رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سامح محمد بسيوني 17 مارس، 2019 0 تعليق

رؤية منهجية لتحقيق العبودية المنشودة


قال الله -تعالى-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل: 36)؛ فتحقيق العبودية المنشودة التي خلقنا الله من أجلها، هي الرسالة الأم التي من أجلها يعيش كل مؤمن صادق، يسعى في نجاة نفسه وأهله والناس من حوله من عذاب الله، والفوز برضوانه ونعيمه الدائم؛ فرسالة الحياة هي: تحقيق العبودية هكذا بوضوح شرعي، وفهم عقلي، وبذل حركي؛ لذلك قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، هذه الرسالة بشمولها تحتاج  في تحقيقها إلى رؤية هادفة، يُبنى على أساسها مسار استراتيجي واضح، تتبعه حركات تنفيذية دافعة لإنجاح هذا المسار.

الرؤية الهادفة

     هذه الرؤية الهادفة ترتسم معالمها في مواجهة طبائع تلك النفوس البشرية التي وصفها الله -عز وجل- في كتابه قائلا: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ }، التي تغرق بطبيعتها في حب الشهوات والبعد عن التزامات العبودية وإيثار حب الدنيا العاجلة على الآخرة الباقية، كما قال -سبحانه وتعالى-:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }( أل عمران: 14)

مشاعل التغيير

     لذلك تُبنى تلك الرؤية دائمًا عند أصحاب الهمم الصادقة على حمل مشاعل التغيير للنفس أولا، ثم التغيير في باقي دوائر التأثير المحيطة، وذلك بالسعي الدؤوب للعمل على إيجاد الشخصية المسلمة، وبناء الطائفة المؤمنة التي تعمل على تغيير المجتمع  لتحقيق العبودية الجماعية المنشودة.

إصلاح الغير

     فالرؤية ليست قاصرة على إصلاح النفس فقط، بل تتعدى إلى إصلاح الآخر أيضا؛ ليكون غالب المجموع محققا لعبوديته -سبحانه وتعالى-، وهذا يستلزم بذل الجهد والطاقة والعمل ليلا ونهارًا لإحداث هذا التغيير الإيجابي المنشود؛ لأن القاعدة الثابتة التي قررها الرب -سبحانه وتعالى- هي: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (الرعد: 11).

مسار الأنبياء والمصلحين

     وعلى هذه القاعدة كان مسار الأنبياء والمصلحين عبر الزمان والمكان، كما بين الله -عز وجل- على لسان نوح -عليه السلام-: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} (نوح:  5)، {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا }(نوح:  8 - 9)، وكما وصف -سبحانه وتعالى- حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قائلا: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}(الكهف: 6)، { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(الشعراء: 3)، وكما بين الله -عز وجل- في كتابه ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم :{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(يوسف:  108). 

المسار الاستراتيجي

     فجاءت البصيرة التي نوهت إليها الآية لتمثل في جوهرها ذلك المسار الاستراتيجي اللازم للدعاة والمصلحين في أي مكان وزمان، والضروري لتحقيق تلك الرؤية الهادفة التي تخدم الرسالة الأم -أقصد تلك العبودية- التي من أجلها خُلقنا كما أشار؛ لذلك الألوسي -رحمه الله- في تفسيره لتلك الآية حين قال: «وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى الله -تعالى- أن يكون عارفا بطريق الإيصال إليه -سبحانه- عالما بما يجب له -تعالى-» تفسير الألوسي، روح المعاني (جزء 7 / ص 78) – دار الكتب العلمية – بيروت  أ.هــ .

رؤية التغيير

     لذا يجب الانتباه إلى أن رؤية التغيير ليست مقصودة لذاتها، بل مقصودة لغيرها، أعني بذلك أن الرؤية المقصودة الهادفة: هي تلك الرؤية المبنية على بصيرة أو مسار واضح له مقومات رئيسة تدفع في زيادة تحقيق العبودية في المجتمع بجميع مكوناته لله رب العالمين، وإلا فكل تغيير لا يؤدى إلى ذلك لا يصح أن يطلق عليه رؤية هادفة.

     كما أنه من البديهي إدراك أن عدم التحرك على مسار استراتيجي واضح المعالم، يحقق تلك الرؤية الهادفة، والرسالة الشاملة، أو عدم وضوح هذا المسار بتفاصيل محاوره الرئيسية، ومقوماته اللازمة عند الأفراد والكيانات التي تنشد الإصلاح، يتسبب بلا شك في تبديد الجهود وضياع الأعمار، واضطراب الأحوال، وتنازع الأفراد، وضياع الكيانات، والانحراف عن تحقيق الغايات.

تحديد المسار

 وكما أنه من البديهي أيضا أن نعترف أن هناك الكثير ممن قد يتفق على الرؤية والرسالة قد يختلفون فيما بينهم في تحديد المسار المناسب طبقا للأيدولوجيات، أو القناعات العقلية التي تؤدي إلى اختلاف الكيانات فيما بينها.

المسار الثوري

     فنجد أن هناك كيانات تبنت المسار الثوري الصدامي، من الناحية التمهيدية بالتأصيلات الفكرية المنحرفة عن طريق استخدام بعض المفاهيم والعبارات المنحرفة ومحاولات التأصيل لها، كـالقول بـجاهلية المجتمع، أو وصم الكيان التابع له بكونه هو جماعة الإسلام ومن خالفه؛ فقد خالف الإسلام نفسه، أو القول بتكفير تارك جنس العمل، أو عدم الأخذ بقاعدة العذر بالجهل، إلى غير ذلك، التي تعد الرافد الأساسي للتيارات الصدامية المباشرة التي تستحل الدماء المعصومة وتسبب الفوضى المطلوب إحداثها طبقا لمخططات أعداء الأمة؛ فيتسبب ذلك المسار بإبعاد الناس عن عبادة الله والخوف من تطبيق شريعته؛ مما يؤدى إلى ضياع الرسالة المنشودة.

المسار الليبرالي

     ونجد أيضا كيانات تتبنى المناهج الليبرالية تحت شعارات الليبروإسلامية التي تتدرج في طرحها ابتداء من الليبروسلفية إلى الحركات المسماه زورا تنويرية إلى أن تصل للعالمانية الصريحة التي تسعى إلى تنحية الدين عن إدارة الدولة بالكلية، كما وصل الأمر إلى أن قال بذلك بعض من ينسب نفسه إلى الكيانات الإسلامية، هذا المسار الذى يؤدى في نهايته إلى تمييع قضايا الدين كلها وتضييع ثوابته المُمَثِلة لجوهر رسالة العبودية المنشودة.

المسار الإصلاحي

     وبين هذا وذاك يبرز المسار الإصلاحي بثباته المنهجي ومرونته الحركية بما يحفظ على الأمة دينها، ويساعد أفرادها في تقوية الممانعة اللازمة لدفع مكر أعداء الأمة بها، ويحقق لهم أمنهم واستقرارهم في أوطانهم، ويُسهم في رقيهم وتقدمهم، وعودة الأمة إلى سابق عزها ومجدها.

     وهذا المسار الإصلاحي على أهميته وضرورته اللازمة لتنفيذ رؤية التغيير الهادف الناجح واللازم لتحقيق رسالة العبودية التي هي الغاية الكبرى للحياة الدنيوية، يحتاج منا إلى بسط لبيان محاوره الرئيسية ومقومات تلك المحاور الضرورية لوجودها، وهذا ما سنشرع - بحول الله وقوته - في بيانه في المقالات القادمة -إن شاء الله.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك