رحيله هو الحل -الأسد يضع المنطقة على فوهة حرب إقليمية
تدخل الأزمة السورية منعطفاً جديداُ وخطيراُ بعد التصعيد الأخير من الجيش السوري واقتحام محافظة حماة مجدداً وبث صور وحشية لأحد قيادات الجيش السوري بالاعتداء والضرب على رأس المعتقلين والطلاب في المدارس السورية في مشهد لا يتحمله قلب.
هذا وتأتي الخطورة في الموقف السوري بالتزامن مع بعض الأحداث التي أثارت ردود فعل دولية وإقليمية من أهمها تسرب تقرير (بالمر) بشأن الاعتداء الإسرائيلي السافر على السفينة مرمرة العام الماضي التي كانت تقل وفدا ومساعدات لغزة ومحاولة كسر الحصار عنها، فلم يدن التقرير الاعتداء الاسرائيلي الذي راح ضحيته 9 أتراك كما أكد على قانونية الحصار البحري على غزة من قبل اسرائيل، وصممت إسرائيل على عدم الاعتذار لتركيا على ضحاياها رغم العلاقات الوطيدة بين تركيا وإسرائيل مما دفع بتركيا لتعليق الاتفاقيات العسكرية بين البلدين وتخفيض التمثيل الدبلوماسي من جانب تركيا.
ويسبق ذلك الحادث الاعتدائي من جانب إسرائيل على عدد من جنود وضباط الشرطة والجيش المصريين داخل الحدود المصرية في سيناء وهو ما أثار غضب المصريين.
الصلف السوري يأتي وسط التصعيد من جانب نظامه الحاكم بقيادة رئيسه بشار الأسد ( الذي افتقد شرعيته ) من جانب، ومن جانب آخر التصعيد الشعبي بعد أن لوح السوريون الثائرون للغرب بالتدخل الأجنبي على غرار ما حدث في ليبيا.
ازدواجية الجامعة العربية
هذا وبعد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب تم إقرار مبادرة من الدول العربية على أن يحملها الأمين العام للجامعة العربية د/ نبيل العربي للرئيس السوري بشار الأسد وظل «العربي» في انتظار السماح له بالذهاب إلى سوريا للقاء الأسد لعرض المبادرة ومناقشته.
وأخيراً تمت الزيارة، ويبدو أن النظام السوري يحاول تجيير المبادرة لصالحة حيث أنه مايزال يرفض الإعلان عما جرى فضلاً عن حقيقة المبادرة، ولكن وكالة الأنباء السورية أصدرت بياناً فضفاضاً بعد زيارة «العربي» ولكنه لم يوضح حقيقة ما اتفق عليه.
عناد الأسد
ورغم أن المبادرة العربية للخروج من الأزمة السورية قد تبدو متوازنة بصورتها المعلنة إلا أنها تحفظ للأسد البقاء والخروج المشرفين في آن واحد، إلا أن «الأسد» اختار طريق العناد، فقد تيقن من أن الشعب السوري لن يقبل بالمبادرة العربية التي من شأنها إسقاط الثورة السورية وضربها في مقتل، فبقاء «الأسد» عامين آخرين كفيل بترتيب الصفوف والاستعداد لأية مواجهات قادمة، وقد يكون الصمود أمام الأسد وجيشه هو الفرصة الوحيدة حتى ينال الشعب السوري حريته.
لطمة قوية
ويعد تأجيل زيارة «العربي» التي تعد لطمة قوية على وجه الجامعة العربية واستهتاراً بها من «الأسد»، يستغرب المواطن العربي من التخبط والتناقض في موقف الجامعة العربية نفسها التي سارعت إلى إصدار قرار أضفى الشرعية على التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا ضد نظام العقيد معمر القذافي وجيشه حتى سقطت طرابلس في أيدي الثوار وتحرير غالبية المدن الليبية، ولكن في الحالة السورية اختلف الأمر، بل على العكس ذهب نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية إلى سوريا في زيارة حملت كل الود للرئيس السوري بشار الأسد وظهر تحيز «العربي» للأسد، كما أحرج عمرو موسى الأمين العام السابق الذي تحمس لإصدار قراري مجلس الأمن 1971 و1973 لمحاربة نظام القذافي بحجة حماية المدنيين.
ضغوط وحسابات
ولتوضيح هذا التخبط يقول السياسي المعروف د/ حسام عيسى، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس: في الحالة الليبية فقد انضمت الدول العربية على الفور للتوجه الأمريكي والأوروبي لفرض الحصار الجوي وإصدار قرار مجلس الأمن الذي يسمح للناتو بالتدخل العسكري في ليبيا لحماية المدنيين، فكان معروفاً أن هناك ضغوطاً أمريكية وأوروبية على الجامعة العربية للحرب على ليبيا.
أما في سوريا فالأمر فعلاً مختلف وحسابات الجامعة العربية أن تغير الموقف في سوريا يؤدي لتغيرات بالتبعية في المنطقة كلها من الممكن معها أن تشتعل المنطقة كلها .. ولهذا فقد وضعت الجامعة العربية خطة طويلة الأجل لاختيار رئيس سوري بانتخابات حرة عام 2014 وإطلاق الحريات والأحزاب ولما كانت هذه المدة طويلة على الشعب السوري وتضع نهاية لحكم بشار الأسد فقد رفض لقاء الأمين العام للجامعة العربية ليبقى الوضع على ما هو عليه.
و عن المشهد الأخير للأزمة السورية واحتمالية عمل عسكري ضدها توقع «عيسى» التدخل العسكري الأجنبي في سوريا؛ لأنه سيؤدي إلى اشتعال المنطقة برمتها ؛ لأن إسرائيل ستكون طرفاً أصيلاً في هذه المواجهة ولا يخفى أنها ستحصل على دعم أمريكي وأوروبي لتفكيك سوريا وحزب الله اللبناني المدعوم من النظام السوري، كما ستكون فرصة لتوجيه ضربة لإيران التي ستكون بالطبع في المواجهة في هذه الحرب فهي الحليف الاستراتيجي لسوريا والداعم الأقوى لها في المنطقة، أضف إلى ذلك تركيا التي علقت كل تعاونها العسكري مع إسرائيل على خلفية تقرير «بالمر» الأخير الذي كان منحازاً لإسرائيل في واقعة الاعتداء على السفينة التركية مرمرة التي كانت متجهة إلى غزة العام الماضي لكسر الحصار المفروض عليها وراح ضحيته 9 أتراك ورفضت إسرائيل الاعتذار عن هذا الاعتداء.
كما توقع « عيسى» أنه لو استمر الجيش السوري في ممارساته ضد الشعب والدفاع عن نظام طائفي ربما تنقلب الأوضاع إلى حرب أهلية.
وحين سألت دحسام عيسى عن احتمالية المؤامرة على سوريا وهو ما نقلته رسائل صحافية عدة من وفود إعلامية زارت سوريا منتصف الشهر الماضي بدعوة من النظام السوري قال «عيسى»: المؤامرة قد تكون جزءا من الموقف، فأي منطقة بها قلاقل تكون أرضاً خصبة ومجهزة لأي مؤامرة وجميع الأطراف تكون حاضرة وكل يلعب حسب مصلحته، وهذا حدث في مصر ولا أحد ينكره، وصرحت به أمريكا نفسها وعلناً عن إنفاقها أكثر من 40 مليون دولار على المنظمات المدنية لنشر الديمقراطية، ولكن القول بأن ثورة الشعب السوري تحركها مؤامرة خارجية فهذا غير صحيح.
من جانبه يتحدث بحدة السفير عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصرية الأسبق والمرشح لرئاسة مصر، متحاملاً على الجامعة العربية والحكام العرب قائلاً: دعنا نتفق بداية على أن الجامعة العربية لا تشكل الإرادة العربية وإنما هي جزء من منظومة تتأثر بالقرار الأمريكي، والقرار الأمريكي العام في أي قضية عربية هو الذي يلقي بظلاله على الجامعة العربية.. فأمريكا تطلب وأوروبا تطلب والعرب يطلبون، ولكن في النهاية الذي يطلب التحرك هو أمريكا.
وفي تقديري أن المبادرة العربية الأخيرة بشأن الأوضاع في سوريا أكبر بكثير مما تتحمله القيادة السورية، وزيارة نبيل العربي التي تم تأجيلها لم تكن سوى تمهيد لغزو سوريا وتكرار السيناريو الذي تم في ليبيا والعراق، فهم يريدون شرعية عربية.
وطبقاًَ لرؤيته الخاصة يرى «الأشعل» أن نبيل العربي قد تورط في قبوله منصب الأمين العام للجامعة العربية حيث لا يستطع التعبير عن إرادته إلا إذا كان في موضع حر يعبر فيه عن رأيه وإرادته وقناعاته الخاصة، فهو رجل محترم ووطني ولكن لن يتمكن إلا أن يعبر عن إرادة الحكام والأنظمة الرسمية وهذا ليس اتهاماً له، ولكن لا بد أن نشير للواقع، فنحن نرجو أن يكون للجامعة العربية إرادتها ولكن من أين تأتي الإرادة؟! فمصر أعلنت تقاعدها وتونس تنازع والجزائر خائفة من إقامة حكم ديمقراطي في مصر.. والجامعة العربية أصبحت تؤدي دور المحلل للغرب؛ ولهذا فأنا أقترح وهذا قلته من قبل أن يتم تجميد الجامعة العربية لمدة عامين حتى تستقر الأوضاع في العالم العربي وتعود الجامعة لتعبر عن الشعوب العربية وإرادتها، أو أن تستغل الجامعة الفرصة الحالية وتعقد مصالحة شاملة مع شعوبها.
لاتوجد تعليقات