رد وتعقيب على مقال: فقه ابن عمر رضي الله عنه في تتبع الآثار وأماكن العبادات
وردنا رد وتعقيب من د. وليد الربيع، -الأستاذ بكلية الشرعية جامعة الكويت- على المقال المنشور بمجلة الفرقان في العدد الماضي، الذي كان بعنوان: (فقه ابن عمر رضي الله عنه في تتبع الآثار وأماكن العبادات)، ومن باب الأمانة العلمية؛ فإننا نستكمل نشر الجزء الثاني من المقال مع نشر رد الدكتور الفاضل: وليد الربيع ليستفيد القاريء والباحث من كلا المقالين.
العنوان عام
- أولا: القارئ يربط بين العنوان وما توصل إليه الباحث من نتائج؛ لأن هذا المقصود من البحث؛ فالعنوان عام (فقه ابن عمر في تتبع الآثار وأماكن العبادات)، والمقصود بذلك تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأماكن عباداته والسؤال هنا: لم؟
لأن البحث ليس في الأماكن المقصودة للعبادة، كما قال الباحث في الجزء الأول ص27: «كالطواف بالبيت، والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة»، لكن مقصود الباحث كما قال: «هناك أماكن أخرى مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وتعبد لله فيها»، وهي محل الخلاف الذي يريد الباحث تقديم رأيه فيه؛ فالعنوان عام والمقصود خاص، والنتيجة كما قررها الباحث في نهاية الجزء الثاني؛ فقال: «الجواز له حظ من النظر، فإنهم لم يمنعوا من ذلك مطلقا».
فالقارئ يفهم هذه النتيجة في ضوء العنوان العام وهي (جواز تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأماكن عبادته) ويمكن أن يدخل في هذا (التعبد في غار حراء)؛ لأنه من آثار النبي صلى الله عليه وسلم، و(قصد المساجد السبعة في المدينة) ونحوها، وليس للباحث نفي ذلك؛ لأنه لم يقصده؛ فعنوان بحثه ونتيجته تدل على ذلك.
توسيع دائرة التتبع
- ثانيا: يريد الباحث توسيع دائرة التتبع من المكان ذاته إلى كل ناحية من نواحي المكان؛ فقال في الجزء الثاني: «ابن تيمية يحصر فعل ابن عمر في البقعة التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، لا في كل ناحية من نواحي المكان الذي نزل به صلى الله عليه وسلم، وهذا وإن كان ملحظا دقيقا، إلا أن ابن عمر لاشك أنه كان يجتهد ويغلب على ظنه ذلك المكان، والمؤكد أنه قد يتزحزح عنه قليلا ولابد»، ومعنى ذلك أن التتبع ليس قاصرا على ذات المكان بل حوله والسؤال: لم؟
ضابط ابن تيمية
- ثالثا: يعلق على الضابط الذي ذكره ابن تيمية وهو: أن التأسي برسول الله لابد فيه من أمرين:
- الأول: المتابعة في صورة الفعل .
- الثاني: المتابعة في القصد، هل فعله على سبيل القربة أم الإباحة ؟
فيقول: «الدخول في القصد والنيات وإن اتضح في بعض المسائل، إلا أنه قد يخفى في أخرى»؛ فيلزم من كلامه أن صعوبة تطبيق هذا الضابط داعية لإهماله وعدم إعماله؛ مما يعني أن يتتبع المسلم الآثار ويتعبد فيها دون ضوابط
في حين أن الشيخ الدكتور محمد الأشقر -رحمه الله- عقد مبحثا في رسالته القيمة (أفعال الرسول)1 / 168-181بعنوان: كيف يعين حكم الفعل الصادر عنه صلى الله عليه وسلم.
فالأمر ليس راجعا لعموم الناس، بل للعلماء؛ فهذا المبحث الدقيق من شأن علماء الأصول والحديث للحكم على مقاصده صلى الله عليه وسلم، وكون الباحث يستشكل ذلك، لا يعني صعوبته مطلقا على كل أحد؛ فيلزم منه إلغاؤه.
أثر المعرور بن سويد
- رابعًا: صور أن الناس الذين كانوا مع عمر هم من القرون المفضلة في أثر المعرور بن سويد وفيه: فلما سلم عمر رأى الناس يذهبون؛ فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يذهبون إلى مساجد صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون فيها؛ فقال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم، من أدركته الصلاة عند هذه المساجد فليصل فيها، ومن لم تدركه الصلاة فليمض.
وصور الباحث للقارئ أن هؤلاء من القرون الخيرة الذين يتأسى بهم؛ فقال: «فيكون هؤلاء ممن يرون هذا القول، وهم من أهل القرون المفضلة»؛ فيلزم من كلامه التأسي بهم متجاهلا كلام عمر، الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي به الذي أنكر عليهم ذلك، وغافلا أن وجود الإنسان في القرون الفاضلة ليس كافيا ما لم يكن على المنهج الصحيح، وإلا ففعل الناس لما ذهبوا يصلون عند شجرة الرضوان صحيح؛ لأنهم من القرون المفضلة، وكيف نفسر قطع عمر الشجرة حينئذ إذا كان هؤلاء ممن يقتدى بهم؟!
فعل ابن عمر رضي الله عنه
- خامسا: أقام الباحث بحثه على فعل ابن عمر رضي الله عنه وهو مما لا يتابع عليه، وقد تقدم كلام العلماء على ذلك؛ فقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم331/2 : «إن هذا الأصل الذي كان عليه ابن عمر -رضي الله عنهما- يتمسك به لم يوافقه عليه جمهور الصحابة، وأن الخلفاء الراشدين وهم قادة الحجيج وأفقه من ابن عمر كانوا لا يفعلونه، ولو كان من السنة لوجب على قائد الحجيج أن يفعله ليبين السنة».
وقال د. الأشقر: ورأينا فيما نقل عن ابن عمر أنه فعل ذلك لا على سبيل التعبد لله بذلك، أعني لا على سبيل أنه مستحب شرعا، وإنما فعله بداعي عظم المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو يسلي نفسه، أو يستثير شوقه بأن يعمل صورة ما عمل النبي صلى الله عليه وسلم، أو لعل خفا يقع على خف، كما قال صلى الله عليه وسلم؛ فهي مسألة شخصية صرفة، كما يصنع المحب المتيم بآثار حبيبه؛ إذ يحتفظ بصورته أو بقطعة من ثيابه أو يذهب إلى المكان الذي قابله فيه أو نحو ذلك، وأما الذي يقتدى به في هذا فهو عمر رضي الله عنه ثاني الراشدين اللذين أمرنا أن نقتدي بسنتهم، وهذا من سنتهم.(أفعال الرسول /232/1).
خلاصة القول
وخلاصة القول: إن الباحث إما يريد فتح باب التبرك غير المشروع تحت ستار متابعة ابن عمر -رضي الله عنهما- أو أنه أراد الحق؛ فرجح مذهبا ترجيحا ضعيفا، غفل فيه عن آثار ذلك من فتح الذريعة إلى التبرك غير المشروع، فيما يظهر لي وهناك أمور أخرى لا يتسع المقام لذكرها والله تعالى أعلم.
لاتوجد تعليقات