رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 16 فبراير، 2026 0 تعليق

رمضان شهر القرآن .. 3- د.العبيــد: رمضـان عبـادةٌ ممتدة ورسالةُ بناءٍ وإصلاح

  • رمضان لا يتعارض مع المسؤوليات بل يزكّيها فالقرب من الله لا يُشترط له الفراغ وإنما الصدق وحسن الاحتساب
  • القدوة هي أساس التربية الرمضانية حيث يتلقى الأبناء معاني رمضان وقيمه من السلوك اليومي أكثر من التوجيه اللفظي
  • يُعد رمضان فرصة عملية لمراجعة نمط الحياة والتمييز بين الضروري والزائد وتقديم ما يُرضي الله على ما تمليه العادات والضغوط الاجتماعية
  • حقيقة الصيام تتمثل في تهذيب الأخلاق وضبط السلوك وتعليم الأبناء هذا المعنىالذي يحوّل رمضان إلى مدرسة أخلاقية متكاملة
 

في شهرٍ تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتّح فيه أبواب القرب من الله، تعيش المرأة المسلمة تحديًا خاصا؛ إذ تجتمع على عاتقها مسؤوليات البيت، ومتطلبات العمل، وأعباء التربية، مع شوقٍ صادقٍ إلى اغتنام رمضان بوصفه موسمًا إيمانيا فريدًا، ومن هنا تنبع أهمية هذا الحوار الذي يضيء للمرأة الطريق، ويكشف لها كيف يمكن لرمضان أن يكون مدرسةً لإصلاح القلب، وبناء الأسرة، وترتيب الأولويات، لا مجرد أيامٍ تمضي بين المطبخ والانشغال والواجبات المتراكمة، في هذا الحوار، تفتح لنا الأستاذة بكلية الشريعة جامعة الكويت د. سندس العبيد نافذةً تربويةً إيمانية، تُعيد التوازن إلى مفهوم العبادة، وتمنح المرأة مفاتيح عملية لتعيش رمضان بقلبٍ حاضر، ووعيٍ صادق، وأثرٍ ممتد.

  • كيف يمكن للمرأة أن تجعل رمضان فرصة لتقوية علاقتها بالله وسط مسؤولياتها المنزلية والمهنية؟
  • تبدأ المرأة طريقها الصحيح في رمضان حين تدرك إدراكًا عميقًا أن عبوديتها لله لا تنحصر في المصحف والسجادة فحسب، بل تمتد لتشمل كل لحظة من لحظات حياتها إذا صلحت النية وصدق القصد؛ فالمرأة حين تطبخ لأهلها مُحتسبةً إعانتهم على الصيام، فهي في عبادة، وحين تربي أبناءها بنية إعداد جيل صالح، فهي في عبادة، وحين تخرج إلى عملها مخلصةً مؤديةً للأمانة، فهي في عبادة.
والقاعدة الكبرى في هذا الباب هي إتقان الأدوار؛ إذ لن تنعم المرأة بالرضا والطمأنينة إذا قصّرت في واجباتها، كما أن الإسلام لم يطلب منها أن تهرب من مسؤولياتها لتتفرغ للعبادة، بل علّمها كيف تحوّل هذه المسؤوليات نفسها إلى عبادة. ويأتي رمضان ليغرس في قلب المرأة هذا المعنى العظيم: أن السعادة الحقيقية في القرب من الله، لا في الفراغ من المسؤوليات؛ فليس المطلوب أن تترك واجباتها، بل أن تؤديها بقلبٍ حاضر، ونيّةٍ صادقة، وقد قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأصل الجليل بقوله: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضتُه عليه»؛ فأداء الواجبات بإخلاص هو أحب الأعمال إلى الله. وحين تنظر المرأة إلى بيتها، وأبنائها، وعملها على أنها أمانة من الله تؤديها لوجهه، يتحول يومها كله إلى عبادة، وإن بدا مزدحمًا، ويغدو رمضان فرصةً لتقوية علاقتها بالله من خلال تصحيح النية في كل عمل، وتخصيص أوقات ثابتة للقرآن والذكر ولو كانت قليلة، والإكثار من الدعاء أثناء الأعمال اليومية؛ فالعلاقة مع الله لا تحتاج فراغًا بقدر ما تحتاج صدقًا.
  • كيف تُربّي المرأة أبناءها على فهم رمضان بوصفه موسما إيمانيا وقيميا، لا مجرد الامتناع عن الطعام؟
  • أعظم وسائل التربية في رمضان هي التربية بالقدوة؛ فالأبناء لا يتعلمون فضل هذا الشهر من كثرة الكلمات بقدر ما يتعلمونه من المشاهد اليومية داخل البيت؛ فحين يرى الأبناء أمهم تفرح بقدوم رمضان، وتستعد له بالدعاء، وتُعظم شأن الصلاة والقرآن، وتتحلى بالصبر وحسن الخلق، فإن هذه الصورة تستقر في قلوبهم، وتبقى أثرًا لا تمحوه الأيام.
ويجب أن يُقدَّم رمضان للأبناء على أنه شهر القرآن، وشهر الدعاء، وشهر الصدقة، وشهر إصلاح الأخلاق. ويمكن للأم أن تربط أبناءها بهذه المعاني الإيمانية من خلال مواقف بسيطة لكنها عميقة الأثر؛ كسؤالهم عمّا تعلّموه من آية اليوم، وتشجيعهم على عمل خيري صغير كل يوم، وتعليمهم أن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هو صيام عن الغضب والكذب والأذى.

       وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب»، ليؤكد أن الصيام سلوك قبل أن يكون جوعًا، وحين يعيش الأبناء رمضان في بيت يسوده الهدوء، والذكر، والقرآن، والإحسان، فإنهم يرتبطون به ارتباطًا وجدانيا عميقًا، لا علاقةً شكلية مؤقتة.
  • كيف يمكن للمرأة استثمار رمضان لإعادة ترتيب أولويات حياتها بين الأسرة، والعمل، والعبادة؟
  • رمضان هو أنسب الأوقات لمراجعة النفس؛ لأن القلب فيه ألين، والنفوس فيه أقبل على الخير. ومن أعظم ما تكسبه المرأة في هذا الشهر أن تعيد ترتيب حياتها على أساس ما يرضي الله، لا ما تفرضه ضغوط العادات والتقاليد؛ فكثير من النساء يدخلن رمضان وهنّ يظنن أن النجاح فيه يُقاس بكثرة الأطعمة، وكثرة الزيارات، والانشغال الدائم بالمطبخ، حتى ينقضي الشهر دون أن يترك أثرًا في القلب، بينما الأصل أن تُرتّب الأولويات على النحو الصحيح: علاقتها بالله أولًا من صلاة وقرآن وذكر، ثم واجباتها الأساسية تجاه أسرتها، ثم ما زاد عن ذلك من أعمال وعادات.
والمرأة الحكيمة هي التي تسأل نفسها بصدق: ما الذي يقرّبني من الله؟ وما الذي يسرق وقتي دون ثمرة؟ ثم تُعيد تنظيم يومها على ضوء هذا السؤال. ويظل رمضان فرصة ثمينة للتخفف من الزوائد؛ كتقليل السهر بلا فائدة، وتقليل متابعة ما لا ينفع، وتقليل الانشغال بالمظاهر، واستبدال ذلك بما يزكّي القلب، ويعمّق الصلة بالله.
  • ما أفضل نصيحة تُوجَّه للمرأة لتجعل رمضان موسمًا لإصلاح قلبها قبل أن يكون مجرد أداء للواجب؟
  • أهم نصيحة تُقدَّم لكل امرأة في رمضان هي أن تجعل همّها صلاح قلبها، لا مجرد كثرة أعمالها؛ فالقلب هو موضع نظر الله، وهو منبع السعادة الحقيقية، ولتجعل مقصدها في رمضان إتقان العمل وحضور القلب، لا مجرد الانتهاء من المهام، وأن يكون رضا الله هو الغاية الأولى، لا إرضاء الناس ولا مجاراة العادات؛ فالعبادة القليلة مع إخلاص وحضور، أعظم أثرًا من أعمال كثيرة خالية من الروح.
كما ينبغي للمرأة أن تحرص على وقتها، وألا تستهلكه فيما لا ينفعها، فشهر رمضان أيام معدودة وساعات محدودة، سرعان ما تنقضي، ولتكن في هذا الشهر مباركة أينما كانت، نموذجًا للمسلمة التي أثّرت فيها مدرسة التقوى الرمضانية، في: عبادتها، وأخلاقها، وكلامها، وتعاملها مع أهلها ومن حولها. وليكن لها هدف واضح: أن تخرج من رمضان بعباداتٍ أكثر وأفضل، وبقلبٍ أتقى وأنقى، وبعاداتٍ أطيب، وأخلاقٍ أرقى مما كانت عليه قبل دخوله. فرمضان فرصة للتغيير، وبداية جديدة مع الله، والخاسر حقًّا من أدركه رمضان ثم انقضى عنه، ولم يُغفر له، ولم يتبدل حال قلبه.      

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك