رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني 10 أبريل، 2018 0 تعليق

رد الشبهات حول دور العلماء في بيان أخطاء الفرق المنحرفة (13) هل شرط القدرة والاستطاعة ليس واجبًا في تغيير المنكر؟

الطعن في أهل العلم والفضل مزلة خطيرة العاقبة، واتخاذ ذلك منهجا وديدنا من علامات البوار الظاهرة، وكثيرًا ما يكرر الغلاة، حينما يجابَهون بأقوال العلماء المعاصرين الثقات التي تبين مناهجهم المنحرفة، بأن هؤلاء العلماء ما هم إلا علماء سلطان، وأذناب الطواغيت، فلا يعد قولهم، ولا يؤخذ بأدلتهم، ونحن في هذه السلسلة سنذكر أهم الشبه التي يثيرها هؤلاء، حول مواقف العلماء وأقوالهم في مناهج الفرق المنحرفة والرد عليها.

الشبهة الثالثة عشرة: يقول بعض هؤلاء الثوريين: لماذا تقولون لنا: لو سلمنا لكم - جدلًا - بكفر الحاكم؛ فلا يلزم من ذلك الخروج عليه، إلا بتوافر شرط القدرة والاستطاعة على الخروج، لتكون المفاسد أقل ما يكون ؟!

     قالوا: وهذا أبو بكر الصديق لما كفَر مَنْ كفر مِنَ العرب بعد وفاة  رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكان المسلمون أضعف ما يكونون؛ لم يراعِ أبو بكر والصحابة -رضي الله عنهم-  شرط القدرة والاستطاعة، بل جهَّزوا الجيوش لحرب المرتدين، وبعثوا البعوث، حتى رجع من رجع إلى الإسلام، وقُتِل مَنْ قُتِل، وهذا كله يدل - بإجماع الصحابة - على وجوب قتال المرتدين، وإن كان المسلمون قِلَّة: عَددًا وعتادًا، وكانوا أضعف من عدوهم!!

     الجواب على الشبهة: بدايةً نحن لا نسلِّم بأن المرتدين كانوا أكثر وأقوى من المؤمنين الصادقين الثابتين على ما تركهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الأمر بخلاف ذلك؛ فإن الذين ارتدوا من العرب كانوا قلة بالنسبة لمن بقي على دين الله من المؤمنين، وقد قال ابن حزم -  رحمه الله تعالى-  في (الملل والنحل): انقسمت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقسام:

- الأولى: طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته صلى الله عليه وسلم وهم الجمهور.

- الثانية: طائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى.

- الثالثة: أعلنت بالكفر والردة، كأصحاب طليحة، وسجاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد.

- والرابعة: طائفة توقفت؛ فلم تطع أحدًا من الطوائف الثلاث، وتربَّصوا لمن تكون الغلبة.

     فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مُسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام؛ فلم يَحُلِ الحول إلا والجميع رجعوا إلى دين الإسلام - لله الحمد.اهـ؛ فهذا يدل على أن المرتدين قلة بالنسبة للثابتين، وهذا بخلاف دعوى هؤلاء الشباب.

ادعاء باطل

الثاني: كيف يَدَّعي المخالف بأن المسلمين كانوا أضعف ما يكونون زمن الردة، وهاهو ذا يذكر أن أبا بكر رضي الله عنه جهّز الجيوش، وبعث البعوث هنا وهناك لحرب المرتدين!! فهل من يفعل هذا يكون أضعف ما يكون؟! فيا للعجب!!

الثابتون لم يكونوا قلة

     الثالث: الواقع يدل على صحة ما قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- فلو كان الثابتون على دينهم قلة ضعفاء لطال زمن الفتنة -في العادة-  ولقويت شوكة المرتدين، وسقطت دولة الإسلام، ولكن كان الأمر بخلاف ذلك -ولله الحمد والمنة- وهذا بخلاف حال هؤلاء الشباب؛ فما يستطيعون أن يرسلوا جيشًا واحدًا، وإن فعلوا فما يعود إلا بالخسارة  -لضعفهم وتمزق المسلمين-، ويكون هَم مَنْ سَلِمَ منهم: الهروب في الأرض، الاختفاء عن الأنظار، فأين هذا الحال من حال الجيوش المؤمنة زمن الردة ؟!

خلافة ودولة

     الرابع: لقد كان لأبي بكر ومن معه -رضي الله عنهم جميعًا-  خلافة، ودولة، وأرض ينطلقون منها وإليها، وجمهور المسلمين يؤيدونهم، وقد أجمعت كلمة العلماء من الصحابة على قتال المرتدين، بعد المناظرة التي جرت بين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-  وانشرحت النفوس لقتال من ارتد من العرب؛ ولذا كانت العاقبة حميدة - ولله الحمد.

 أما المخالفون: فأين خلافتهم؟ وأين دولتهم، وأرضهم؟ وأين الجمهور من المسلمين الذين يؤيدونهم على ما يفعلون من إراقة الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء؟ وأين إجماع العلماء على الفتوى بصحة ما هم عليه ؟! 

 فإن قالوا: نحن نختلف عن أبي بكر ومن معه، فإنهم كانت لهم دولة وأرض، أما نحن فلسنا كذلك.

 قيل: فلماذا تحتجون بحال من سبق، وأنتم على حال يخالف ما هم عليه؟ ومع ذلك تُلْزمون غيركم أن يكون معكم على طريقتكم، وإلا كَفَّرْتموه، أو بدَّعتموه، وطعنتم في صدقه وإخلاصه!

شرط ثابت بالكتاب والسنة

     الخامس: شرط القدرة والاستطاعة في القيام بالأوامر: شرط ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وقواعد الأئمة،  والعقل، والواقع؛    فالله -عز وجل-  يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}،  ويقول:  {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على رفع التكليف عند العجز، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».

وقد نص العلماء على أن من القواعد الخمس المتفق عليها، التي تشمل نصوص الشريعة قاعدة: (لا تكليف مع العجز).

ضعفاء غير قادرين

والعقل الصحيح يقضي بأن الضعيف إذا كان خروجه على ذي الشوكة يؤدي إلى شر أكبر؛ فإن هذا قبيح.

والواقع يدل على أن الذين خرجوا على الحاكم - وإن كان كافرًا، فضلًا عن كونه مسلمًا ظالمًا - وهم ضعفاء غير قادرين؛ فإن خروجهم يؤول إلى فساد أعظم، فلا عَدُوَّهم كَسَروا، ولا الإسلام نصروا.

والتاريخ يدل على هذا، كما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية   -رحمه الله تعالى-؛ إذْ قال: «ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك».اهـ.  

وقال -رحمه الله تعالى-: «وقَلَّ من خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولَّد على فِعْلِهِ من الشر، أعظم مما تولَّد من الخير».

وقال أيضًا: «ولعله لا يكاد يُعْرَف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته».اهـ.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك