رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: مركز سلف للبحوث والدراسات 31 مايو، 2018 0 تعليق

رفع الحرج في الشريعة الحدود والجنايات نموذجًا (2)


قال الله -تعالى-: {وجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} الحج: 78، ذكرنا في المقال السابق أن اعتبار المكلف في الشريعة الإسلامية والسعي لإسعاده في الدنيا والآخرة أمرٌ مقطوع به؛ ولهذا الاعتبار مظاهرُ كثيرة؛ منها سعي الشريعة لوضع القواعد المنظمة لحياة الإنسان، التي تضمن أن يسير في الحياة سيرًا لا يشق عليه، كما شرعت له شرائع تراعي حاله وترفق به، وتضع حدًّا للمشقة التي قد تعرض له في حياته طبقًا للسنن الكونية القاضية أن الإنسان خُلق في كبد؛ واليوم نتكلم عن أسباب رفع الحرج في الشريعة.

فإذا تبينت الأقسام التي ينحصر فيها رفع الحرج شرعًا بقي لنا أن نبين للقارئ أسباب رفع الحرج شرعًا.

وهي ترجع إلى سببين كما يقول الشاطبي رحمه الله:

- الأول: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله.

- والثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف أخر تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلًا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما.

     ومراعاة للمعنى الأول أمرت الشريعة بما يطاق، ونهت الإنسان عما لا يطيقه أو إلزام نفسه بما لم يلزمه شرعًا، كالنذر وغيره؛ ففي الحديث: «عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه، وإن قل»، ونهت عن النذر فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل».

     وأما الثاني، «فإن المكلف مطالب بأعمال ووظائف شرعية لا بد له منها، ولا محيص له عنها، يقوم فيها بحق ربه -تعالى-، فإذا أوغل في عمل شاق، فربما قطعه عن غيره، ولا سيما حقوق الآخرين التي تتعلق به، فيكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعًا عما كلفه الله به، فيقصر فيه، فيكون بذلك ملومًا غير معذور؛ إذ المراد منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها، ولا بحال من أحواله فيه».

     وهذا العرض لهذه المسألة المقصودُ منه ربطها بغيرها، فقد ظن كثير من الباحثين المعاصرين أن سعي الشريعة لرفع الحرج والسماحة مناقضة لتشريع الحدود والجنايات، مما قد تستكرهه النفوس ولا ترضاه، ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن الشريعة، فهي سلطة فوقية متعالية على الجميع، بل حسبنا أن نبين أن توهم التعارض بين رفع الحرج والحدود غير وارد، بل الحدود نفسها لم تخرج عن النسق العام للشريعة، وذلك ما سوف نبين في العنوان الموالي:

رفع الحرج في الحدود

     مع أن الحدود زواجر لدفع المفسدة عن المكلف وعن المجتمع، إلا أن هذه الزواجر والعقوبات لم تخل من مراعاة المعنى العام الملحوظ في الأحكام الشرعية جميعها، وهو رفع الحرج؛ فلذلك كانت الحدود الشرعية مع إلزاميّتها ومطلوبيّتها قد احتيط فيها لأجل ألا تطبق تطبيقًا خطأ، كما حصل الاستثناء فيها من أجل تفادي الأخطاء الإجرائية التي قد يرتكبها منفذو الأحكام الشرعية من قضاة وغيرهم، ويمكن تقسيم رفع الحرج في الحدود إلى قسمين: قسم عام في كل الحدود، وقسم في كل حدّ على حدة.

القسم العام في كل الحدود

     فأما القسم الأول: فهو ظاهر في طلبِ الشريعة التوبةَ، وفي بيانِها أن التوبةَ رافعةٌ للحد قبل القدرة على صاحبه، كما في الحدود التي هي خالصة لله -تعالى-؛ فإن التوبة فيها له -تعالى- كحد الردة، وما كان من العقوبات خالصًا للعبد فإن الترافع إلى القاضي ليس موجبًا للحد دون النظر إلى الإجراءات الاستثنائية التي توجب الرفق، فقبلت سحب الشكاية مطلقًا حتى مع ثبوت الحد. وقد يكون رفع الحرج بتخفيف العقوبة كما هو الحال في القتل، قال -تعالى-:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم} (البقرة:178). فقوله: «{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}؛ أي: من دم أخيه؛ أي: ترك له القتل، ورضي منه بالدية. ودل قوله: {مِنْ أَخِيهِ} على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام، {فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ}؛ أي: مطالبته بالمعروف، يأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقه فيها. وَ{أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ}: يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل. {ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ}، قال سعيد بن جبير: كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه دية؛ فرخَّص الله لأمة محمد، فإن شاء وليّ المقتول عمداً قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية»، وللتخفيف في الحدود مظاهر، منها:

أولًا: مراعاة الأهلية

     فلا يطبق الحد على فاقد الأهلية أيا كان، والأهلية تعني عندهم: «صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه»؛ ولذا لا يقع الحد على فاقد الأهلية كليًّا، كالمجنون والصبي والمكرَه، أو فاقدها فقدانًا ناقصًا يصل معه أن يكلَّف، لكنه رُفع عنه التكليف بسبب العارض من نوم أو نسيان أو خطأ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر»، وكان من فقه أبي داود -رحمه الله- أنه بوّب لهذا الحديث في سننه بقوله: «باب في المجنون يسرق أو يصيب حدَّا»، وبوّب له الترمذي في سننه بقوله: «باب من لا يجب عليهم الحد». ففقدان الأهلية مسقط للحد عمومًا.

ثانيًا: دفع الحدود بالشبهات

     فأيُّ حدٍّ عَرضت له شبهة فإنه يُدفع بها، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ادْرؤوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يخطئ فِي الْعُقُوبَةِ»، وقال عمر بن الخطاب: «لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات».

ثالثًا الدعوة إلى الستر

     وهي تشمل أمرين: ستر الإنسان نفسَه ومسارعته بالتوبة وعدم رفع أمره إلى القاضي، وستر المسلمين إياه كذلك، فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»، وكل أهل الحديث يُخرِّجُ هذه الأحاديث في باب الحدود، وقد علق صاحب عمد القاري على حديث ماعز قائلًا وفيه: «أَن السّتْر مَنْدُوب لقَوْل النَّبِي صلى الله عليه وسلم لهزّال لما أرسل ماعزًا إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَهُ: «لَو سترته بثوبك لكانَ خيرًا لَك»، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن يزِيد بن نعيم عَن أَبِيه، وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله  صلى الله عليه وسلم: «من ستر مُسلمًا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة».

ليست مقصودة لذاتها

     فهذه جملة المسائل التي راعتها الشريعة في الحدود عمومًا، وهي تدل على أن الحدود ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود ردع المجرم عن الجريمة، وقبل أن ننتقل عن هذا الموضوع نسجل ملحوظة، وهي أن ما جعلت الشريعة فيه حدًّا؛ فإنه لا يمكن العدول عن الحد واستبدال غيره به مطلقًا، إلا إذا وُجِدَ نصٌّ شرعي يدل على ذلك، فلا يمكن أن يُنظر إلى المعنى الشرعي بعيدًا عن الحكم، بمعنى أن الحدود جعلت الشريعة لها بدائل، وهذه البدائل إما أن تكون إسقاطًا للحد بالكلية لوجود السبب، كالتوبة بالنسبة للمحارب والزاني والمرتد، وإما أن تكون بدلًا ماليًّا مثل الدية في القتل الخطأ أو العمد الذي اختار الأولياء فيه الدية على القتل والعفو.

القسم الثاني

- القسم الثاني: مراعاة الشريعة رفعَ الحرج في كل حد على حدة: والمعاني التي يرجع إليها رفع الحرج في الحدود -وتسمى بالعوارض- ثلاثةٌ:

- المعنى الأول: معنًى في المحدود يختص به، كالمرض الذي يُخاف معه إن حُدَّ أن تزهق نفسه، أو يتلف منه عضو آخر، سواء كان الحد في الزنى أو السرقة أو القذف.

- المعنى الثاني: معنًى في المحدود يتعلق بغيره، كالحامل يُخاف على جنينها إن حُدّت في قتل أو سرقة أو زنى أن يموت جنينها.

- المعنى الثالث: معنىً في غيره، كالزمن الذي يُعلم الخطر فيه فيؤدي إلى التلف إن حُدّ، وكمن وطئ أمة له فيها شِرك، أو قتل قاتلًا، أو غير معصوم الدم، أو قذف مشتهرًا بمعصية.

ولو طبقنا هذه المعاني على الحدود والجنايات لوجدناها واضحة، ومن أمثلة ذلك:

- أولًا: القود (القصاص) سواء كان في دم أم جرح: فإنه يشترط فيه ثلاثة شروط:

- الأول: تكافؤ الدماء، فلا يقتل مسلم بكافر.

- الثاني: أن يكون الجرح مما لا يعظم الخطر فيه على النفس، فإن كان كذلك فإنه لا قصاص فيه، بل فيه الدية كالجائفة، والمأمومة.

- الثالث: أن يكون مما تتأتى فيه المماثلة، فإن تعذرت لم يكن في ذلك قود، كالشلل وفقد بعض البصر وبعض السمع.

حد الحرابة

     فهذا الحد مع خطورته شرعًا وشدته، إلا أن الشريعة لم تجعله مفهومًا عائمًا يمكن أن يطال كل أحد، بل خصصته بنوع من الناس، فالحرابة شرعًا: «هي الخروج لإخافة سبيل؛ لأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه أو إذهاب عقل أو قتل خفية، ولمجرد قطع الطريق لا لإمارة ولا نائرة ولا عداوة»، فقوله: (الخروج لإخافة سبيل لأخذ مال) أخرج ما كان من الخروج لغير إخافة السبيل وأخذ المال، كإخافة العدو الكافر المحارب، وتقييده المال بالمحترم، أخرج به ما كان غير محترم، كالخنزير والخمر، فإن أخذه وإتلافه ليس بشيء، و(لا لإمرة الخ) أخرج به هذه المسائل من الحرابة.

من أشد الحدود

     فهذا التضييق لمعنى هذا الحد كاف في رفع الحرج، مع أنه من أشد الحدود، وأود تنبيه القارئ الكريم إلى إخراج الشريعة البغاةَ من المحاربين، وهذا فارق كبير بين النظرة الشرعية التي تنظر إلى الجرائم بحسب خطرها لا بحسب تكييفها السياسي، وبين القوانين الوضعية، ففعل الجريمة بدافع ديني هو الذي يسمى في أغلب القوانين بالإرهاب، ويخصون الدافع الديني بالإسلام عمليًّا، فلا يسمون الإرهابي البوذي إرهابيًّا ولا المسيحي الإفريقي إرهابيًّا، على ما هم عليه من التشدد، لكن للشريعة نظرة مختلفة، وهي أن الخارج على السلطان بتأويل شرعي، وإن قوتل، فإن له أحكامًا تخصه؛ منها أنه لا يُقتل إن أُسر، ولا يُتبع إن فر، إلى غير ذلك من الأحكام المفصلة في كتب الفقه، وحد الحرابة الذي بين أيدينا أيضًا مع تضييق الشريعة لمعناه وحصره في طائفة معينة من الناس، إلا أن الشريعة جعلت منه مخرجًا، وهو التوبة قبل المقدرة على صاحبه فيما يتعلق بحق الله، قال -تعالى-:{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} (المائدة:34). وأما حقوق الآدميين فالمخارج منها معروفة، وهي إسقاط أصحابها لها، أما التوبة فلا تكفي.

حد السرقة والخمر والزنى

     وهذه الحدود بابها واحد، وهي أن التوبة منها قبل الرفع للقاضي مسقطة لها، قال القرطبي -رحمه الله-: «فَأَمَّا الشُّرَّابُ وَالزُّنَاةُ وَالسُّرَّاقُ إِذَا تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ثُمَّ رُفِعُوا إِلَى الْإِمَامِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحُدَّهُمْ»، ومراجعة شرطها وضوابطها تكفي في معرفة مدى الاحتراز في تطبيقها، وهذا الاحتراز راجع إلى نظر الشريعة للإنسان، وهو أنه مكرَّم مصون عن كل نقيصة، والأصل فيه هو الخير والسلامة من العيوب والأوصاف الأخرى طارئة عليه بسبب الشهوات أو الشبهات، وعليه فإنه لا يقبل أن يوصف وصفًا يوجب حكمًا قضائيًّا إلا ببينة معتبرة شرعًا؛ ولذلك سمّت الشريعة كلَّ نقص في البينة كذبًا على المتهم؛ فحين طلبت الشهود في الزنى جعلت نقصانهم عن العدد المعتبر شرعًا علامة على الكذب في الشرع، قال -تعالى-:{لَوْلاَ جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُون} (النور:13)، «{لَوْلا}؛ أَيْ: هَلَّا، {جَاءُوا عَلَيْهِ}؛ أَيْ: عَلَى مَا قَالُوهُ، {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} يَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاؤُوا بِهِ، {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}؛ أَيْ: فِي حُكْمِ الله كَذَبَةٌ فاجرون»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله؛ فقد ضادَّ الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال».

قصر الحدود على أصحابها

     ويضاف إلى ما سبق أن الشريعة قصرت هذه الحدود على أصحابها، فلا يؤخذ بها أبناؤهم ولا أصدقاؤهم ولا بنو عمومتهم؛ إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، والناظر في نصوص الشرع نظر المؤمن بكمال الشريعة وتصديق بعضها بعضًا يجد أنها جاريةٌ في أحكامها على نسق واحد، وهو جلب المصالح ودرء المفاسد والرفق بالمكلف، وهي في كل ما شرعت من الأحكام والحدود مريدة لليسر دون العسر، وللخير دون الشر، كما أنها مهيمنة على الشرائع جامعة للأحكام، جاءت بالنذارة والبشارة وبالوعد والوعيد، فلم تغلب أحدهما على الآخر حتى لا ينقلب إلى ضده.

تأويل الشريعة

     وقد قام كثير من أبناء الإسلام تحت وطأة الثقافة الغربية المتغلبة وبنفسية منهزمة، بتأويل الشريعة وتقديم سماحتها على حساب أحكامها، فجعلوا من السماحة والرحمة سبيلًا لنفي العقوبة، وذلك أمر لا يتناسب إلا مع النفوس البشرية القائمة على الانفعال والعاطفة، أما الشريعة فإنها شرعت ووضعت الضوابط، وهي عالمة بما تريد قاصدة له، ولو كان في ذلك مناقضة للمقصد الأصلي لما شرعته؛ لما في ذلك من تضارب وتناقض، لكن السبب في هذا التصور هو حصر الشريعة في جانب الشعائر وإبعادها عن النظام العام، مما يسهل على المتكلم افتراض أن هذا المجال ليس من الشريعة، وإلا فلو استقر أمر هؤلاء على أن الشريعة نظام لعلموا أن من أولويات النُّظُمِ الجادة وضع تصور للجريمة، ومن ثم تكييفها حسب نظر النظام ومبادئه للقضايا محلِّ النقاش، فالشريعة حين شرعت الأحكام نظرت إلى جانب قوة الدوافع عند الإنسان، فكان أقسى الحدود هو الرجم في حال ثبوت موجبِه على صاحبه؛ لما في الإنسان من قوة الدافع الجنسي، ثم نظرت إلى الجانب المالي والنفسي فشرعت حد الحرابة؛ لأن المحارب يجمع بين مجموعة من الجرائم كالاغتصاب والقتل وأخذ الأموال وإخافة الطرق، فشرعت له حد الحرابة بناء على خطر جرمه، وحجم ضرره على المجتمع، وهكذا دواليك في جميع الحدود، في حين أنها أسقطت الحدود الناتجة عن عدم القصد، سواء بالتأويل كما هو حال البغاة، أم بالخطأ والنسيان وفقدان العقل، كما هو الحال في القتل الخطأ وغيره.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك