رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني 28 مارس، 2018 0 تعليق

رد الشبهات حول دور العلماء في بيان أخطاء الفرق المنحرفة – هل الابتلاء شرط على ربانية العالم؟

 

الطعن في أهل العلم والفضل مزلة خطيرة العاقبة، واتخاذ ذلك منهجا وديدنا من علامات البوار الظاهرة، وكثيرًا ما يكرر الغلاة حينما يجابَهون بأقوال العلماء المعاصرين الثقات التي تبين مناهجهم المنحرفة، بأن هؤلاء العلماء ما هم إلا علماء السلطان، وأذناب الطواغيت؛ فلا يعد قولهم ولا يؤخذ بأدلتهم، ونحن في هذه السلسلة سنذكر أهم الشبه التي يثيرها هؤلاء حول مواقف العلماء وأقوالهم في مناهج الفرق المنحرفة والرد عليها.

- الشبهة الحادية عشرة: قولهم: نحن لا نقبل الفتاوى من العلماء الآمنين، المطمئنين، الذين هم خارج السجون!! ولا نقبل الفتاوى من العلماء الذين يأخذون الرواتب والمعاشات من الدولة، فلا زعامة للقاعدين!! ولا تُقْبَل فتواهم في أمر الجهاد.

الجواب على الشبهة: هذا كلام ثوري حماسي، ليس فيه أثارة من علم، وهو قائم على جهل مُرَكَّب، وظن فاسد، وبيان ذلك من وجوه - إن شاء الله تعالى-:

- الأول: لا يلزم من كون العالم آمنًا مطمئنًا بين أهله وطلابه، وكونه خارج السجن؛ أنه ليس بعالم رباني!!  والناظر في تاريخ المسلمين: يجد كثيرًا من علماء الأمة، قد جعل الله لهم مكانة ومهابة في نفوس بعض السلاطين، وكانوا يجلُّونهم، ويقبلون مشورتهم؛ فكم كان لمالك من هيبة ووقار في نفس بعض أمراء بني العباس - على ما فيهم - حتى ذكروا أن المنصور أو الرشيد طلب من مالك أن يجمع الناس على (الموطأ )، فأبى مالك - رحمه الله تعالى - وهذا من كمال عقله؛ فهل أنزل هذا من مكانته شيئًا ؟!

وهذا الزهري الذي يدور عليه الإسناد، وهو الإمام الثبت، كان يدخل على أمراء بني أمية، ويجالسهم، فهل أنزل هذا من مكانته  ورتبته ؟

     وهذا ابن المبارك، والأوزاعي، والليث، وغيرهم، كانوا أئمة الأمصار، وفقهاء الديار، وقد عايشوا زمن انحراف في الملك؛ ومع ذلك فقد كانوا مطمئنين بين أهليهم وطلابهم، خارج السجون، يُعَلِّمون الناس ما أمرهم الله به، وما عهدوا عليه أسلافهم، وهناك آلاف المحدثين والعلماء، كانوا آمنين في المدن والأمصار والبوادي، وترحل الألوف المؤلفة من طلاب العلم إليهم، ليأخذوا العلم عنهم، مع ما كان عليه حكام زمانهم من الانحراف والظلم؛ فهل طعن فيهم أحد بهذا الطعن السامج البارد؟! فإلى الله المشتكى من هذه العقول التي تصادر تاريخ الأمة بهذه الشبهة الساقطة!!

زيادة الحصيلة العلمية

- الثاني: أن العالم المتمسك بدينه وعلمه إذا عافاه الله من السجون والمحن؛ فإن ذلك مما يعينه على زيادة الحصيلة العلمية، التي تظهر آثارها على فتواه ومنهجه، بخلاف الشباب الذين سلكوا مسلكًا غير مسلك كبار العلماء، وزُجَّ بهم في السجون - وهم لم يرسخوا بعد في العلم - ولا شك أن هذا يُفضي إلى تخبط في فتواهم، وتخليط في منهجهم الذي يُرَبُّون عليه أتباعهم، متأثِّرين في ذلك بأمور نفسية، وانتقامات شخصية، فأي الفريقين أحق بالاتباع والثقة في علمه ونهجه إن كنتم تعلمون ؟!

خير شاهد

- الثالث: أن الواقع خير شاهد على آثار الفريقين على الأمة: فالعلماء نشروا العلم والدعوة في المشارق والمغارب، بل إن هؤلاء المنحرفين عن العلماء ثمرة من ثمراتهم - قبل أن يُبْتَلَوْا بهذا الفكر، ويستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!! - وبالعلماء دخل من دخل في الإسلام أو السنة، وبهم عُرف التوحيد، ودخلت الدعوة في عقر ديار الكفار، أما آثار هؤلاء الشباب؛ فقد أزكمت الأنوف، وضيَّعتْ المئات والألوف، وحَسْبُ الواحد منهم إذا أحدث فتنة، أن ينجو بنفسه وأهله، وكثير منهم ما استقر له قرار، إلا في دول المشركين والكفار!!

قول ساقط

- الرابع: قول القائل: «لا نقبل الفتاوى ممن لهم معاشات ورواتب في الدولة» قول ساقط؛ لأنه لا يلزم من ذلك أن يكون العالم ممن يبيع دينه بيعًا رخيصًا، ثم هل ثبت أن هؤلاء العلماء الكبار خالفوا الحق الجلي طمعًا في رضى السلطان؟! -سُبْحَانَكَ- هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.

وأما أنهم خالفوا فَهْمَ  هؤلاء الشباب؛ فلا يلزم من ذلك أنهم خالفوا الحق؛ فإن الأدلة النقلية، والعقلية، والتاريخية تدل على صحة مذهب هؤلاء العلماء، وصدق من قال:

فلا تَطَلَّبْ ليَ الأعواض بعدهمُ

                                       فإن قلبي لا يرضى  بغيرهـمُ

     هذا، مع  أن كثيرًا من علماء السلف -رحمهم الله تعالى- كانت لهم أرزاق من بيت مال المسلمين، وذلك في أزمنة شاع فيها الظلم من كثير من الحكام وعُمّالهم، وعظمت فيها البلية باتباع الهوى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، واختلط الحلال بالحرام في بيوت الأموال، ومن تنـزه من العلماء عن أخذ شيء من بيت المال آنذاك؛ لم يطعن فيمن  أخذ، أو يُزَهِّد الناس فيه بسبب ذلك، ولو كان ماقاله هذا القائل معتبرًا؛ لشاع تحذير الأئمة من ذلك، ولذاع اختلافهم وتفرقهم بسبب ذلك!!

ما سلموا من أذى

     وأيضًا؛ فهؤلاء المنحرفون عن العلماء لم يقبلوا فتاوى بعض كبار العلماء الذين لم يأخذوا معاشًا ولا راتبًا من الدولة، بل ما سَلِموا من أذى بعض الحكام وطردهم لهم!! كما هو حال محدث العصر، وريحانة الزمان، صاحب الفضيلة شيخنا محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله  تعالى-؛ فلم يكن له معاشٌ ولا وظيفة في الدولة؛ فهل شفع ذلك له عند هؤلاء الشباب الثوريين ؟! هل قالوا: إنه عالم مطرود من بلده، ومضيَّق عليه في الخطب والمحاضرات؛ وقد سُجن حيثُ سُجن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وليس له معاش من حكام زمانه؛ فكل هذا يُسَوِّغ لنا الأخذ عنه؟! هل راجعوا أنفسهم في هذه الأمور؟ أم أنهم لا يبالون بمن خالف فهمهم الفاسد؟ ولن يعجزوا عن إظهار علة - في نظرهم ونظر أتباعهم - تنفر الناس عن الأخذ من هذا الإمام وإخوانه أئمة الزمان.

مَنْ شيوخكم؟

- الخامس: ولو سألتَ كثيرًا من هؤلاء: من شيوخكم الذين أخذتم هذا الفكر عنهم؟ لسَمَّوْا لك طبيبًا، أو مهندسًا، أو مدرسًا، ونحو ذلك، ولا شك أن هؤلاء موظفون في الدولة، أو لهم مشاريع خاضعة لنظام الدولة التي يعيشون فيها، تستلزم هذه المشاريع منهم عدم مقاومة الحاكم، وإلا ألغاها، أو ضيَّق عليها؛ فهل أَخْذُ مشايخهم الرواتب من الدولة جائز عندهم، ويكون وسيلة صالحة للاستعانة بها على الجهاد في سبيل الله - في نظرهم - أما غيرهم فرواتبهم عمالة وبيع للدين بالدنيا الفانية ؟! أليس هذا التناقض دليلًا على الخلط الذي وقع فيه هؤلاء ؟!

منشأ هذه الشبهة

- السادس: ومنشأ هذه الشبهة: سوء الظن من هؤلاء الشباب بعلماء الأمة الأجلاء، وقد سبق أن العلماء هم  المجددون لما اندرس من هذا الدين؛ فماذا بقي من خير إذا كان هؤلاء المجددون لا قيمة لفتواهم؟ وفي أي شيء عُدَّ هؤلاء مجددين؟ وأي خير يُرجى فيمن يلتمس التأويلات، ويتعسف ويتكلف في الاعتذار عن أخطاء الصغار، ولكنه يتهور ويسيء الظن بالشيوخ الكبار ؟! فإنّا لله وإنا إليه راجعون.

منهج كبار الأئمة

- الثامن: ثم ألا يعد هؤلاء المتهورون بتراجع من سبقهم في هذا المضمار بعد إصرارهم على هذا المنهج نحو عشرين عامًا أو أكثر، ثم أدركوا أن السلامة والنفع للأمة في منهج كبار الأئمة؟! ألم يسمعوا تراجع حملة هذه الشبهات - من قبل - في مصر وغيرها من بلاد المسلمين؟! ألا يكفي المؤمن أن يُلدغ مرة واحدة - بل مرات - من جحر واحد؟ ألا نستفيد من أخطاء غيرنا، ونعتبر بمن سبقنا؟ ونبدأ من حيث انتهوا، لا من حيث بدؤوا؟! إن هذا لشيء عجاب!!

تتمة مهمة

    بعد تحرير هذا الجواب وقفتُ على كلام للقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني -  رحمه الله - في رسالة: (رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين) ضمن مجموع (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني)؛ فوجدته -رحمه الله تعالى- قد أتى على هذه الشبهة من أساسها؛ فاجتثها من جذورها، ورمى بلُبابها وقشورها، وكشف اللثام عن جهل، أو حسد، أو سوء ظن أصحاب هذه الشبهة بأهل العلم العاملين المصلحين، وها أنذا أقتطف من جنى هذه الشجرة المباركة، ما يكون زادًا لأهل  الحق، ودعاة الصدق، وبالله التوفيق، قال -رحمه الله تعالى-: «وما زال عَمَلُ المسلمين على هذا، منذ قامت الملة الإسلامية إلى الآن، مع كل ملك من الملوك؛ فجماعة يلُون لهم القضاء، وجماعة يلُون لهم الإفتاء، وجماعة يلُون لهم على البلاد التي إليهم، وجماعة يلُون لهم إمارة الجيش، وجماعة يُدرِّسون في المدارس الموضوعة لذلك، وغالب جراياتهم من بيت المال».

قال: فإن قلت: قد يكون من الملوك من هو ظالم جائر!!

     قلت: نعم، ولكن هذا المتَّصل بهم لم يتصل بهم ليعينهم على ظلمهم وجورهم، بل ليقضي بين الناس بحكم الله، أو يفتي بحكم الله، أو يقبض من الدعاوَى ما أوجبه الله، أو يجاهد من يحق جهاده، ويعادي من تحق عداوته، فإن كان الأمر هكذا؛ فلو كان الملك قد بلغ من الظلم إلى أعلى درجاته لم يكن على هؤلاء مِنْ ظلمه شيء، بل إذا كان لأحدهم مدخل في تخفيف الظلم -ولو أقل قليل، أو أحقر حقير- كان مع ما هو فيه من المنصب مأجورًا أبلغ أجر؛ لأنه قد صار مع منصبه في حكم من يطلب الحق، ويكره الباطل، ويسعى بما تبلغ إليه طاقاته في دفعه، ولم يُعِنْه على ظلمه، ولا سعى في تقرير ما هو عليه، أو تحسينه، أو إيراد الشبهة في تجويزه؛ فإذا أدخل نفسه في شيء من هذه الأمور؛ فهو في عداد الظلمة، وفريق الجَوَرة، ومن جملة الخونة، وليس كلامنا فيمن كان هكذا، إنما كلامنا فيمن قام بما وُكل إليه من الأمر الديني، غير مشتغل بما هم فيه، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو تخفيف ظلم، أو تخويف من عاقبة، أو وعظ فاعله بما يندفع فيه بعض شره.

وكيف يُظن بحامل العلم، أو بذي دين أن يداخل الظلمة فيما هو ظلم؟ وقد تبرأ الله -سبحانه- إلى عباده من الظلم.اهـ.  ثم ذكر -رحمه الله تعالى- آيات وأحاديث في التحذير من عاقبة الظلم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك