رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سامح محمد بسيوني 21 مارس، 2019 0 تعليق

رؤية منهجية لتحقيق العبوديةالمنشودة – محاور المسار الإصلاحي الناجح

المنهج الإصلاحي هو ذلك الطريق الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته للناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وسار عليه الصحابة من بعده والتابعون والمصلحون، داعين الناس إلى تحقيق العبودية لله -عزوجل- على مراد الله وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت آيات القرآن الكريم لتبين وتوضح للأمة جمعاء وللمصلحين عبر الزمان والمكان هذا المسار اللازم؛ لتحقيق ذلك الفلاح المنشود في إحداث التغيير اللازم؛ لتعبيد الناس لرب العالمين؛ فقد جاء قول الله -عز وجل- في  سورة آل عمران: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ليوضح لنا محاور هذا المسار الإصلاحي القويم، ولتمثل هذه الآية بسوابقها ولواحقها من الآيات تلك المقومات اللازمة لبناء تلك المحاور الضرورية للمسار.   

هذا المسار الذي تتضح لنا محاوره الثلاث في سياق تلك الآية الجامعة على النحو التالي:

المحور الأول: الوجود

قال الله -عز وجل- في بداية تلك الآية الكريمة: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّة}، وهذا أمر بالوجود؛ فالإنشاء لا يكون قبل الوجود ووضع الأساس هو بداية البناء ومن دونه لا يمكن استكماله ولا الطمح في ارتفاعه .   

     قال السعديى - رحمه الله -  في تفسيره: «أي: ولتكن منكم.  أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والاعتصام بحبله- أمة، أي: جماعة»،  وقال الطنطاوي -رحمه الله- في تفسيره: «وقوله: وَلْتَكُنْ: صيغة وجوب من الله -تعالى- على كل من يصلح لمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، وقال ابن عاشور -رحمه الله-  في التحرير والتنوير: «وَصِيغَةُ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ صِيغَةُ وُجُوبٍ؛ لِأَنَّهَا أَصْرَحُ فِي الْأَمْرِ مِنْ صِيغَةِ افْعَلُوا لِأَنَّهَا أَصْلُهَا».

     وعليه يعد إيجاد الفرد المسلم ومن ثم الطائفة المؤمنة ومعرفة المقومات اللازمة لكون هذا الوجود قويا ثابتا غير هشٍ ولا ضعيفٍ مع الحرص الشديد على توفر دوام هذه المقومات في واقع الفرد والطائفة هو أصل الأصول حتى يكون هذا الوجود مؤثرا؛ فلا يعد مجرد الوجود مقصودا في إحداث الإصلاح المنشود إنما عين المقصود هو الوجود المؤثر؛ لذلك صار التأثير هو المحور الثاني من محاور المسار الناجح.

المحور الثاني: (التأثير)

     قال الله -عز وجل- في وسط تلك الآية الكريمة التي يُبنى عليها ذلك المسار -الإصلاح المنشود-: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}؛ فالخير هو ذلك العمل المشروع الذي ينتفع به الناس، سواء دينيا أم دنيويا ويبتغي به فاعله وجه الله -تعالى- وحده، ولا يبتغي به جزاءً ولا شكوراً من الناس، قال القاسمي في تفسيره: «يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وهو ما فيه صلاح دينيّ ودنيويّ»؛ فحمل الخير للخلق ودلالتهم عليه وإيصاله إليهم ابتغاء مرضاة الله وحده هو ذلك الإحسان الذي عليه مدار التأثير في الآخرين، كما قال ابن عباس رضي الله عنه :{يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر} إِلَى الصُّلْح وَالْإِحْسَان.

والإنسان كما قالوا: أسير الإحسان، والقلوب مجبولة على حب من يحسن إليها ويبذل لها الخير؛ لذلك نلحظ دائما سهولة التأثير على المحب من المحبوب كما قال البُستي:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم                                                لطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

كما أن الإحسان للناس وبذل الخير لهم سبب في محبة الله لعباده القائمين على ذلك، كما قال -سبحانه-: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وإذا أحب الله عبده  كانت كل أفعاله على مراد ربه -سبحانه وتعالى- كما جاء في الحديث القدسي:

     «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها،  ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وكُتب له بسبب ذلك القبول في الأرض؛ فتُفتح له قلوب العباد فيتأثرون به ويقبلون عليه ويقتدوا بقوله وفعله»، كما قال صلى الله عليه وسلم : « إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحبّ فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض»؛ لذا فمن الترتيب البديع في تلك الآية البدء بوصف الدعوة إلى الخير أي التأثير قبل ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يمثل في جوهره المحور.

المحور الثالث: ( التغيير)

     فقول الله -عزوجل- في الأمر الثالث في تلك الآية الكريمة: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} كما قال القاسمي في تفسيره: «يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بكل معروف، من واجب ومندوب يقربهم إلى الجنة ويبعدهم عن النار وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن كل منكر، من حرام ومكروه يقربهم إلى النار ويبعدهم من الجنة»، هو أصل التغيير المطلوب المحقق للعبودية المنشودة.

     فالتزام العبد بكل طاعة تقربه من الجنة، وتركه لكل معصية تباعده عن النار هو تغير إيجابي في سلوكه يزيد في درجات عبوديته لله -عزوجل-، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو دعوة لتطبيق الإسلام بشموليته التي تستهدف دوام طاعة الرب -سبحانه وتعالى- وتحقيق رضاه ومنع معصيته وجلب سخطه، كما قال مقاتل بن حيان: يدعون إلى الإسلام، ويأمرون بطاعة ربهم، وينهون عن معصية ربهم.

مقوماتها الرئيسية

     وبناءً على ما ذكرناه فإن المحاور الرئيسة للمسار الإصلاحي المطلوب التي تتمثل في: الوجود، والتأثير، والتغيير، يجب السعي في إيجادها على الوجه الأكمل، لنحقق الفوز التام والفلاح الكامل في الدنيا والآخرة والموعود به في آخر تلك الآية الكريمة: {وَأُوْلئِكَ} أي الموصوفون  بتلك  الصفات  الكاملة ،{هُمُ المفلحون} أي الكاملون في الفلاح، وتحتاج هذه المحاور لتحقيقها إلى تفصيل بيان مقوماتها الرئيسة حتى يتحرك السائرون على الطريق حركة متناسقة متناغمة محققة للرؤية الاستراتيجية التي يجب أن تكون واضحة جلية عند المنتسبين لذلك المنهج الإصلاحي؛ فأخطر ما يهدد أي كيان إصلاحي أن يحدث اضطراب عند بعض أفراده أثناء السير على الطريق بسبب ضبابية المسار عندهم أو عدم تفهمهم  لقواعد السير في هذا الطريق الطويل المليء بالعوائق الطبيعية والعقبات المفتعلة والفتن المتتالية المسببة لضغط متتابع على الموجهين والأفراد التي لا يمكن النجاة منها وتجاوزها والتغلب عليها مع استمرار المسير إلا بتوفيق الله أولا ثم بترسيخ محاور ذلك المسار الإصلاحي ومقوماته اللازمة للتغيير في نفوس هذا الجيل، بل وغرست في تكوين النشء القادم وتناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل حتى يتحقق ذلك الأمل والوعد المنشود.

     {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ فاللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين، وحقق وعدك لنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا .

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك