دور المرأة المسلمة في العمل الدعوي (1)
كوّنت المرأة إلى جانب الرجل الركيزة الأساسية التي بنت عليها الشريعة الإسلامية مشروع الاستخلاف في الأرض وعمارتها لقوله -جل وعلا-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: 30، وحظيت المرأة بمكانةٍ رفيعةٍ لم تكن قد شهدتها من قبل على مر العصور، وازدادت هذه المكانة مع ازدهار الحضارة الإسلامية؛ وبالنظر إلى واقع الحال اليوم نقف على أعتاب هذا الازدهار حيث تراجعت الحضارة بالتراجع القيّمي والأخلاقي، ولعل أكثر من عانى ولحق به الأذى من هذا الواقع المرأة المسلمة التي وجدت نفسها تائهة بين التقاليد البالية، والأعراف الجامدة والأفكار الوافدة الباطلة.
ومبدأ الاستخلاف في الأرض ليس مقتصرًا على الرجل دون المرأة؛ بل هو قاسم مشترك بينه وبين المرأة التي تشاطره في مجالات الحياة كلها، فكلٌ منهما يكمل الآخر، وهذه سنة الله -تعالى- في البشر قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء} النساء:1؛ ومن أهم المجالات التي يمكن للمرأة أن تبرز إبداعها وتسهم في نشر الرسالة المحمدية داخل المجتمعات المسلمة وخارجها مجال الدعوة إلى الله؛ فهي رسالة كل مسلم في هذه الحياة، وهو موكل بتبليغ هذه الرسالة للناس كافة، وللمرأة أن تقتدي بأمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات في كيفية دعوتهن إلى الإسلام علماً وعملاً، تعلماً وتطبيقا ً قال -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} النساء:124.
شروط وضوابط
والعمل الدعوي للمرأة المسلمة له الشروط والضوابط التي تحكمه وفق أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية؛ أضف لذلك بأن المرأة المسلمة لا شك أن تتعرض في مسيرتها الدعوية لعقباتٍ وتحدياتٍ قد تكون حقيقية أو وهمية، تحول دون القيام بالعمل الدعوي في المجتمع بالصورة المطلوبة والغاية المنشودة، وهذه العقبات والتحديات لا بد من وضع إجراءات علاجية لها وأخرى وقائية لإزالة تلك العقبات أو الحد منها على الأقل.
مشروعية العمل الدعوي النسائي
تنوعت الأدلة الشرعية المثبتة لمشروعية العمل الدعوي للمرأة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
وحدة المقصد الشرعي
- أولا: وحدة المقصد الشرعي في مفهوم الاستخلاف قوله -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: 30، وقوله -تعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} النور: 55، وخلافة الأرض أي عمارتها على وفق شرعة الله، لذا ينوب الإنسان عن الله -تعالى- في إجراء أحكامه وتنفيذ إرادته في عمارة الكون وسياسته، ويشمل ذلك الذكر والأنثى في إقامة الاستخلاف الحق.
وحدة الأصل
- ثانياً: وحدة الأصل فإن المرأة كالرجل في الإنسانية والعبودية سواء بسواء، يقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} النساء: 1، وقوله عز وجل: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الزمر:6، وأيضاً {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الأعراف: 189، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»، وتأكيد مبدأ العبودية لله -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56.
المساواة في الجزاء الأخروي
- ثالثاً: المساواة في الجزاء الأخروي بين الرجل والمرأة؛ فإنها أهلٌ للتدين والعبادة ودخول الجنة إن أحسنت، ومعاقبتها إن أساءت، كالرجل سواء بسواء، ومساواة الإسلام بين الرجل والمرأة في خطاب التكليف، وفي المسؤولية، والجزاء بالثواب والعقاب ونحوه، ومن ذلك قوله -تعالى-: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} النحل: 97؛ وقد ورد في سبب نزولها؛ أن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قالت يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة فأنزلها الله -تبارك وتعالى-، وفيه ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا..».
ويؤكد القرآن هذا المبدأ في الآية الكريمة التالية: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} الأحزاب: 35.
التعاون على البر والتقوى
- رابعاً: الإسلام يوجب التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ وبناء على ذلك ترتب على المسلم أن يحب لإخوانه المسلمين من الخير ما يحبه لنفسه، وأن يكره لهم من الشر ما يكره لنفسه، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات: 13.
وقد حثنا على إلى ذلك في كثيرٍ من الأحاديث وبين فضل هذه الأعمال كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، ومن هنا فإن رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - يحثنا على قول الخير ومعرفة الناس به، فإذا عمل الناس به فكان من دعا بالخير قد فعله وهذا فضل عظيم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»؛ وهناك أحاديث كثيرة وأفعال عديدة حث فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على التعاون والبر في الدعوة إلى الله.
عموم الخطاب الشرعي
- خامساً: عموم الخطاب الشرعي في الحث على الدعوة والترغيب فى ذلك قال -تعالى-: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف108، يوضح هنا الله على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، سبيل الدعية إلى الله وهو الدعوة إلى الله وأن يدعو على بصيرة ويترك المشركين إن لم يؤمنوا به، قال -تعالى-: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل 125، قال -تعالى-: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} القصص 87، قال -تعالى-: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} الشورى: 15، كل هذه الآيات الكريمة وغيرها تحث على الدعوة إلى الله وتبين أننا خير الأمم؛ لأننا ندعو إلى الله، ودخول المرأة في عموم الخطاب الشرعي باعتبارها مكلفة بأوامر الشرع وتطبيقها وهذا من أفضل الأعمال قال -تعالى-: {ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فصلت: 33؛ وتخصيص المرأة بخطاب تبليغ الدعوة في قوله -تعالى-: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} الأحزاب:32؛ أي قولا حسنًا جميلاً معروفًا في الخير.
تعدد الأدلة
- سادساً: تعدد الأدلة المبينة لفريضة المسؤولية التضامنية للأمة الإسلامية؛ فالتكليف منصب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عموم الأفراد فكانت صفة الخيرية للأمة على القيام بهذا الواجب لقوله -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران: 110، وكذلك قوله سبحانه: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران: 113-114، ومعنى أُمَّةٌ: كل جماعة يجمعها أمر أو دين أو زمان أو مكان واحد، وتتكون من الرجال والنساء جميعاً؛ فالخطاب القرآني لم يخص الرجال دون النساء؛ إنما هو عام يتساوى فيه الصنفين.
الترهيب من ترك الدعوة
- سابعًا: الترهيب من ترك الدعوة أو التكاسل في الدعوة وجعل لمن يتكاسل عن الدعوة ذنبًا وجعل التكاسل جرمًا عظيمًا، ومن هذه الآيات التي توضح ذلك قال الله -تعالى-: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} المائدة:78-79؛ فلقد لعن الله بنى إسرائيل لأنها تركت فضيلة النهى عن المنكر فإذا تركنا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فسيصيبنا ما أصابهم؛ إذاً الدعوة إلى الله لها أجر عظيم وتركها عليه إثم كبير، ومن هنا فواجب على كل مسلم ومسلمة كما أمر القرآن أن يدعو إلى الله وأن يدعو إلى (الإسلام) في عصر انتشرت فيه الرذيلة وعلى فيه صوت الباطل.
السيرة النبوية
قدمت السيرة النبوية جهود المرأة الدعوية في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فذكرت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- وموقفها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شد أزره لتبليغ الدعوة، وأم سلمة رضي الله عنها وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وما كان منها من تبليغ الدعوة إلى الناس، والرد على أسئلة الصحابة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته، وكانت تصحح عليهم أخطاءهم، وأسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين -رضي الله عنها- وموقفها في الهجرة وغير ذلك؛ وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لجهودهن إذ لم ينكر عليهن، مما يؤيد جهود المرأة في الدعوة ومشروعية ذلك؛ وسار الصحابة على نهجه - صلى الله عليه وسلم - من بعده.
لاتوجد تعليقات