةَ إلى أخيه المسلم بالسِّلاح ولو مازحًا؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَن أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإنَّ الملائكة تلعنُه حتى يدَعَها، وإنْ كان أخاه لأبيه وأمه» رواه مسلم.
ولقد جاءتْ تحذيراتُ الشريعة القاطعة وأصولُها الجامعةُ بالنهي الأكيدِ، والتحريم الشديد، عن كلِّ عدوان وإفسادٍ يخلُّ بالأمن أو يُؤثِّر على الاستقرار؛ قال - جلَّ وعلا -: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} (الأعراف: 56)، وقال - سبحانه -: {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } (يونس: 81).
ولأهميَّة توفُّر الأمن شرعت الشريعة الأحكامَ الوقائيَّة والدِّفاعيَّة بلا إفراطٍ ولا تفريطٍ؛ للحِفاظ على سَلامة تلك المقاصد من جهة الوجود والعَدم بما لم يأتِ له مثيلٌ، ولم يسبقْ له نظير، فمَن طبَّق هذه الأحكام وامتَثَل أمرَ الله فيها، تحقَّق له ما يبتَغِيه من الأمن.
فالقصاص والحدود شُرِعتْ لإحكام الأمن، مَن قَتل بغير حقِّ قُتِل، ولو لم يُقتلْ لقامت الثارات، وصار كلٌّ يأخُذ حقَّه بيده، ومَن سرق قُطِع، ولو لم يُقطَع لصارت البلاد مَنْهَبَة، كلٌّ يأخُذ ما يَشاء ويذَر، ومَن حارَب وسعَى في الأرض بالفَساد يُروِّع عباد الله ويقتلهم ويأخُذ أموالهم، أُقِيمَ عليه حدُّ الحرابة بالتقتيل أو بالصلب، أو بالتقطيع من خِلاف، أو بالنفي من الأرض، ومَن شرب الخمر أو قذَف محصنًا جُلِدَ، وشُرِع التعزيرُ لولِيِّ الأمر؛ ليؤدب كل معتدٍ بما يردعه عن العودة إلى فعلته، فيأمن الناس ويطمئنُّون.
من أهم الأسباب: ضعف الدين في النفوس
ويؤكد على ذلك د. بسام الشطي رئيس تحرير المجلة وأستاذ العقيدة بكلية الشريعة قائلا: حذَّر الله تبارك وتعالى من قتل النفس بغير حق فقال تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا}، وهذا وعيد شديد لا يحتاج إلى شرح أو تعقيب؛ فإن الذين يسترخصون الدماء ويستسهلون الاعتداء، إما لطمع دنيوي أو لتأويل ديني، أو لدافع عنصري أو قبلي، أو لحراك سياسي، أو لجاهلية، إنما يفعلون ذلك لضعف الدين في نفوسهم وبقايا الجاهلية في عقولهم، وكلما خبت أنوار العلم في أمة، وتضاءل الدين في نفوس الأفراد، ازداد القتل لأتفه الأسباب، فهذا يقتل والدته؛ لأنها لم تعطه مالاً لشراب المسكر أو المخدر، وهذا يقتل زوجته؛ لأنها غضبت وصدرت منها كلمات أزعجته، وهذا يقتل شقيقته لأنه شك في تصرفاتها، وآخر يقتل شخصًا؛ لأنه نظر إليه أو آذاه بصوت سيارته، إلى غيرها من الجرائم التي تعصف بالمجتمع بين الحين والآخر.
ولقد توالت التشريعات وتتابعت مؤكدة على حفظ دم الإنسان وروحه وحقه في الحياة مسلمًا كان أم كافرًا، ففي الحديث: «كل ذنبٍ عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا» وحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا».
وطالب الشطي بمراجعة حازمة على كافة الأصعدة للحد من مظاهر الجريمة في المجتمع، مبينًا أن المسؤولية ليست مقصورة على الأجهزة الأمنية وحدها فقط، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب الوقوف بصورة فورية في وجهها.
دور وزارة الأوقاف
وأما عن مسؤولية وزارة الأوقاف في هذا الشأن فقد أكد الوكيل المساعد لقطاع المساجد في وزارة الأوقاف وليد الشعيب أن الوزارة تحاول من خلال خطب الجمعة تفعيل الدور التوعوي للمجتمع والتحذير من جميع الظواهر السلبية، بالإضافة إلى البرامج التوعوية والأنشطة والفعاليات الأخرى التي تنبذ العنف بكل أنواعه، وتحث على احترام الرأي الآخر والحرص على الصحبة الصالحة.
وأضاف الشعيب أن دور المسجد في توعية النشء والشباب دور فعال ومهم، ولكنه شدد في الوقت نفسه على دور الأسرة في إبعاد أبنائهم عن رفاق السوء، وغرس القيم والأخلاق الحميدة وتربيتهم على التسامح وتقبل الآخر، مشددًا على أن الأسرة هي النواة الأولى للقيم.
الـمجتمع ينبذ العنف
من جانبه، قال الوكيل المساعد لشؤون القرآن الكريم والدراسات الإسلامية عبد الله البراك: إن العنف منبوذ من الجميع ولدينا أنشطة ومواضيع تطرح في المدارس تحث على مكارم الأخلاق واحترام الرأي الآخر ونبذ العنف بالتعاون مع وزارة التربية، حيث يتم تقديم طلبات عن مواضيع يتم اختيارها من قبلهم ونحضرها لهم عن طريق خبراء ومشايخ متخصصين.
وأضاف البراك: الوزارة متمثلة في إدارات دور القرآن الكريم والسراج المنير والتنمية الأسرية، تعد برامج ورحلات للشباب لحثهم على الأخلاق الإسلامية التي تنبذ كل صور العنف، فضلاً عن طرح أنشطة في المجمعات التجارية التي تعتبر مكانًا حيويًا يقصده الشباب بشكل كبير، وشدد على دور قطاع الدراسات الإسلامية في حث الشباب على الابتعاد عن اقتناء الأسلحة ورفقاء السوء فهي تعتبر ضياعًا بالنسبة لهم، وبين أن للتربية الأسرية دورًا مهمًا، فلا بد من أن تتابع الأسرة أبناءها: أين يذهبون ومع من يخرجون؟ فمراقبة الآباء لأبنائهم تعتبر نقطة في قمة الضرورة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن من أسباب تكرار العنف في مجتمعنا: غياب الوازع الديني، وغياب المتابعة الأسرية.
الإسلام ينبذ العنف
بدوره قال عميد كلية الشريعة السابق د. محمد الطبطبائي: إن الإسلام ينبذ العنف، وهو شر من الشرور التي تغزو المجتمع، مبينًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الرفق في الأمور كلها، كما ربى الصحابة على التسامح وضبط النفس وحسن الظن بالآخرين ورد الإساءة بالإحسان.
وأوضح الطبطبائي أن ما نراه من عنف في المجتمع ما هو إلا أحد مظاهر الابتعاد عن التشريع الإسلامي، حيث نرى بعض الشباب يمارسون العنف وحمل السلاح سواء في ملابسهم أو سياراتهم، وهذا الجانب هو مسؤوليتنا، حيث تقع المسؤولية الأولى على الحكومة، متمثلة في وزارات الإعلام والتربية والأوقاف والهيئات العامة للشباب والرياضة.
وأشار الطبطبائي إلى أن ما نراه من انتشار العنف بسبب تقصير مؤسسات الدولة، ولفت إلى أن المسؤولية تقع على الأسرة سواء في التوجيه أو المتابعة أو غرس الأخلاق الحميدة في أبنائهم والعلاج الذي يمثله الجانب التربوي، مطالبًا بإيجاد عقوبات رادعة ضد من تسول لهم نفوسهم إراقة دماء الناس.
دعونا نبحث عن أداة الـجريمة الـحقيقية
ويتساءل د. وائل الحساوي عميد كلية الدراسات التكنولوجية قائلاً: أين من يقرع أجراس الإنذار قوية ليقول للناس: قفوا قليلاً لنتفكر في ذلك المشهد، دعونا نبحث عن أداة الجريمة الحقيقية وعن المجرم الحقيقي، أليست مشاهد العنف التي يراها أطفالنا وشبابنا يوميًا في برامج التلفزيون وألعاب الإنترنت قد شاركت في تلك الجريمة؟!
يقول «ستيفن بانا» وهو طبيب نفسي وأستاذ في جامعة كولومبيا: «إذا صح أن السجن هو جامعة الجريمة، فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث»، وقد تبين أن 39٪ من الأحداث المنحرفين في إسبانيا قد تلقوا معلوماتهم من الأفلام التي تشرح لهم تفاصيل ارتكاب الجريمة وطرق الاعتداء على الناس، ووجد أن برامج التلفزيون تنقل الأطفال والمراهقين من الحياة الواقعية إلى الحياة الخيالية التي تسهل لهم ارتكاب الجرائم «إنهم بعد المشاهدة غاضبون ومخدرون» كما يقول علماء النفس.
وماذا عن الأم والأب، أليسا هما من أكبر أدوات الجريمة إن هما تخليا عن الطفل وأهملاه أو ربياه التربية المنحرفة؟! إن الأطفال الذين يشاهدون اعتداء آبائهم على أمهاتهم واعتداء آبائهم عليهم يخرجون محطمي الشخصية، يلجأون إلى العنف والاعتداء على غيرهم ليخففوا من إحباطاتهم، وكثير من البيوت لا يعتدون على أطفالهم ولكنهم يهملونهم ولا يهتمون إلا بأكلهم ولبسهم، ثم يرسلونهم إلى الشوارع ليتربوا مع المنحرفين والمجرمين، فمنهم من يدمن المخدرات والسجائر، ومنهم من يتعلم السرقة والإجرام، ومنهم من يعوض نقصه بركوب السيارات السريعة والانقضاض على الآخرين.
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى له لقي أما تخلت أوأبا مشغولا.
وتدخل التكنولوجيا الحديثة كوسائل متطورة لتعليم الجريمة من الألعاب المتطورة التي لم تعد قاصرة على الأطفال فقط والمبنية أساسًا على القتل والعنف، ومن شبكة الإنترنت التي تنقل مشاهديها إلى أخطر المواقع العالمية حيث يعيشون مع تجار المخدرات والقمار وبيع الأطفال والدعارة ورفقاء السوء، حتى مواقع التحدث «chatting» والمدونات التي لا رقابة عليها، وهكذا تعمل تلك العوامل مجتمعة على تحطيم شخصية الطفل وطمس هويته.
ويأتي في ذيل القائمة بل في أعلاها من يحاربون التوجه الديني والتربية الإيمانية للأطفال بحجة تحصينهم من الوقوع في الإرهاب، وما دروا أن الإرهاب لا يأتي إلا من الانحراف السلوكي وفساد التصور.
من أهم أسباب الانـحراف
وعلى الجانب النفسي والتربوي يرى د. مصطفى أبو سعد الاستشاري النفسي والتربوي والمتخصص في التنمية البشرية، أن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة: ضعف الوازع الديني، ورفقاء السوء، والاعتقاد غير الصحيح بإثبات الذات، والشعور بالفراغ، وحب التقليد، وضعف الشخصية من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة.
كما أشار أبو سعد إلى أن الأسرة تشارك في عملية الانحراف بسبب القدوة السيئة من قبل الوالدين وانشغال الوالدين عن الأبناء، وغياب الرقابة والمتابعة والقسوة الزائدة على الأبناء، وعدم وجود الروابط العائلية ولا سيما مع كثرة حالات الطلاق وقلة الحوار الداخلي في الأسرة، مشيرًا إلى أن المجتمع يساعد أيضًا في الانحراف بسبب توافر سبل الانحراف وسهولة الحصول عليها، وكثرة أماكن اللهو، مع ضعف الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام المختلفة في التوعية والإرشاد، كذلك مع غياب رسالة المدرسة، وعدم وجود قوانين صارمة تزداد المأساة؛ فمن أمن العقاب، أساء الأدب.
دور الـمؤسسات التعليمية
أما عن دور المؤسسات التعليمية في هذه الأزمة فيقول الخبير التربوي الوكيل المساعد السابق في وزارة التربية د. يعقوب الشراح: إن المؤسسات التعليمية يجب أن تهتم أولاً بالتربية بشكل متواز تمامًا مع العملية التعليمية، مشددًا على ضرورة مراقبة سلوك المدارس بحيث تتم معالجة الطالب الذي يتصرف مع زملائه بصورة عدوانية، مشيرًا إلى أن دور المدرسة يجب أن يكون إيجابيًا لمعالجة أي ظواهر سلبية تدب للأبناء في المدارس، مع ضرورة تكثيف جرعات المناهج المعنية بضبط السلوك الأخلاقي لدى الأبناء.
ويؤكد د. الشراح أن المناهج الدراسية يجب أن تركز على الجانب الأخلاقي وكافة السلوكيات الإيجابية للدارسين في المراحل التعليمية المختلفة، مطالبًا بضرورة أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني بدورها في نشر الوعي بين أبناء البلد وكافة من يعيشون على أرض الكويت لتقليل معدلات الإجرام في المجتمع.
الصراع السياسي أحد الأسباب
ويختم الشراح كلمته بالإشارة إلى أهم الأسباب المؤدية لهذه الجرائم من وجهة نظره، وهو الصراع السياسي داخل المجتمع والذي يؤثر سلبًا على عقلية النشء والشباب, فنواب مجلس الأمة الذين يركزون على إثارة النزعة الطائفية داخل المجتمع يساهمون في تأجيج الفتنة بين المواطنين أنفسهم ما يزيد من معدلات الإجرام.
الأبعاد القانونية للأزمة
من ناحيته بين الـمحامي عبد الله الدمخي أن السبب في زيادة معدلات الجريمة وضعف القوانين والتشريعات، فكان من نتيجته شعور المرتكب لتلك الجرائم بأن الأحكام التي ستطبق عليه ستكون أحكامًا مخففة لا تتعدى بضع سنوات من السجن في سجون (ترفيهية)، وقال: يجب أن يتغير القانون؛ لأنه موضوع منذ 24 عامًا، والأمور تغيرت الآن وتبدلت، كما أن الأحداث تغيرت مفاهيمهم ونظرتهم للحياة؟
وأضاف أن من ضمن الأسباب الرئيسة في زيادة الجرائم، قانون الجزاء الكويتي الذي وضع منذ عام 1960 والذي حدد بعض الجرائم، والتي فيها يتحول المجني عليه إلى متهم وغيره هو البريء، مستدلاً بقانون المواقعة للقاصر دون سن 21 سنة والتي فعلت (الفاحشة) برضاها، ثم تذهب إلى النيابة وترفع قضية على مواقعها ويتحول هو المجرم وهي البريئة.
الـمشكلة ليست في القوانين
إلا أن المحامي د. سعد العنزي يرى وجهة نظر مختلفة في هذا الجانب فيقول: إن الكويت لا يوجد بها مشكلة في سن القوانين الجزائية كون الموجود يفي بالغرض لردع المخالفين، كما أن الإشكالية أيضًا ليست في تطبيق تلك القوانين، بدليل سرعة القبض على الجاني، مشيرًا إلى أن المشكلة الحقيقية سلوكية اجتماعية في المقام الأول.
ويضيف العنزي: إننا نعيش في مجتمع به العديد من الثقافات المختلفة سلوكيًا، وهو أمر يساعد على وقوع الجريمة أحيانًا بسبب النقص في الثقافة الأسرية والسلوكية فيما يتعلق بتربية الأبناء، لافتًا إلى أن أغلب الجرائم حاليًا يرتكبها من ينتمون لفئة الشباب أو المراهقين، وهو دليل على وجود خلل مرجعه لغياب الأسرة وضعف التربية.
ويشير العنزي إلى عامل آخر يتمثل في العوز أو الفقر، الذي قد يشكل عاملاً رئيسيًا في وقوع بعض الجرائم، وهو أمر ينطبق على فئة غير محددي الجنسية الذين يعاني كثير منهم من الفقر، لافتًا إلى أن الجريمة الأخيرة أحد طرفيها ينتمي للفئة نفسها وأن أصدقاءه مجموعة غير كويتية، وهذا يأخذنا إلى معاناة تلك الفئة من التهميش الثقافي والمالي وغياب فرص العمل، وهي أمور تخلق خللا كبيرًا في المجتمع.
أزمة أخلاق
ختامًا فإننا إذا أردنا أن نصف هذه المشكلة باختصار فإننا لا نجد تعبيرًا لها إلا أننا أمام (أزمة أخلاقية) حقيقية سادت في مجتمعاتنا العربية كلها، وليس في الكويت فقط، فالأخلاق تعكس ثقافة الأمة وحضارتها، وبقدر ما تعلو أخلاق الأمة تعلو حضارتها وترتقي قيمها وتعاملات أبنائها، وبقدر ما تنحط أخلاقها تضيع وتنحط قيمها وتعاملات أبنائها، وإذا شاعت في المجتمع الأخلاق الحسنة من الصدق والأمانة والعدل والنصح، أمِنَ الناس وحُفظت الحقوق وقويت أواصر المحبة بين أفراد المجتمع وقلت الرذيلة والجريمة وزادت الفضيلة، وإذا شاعت الأخلاق السيئة من الكذب والخيانة والظلم والغش فسد المجتمع واختل الأمن وضاعت الحقوق وانتشرت القطيعة بين أفراد المجتمع وضعفت الشريعة في نفوس أهلها وانقلبت الموازين؛ لذلك كان لزامًا علينا أن نأخذ بأسباب الوقاية من البداية، التي قد لا تكلف شيئًا مقارنة بالعلاج الذي يكلف الكثير من المال والجهد والوقت وإزهاق الأنفس بغير حق.
لاتوجد تعليقات