د. فرحان عبيد الشمري (رئيس الهيئة الإدارية لفرع الجمعية في الجهراء): الموقف الشرعي من الرسوم المسيئة
في محاضرة دعوية نظمتها جمعية إحياء التراث الإسلامي في إطار ردود الأفعال تجاه الرسوم المسيئة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ذكر د. فرحان عبيد الشمري (رئيس الهيئة الإدارية لفرع الجمعية في محافظة الجهراء) في محاضرة له بعنوان: (الموقف الشرعي من الرسوم المسيئة) ألقاها عبر البث المباشر: أن الله -سبحانه وتعالى- ناصر عبده محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وأن الله لا يخذل نبيه؛ لأننا نعلم مكانة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- وأعلى من شأنها في كتابه الكريم {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}، فجعل الله له الشفاعة العظمى يوم القيامة، لأنه من هول يوم القيامة جميع الأمم تضج وتهرع لمن يشفع لهم فيرجعون للنبي - صلى الله عليه وسلم - صاحب الحوض المورود والمقام المحمود.
لذلك أدعو كل مسلم ألا يحزن لبعض المواقف المسيئة؛ فمقامه عند المولى -سبحانه- مرفوع؛ إذ يقول الله -عز وجل-: {ورفعنا لك ذكرك}، ففي جميع أوقات اليوم إلا ويرفع ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في قاطبة الأرض.
وذكر الشمري في سياق نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجب علينا لكي ننصره أن نعرف ونقرأ عن سيرته - صلى الله عليه وسلم - بصفاته الخَلْقية والخُلقية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - من صفاته الخَلْقية أنه ليس بالطويل ولا بالقصير، وعنقه كأنه فضة، وكان إذا سُرّ استنار وجهه، كأنه قطعة قمر، كما يقول أحد الصحابة -رضي الله عنهم- في صفاته.
أما خُلُقياً، فقد زكاه الله تعالى في كتابه الكريم قائلاً: {وإنك لعلى خلق عظيم}، فإن أحببته لا بد أن تتبعه وتغار عليه كما كان يفعل الصحابة -رضي الله عنهم-، ولنا في مواقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في محبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً أبرز دليل على صدق المحبة والاتباع له - صلى الله عليه وسلم -، ففي الهجرة كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ينافح عن النبي، فإذا خشي على النبي - صلى الله عليه وسلم - من تتبع الكفار لهم يكون تارة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -وتارة من يمينه وتارة عن يساره، ويفعل كل ذلك محبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فالصحابة -رضي الله عنهم- كانوا أكثر الناس حبّا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأكثر غيرة عليه.
وبيّن المحاضر أن محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -في عصرنا هذا تتطلب نشر سنته - صلى الله عليه وسلم -، فإن كنت تحب النبي فعليك بإحياء سنتته ونشر سيرته وتعلمها، وتطبيق ما جاء فيها، فبعض الناس يدعي حب النبي -صلى الله عليه وسلم -لكن دون اتباع ولا طاعة له -صلى الله عليه وسلم -، فكيف تستقيم هذه المحبة دون أن يثبت قائلها صدقه في تحقيقها من قول أو عمل؟ فمحبة النبي -صلى الله عليه وسلم - واجبة، وحتى لا تصبح ادعاء يجب أن نعلم أن أعظم دفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم -هو اتباعه؛ لأن الله يقول: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً}، فالكفار لا يحسدون المسلمين من أجل دنياهم أو أموالهم، بل من أجل دين المسلم، فإذا تمسك المسلم بدينه واتباع نبيه ثبتت محبته في ذلك.
وفي معرض الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم - ذكر الشمري أن الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم - واجب شرعي قال النبي -صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور: «الدين النصيحة، قيل لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فنستدل من هذا الحديث أن النصيحة للنبي -صلى الله عليه وسلم - تكون بطاعته ونشر سنته وعدم مخالفته واحترامه وتوقيره ونصرته، مبيناً أنه ليس بالمعقول أن يرغب المسلم بنصرة النبي وهو لا يعرف عن سيرته شيئاً، ولا يعرف عن مكانته ولا طريقة اتباعه وأسلوب نصرته.
وأشار الشمري أن نبينا -صلى الله عليه وسلم - يبكي من أجل أمته ففي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم -ذات يوم كان يردد الآية في صلاته {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فيدعو: اللهم أمتي أمتي؛ فَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: «يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: «يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوؤكَ»، كيف لا ننصر نبينا -صلى الله عليه وسلم - وهو يقول عن المسلمين «وددت لو أني رأيت إخواني قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». وذكر الشمري أن الصحابة -رضي الله عنهم- صحبوا النبي -صلى الله عليه وسلم - واتبعوه ونصروه وأيدوه، وبذلوا الغالي والنفيس من أجله، ولنا فيهم أسوة حسنة.
وفي موقف آخر من تداعيات أحداث الرسوم المسيئة ذكر د. فرحان عبيد أن الإساءة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليست بجديدة، بل من ومنذ بداية دعوته آذاه مشركو قريش، ووضعوا سلا الجزور عليه واستهزؤوا به، فكان الله -سبحانه وتعالى- يقول له: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} وفي آية أخرى يقول -جل وعلا- لنبينا - صلى الله عليه وسلم -: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.
وبيّن الشمري أن المسلم له في كتاب الله -عز وجل- أبرز إرشاد وتوجيه في موقفنا تجاه الاستفزازات الموجهة لنبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ يقول سبحانه: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}، أي لا تجعلهم يستفزونك ويجعلونك تتصرف تصرفاً غير لائق وليس فيه مصلحة، ولكن أن تتصرف بحكمة دون أن يترتب على ردة الفعل آثار وخيمة عليك وعلى المسلمين، لذلك الإسلام قيّد العواطف بالكتاب والسنة وإلا أصبحت عواصف لا تحمد عواقبها.
وأشار الشمري أيضاً في موقف آخر إلى قضية مهمة في ردود أفعال بعض الشباب تجاه العلماء الحكماء الذين قالوا رأيهم في هذه القضية، فالعلماء أولاً وأخيراً لهم احترامهم وتقديرهم، ويجب ألا نطعن في مواقفهم التي يدعون فيها إلى التعامل بالحكمة والروية مع مثل هذه المواقف، ويجب ألا نلمزهم ونهمزهم، فهم ينطلقون من الكتاب والسنة في تفنيد المواقف الخطأ تجاه ما يحدث من بعض المسلمين، مذكّرا أن الله -سبحانه وتعالى- ناصر عبده محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وأن تحقيق هذا النصر بيد الله، فالله -عز وجل- يقول: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}، وما على المرء المسلم سوى أن ينشر سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتبع نبيه؛ فهذا هو الذي يغيظ الأعداء ويرد كيدهم.
لاتوجد تعليقات