رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: من البحرين - علي راضي 24 ديسمبر، 2012 0 تعليق

دعوة ولي العهد للحوار ومستقبل المصالحة الوطنية في مملكة البحرين

 

عشية الاحتفال بعيد استقلالها الحادي والأربعين عن الاحتلال البريطاني عام 1971، وبالذكرى الثالثة عشرة لتولي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة لمقاليد الحكم في 1999،  اتخذت مملكة البحرين خطوات عدة لتهيئة الأجواء للحوار الوطني بين الحكومة والمعارضة، وتزامنت هذه التحركات مع مبادرة (دعوة) طرحها ولي العهد البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة جاءت خلال كلمة له أمام المؤتمرين في حوار المنامة الذي استضافته العاصمة البحرينية الجمعة قبل الماضية، ورحبت المعارضة (جمعية الوفاق) بالمبادرة على الفور وأكدت أنها ترغب في الحوار دون شروط، وهو ما أشار إلى وجود ضوء في نهاية النفق الذي اشتد ظلمة منذ احتجاجات فبراير 2011، وهي الاحتجاجات التي وسعت من الهوة بين الحكومة والقوى السياسية الموالية لها من جهة وبينها وبين المعارضة من جهة أخرى، ولاسيما مع ازدياد وتيرة العنف في الشارع وعدم إدانة المعارضة له وهو ما اشترطه ولي العهد للخوض في مجريات الحوار الذي اشترط كذلك أن يكون شاملاً.

إجراءات حكومية لتهيئة الأجواء

     وقبل الجلوس على مائدة المفاوضات كانت الحكومة البحرينية قد اتخذت عدة خطوات تمهيدية كان أولها قرار اتخذته وزارة الداخلية البحرينية برفع الحظر عن التظاهرات والمسيرات، بعد نحو شهرين من منعها عقب ازدياد وتيرة العنف من تفجيرات وقنابل محلية الصنع ومولوتوف وغيرها من وسائل المواجهات التي طالت المدنيين فضلا عن رجال حفظ الأمن، ويأتي قرار رفع الحظر بعد يومين من خطاب العاهل البحريني حمد بن عيسى آل خليفة، عد فيه التظاهرات وحرية التعبير «حقاً دستورياً لكل المواطنين»، وأعلن طارق الحسن رئيس الأمن العام عن رفع الحظر، مع التأكيد على ضرورة الالتزام «بالسلمية ونبذ العنف بالعمل والفعل»، وطالب الحسن المنظمين والمشاركين بـ«ضرورة الالتزام بالقانون والمحافظة على سلمية الفعالية والالتزام بقانونية الشعارات والأهداف المعلنة، والمحافظة على النظام والآداب العامة وعدم التعرض للممتلكات العامة والخاصة»، وشدد على ضرورة «التزام المنظمين بتواجدهم في تلك الفعاليات وتواصلهم المستمر مع الشرطة لحماية حرية الرأي والتعبير من أي استغلال يخرجها عن إطارها القانوني».

     كما يدخل ضمن هذه التهيئة قيام وزارة الداخلية بإعداد مقترح بتعديل قانون التجمعات والمسيرات الحالي من خلال الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، بما يوازن المحافظة على الأمن والنظام والآداب العامة خلال المسيرات والتجمعات».

     وسبق للحكومة أن اتخذت إجراءات بعودة جميع المفصولين من وظائفهم جراء تورطهم في أحداث عنف خلال فبراير ومارس 2011،   وأوضحت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام سميرة رجب في هذا السياق أن “الغالبية العظمى من المفصولين استعادوا وظائفهم” في إشارة إلى 4400 شخص كانوا فصلوا من أعمالهم بسبب المشاركة في الاحتجاجات في فبراير ومارس 2011.

     ومن ضمن الخطوات التى تحققت على صعيد الإصلاحات تلك التي عملت على ألا تكون السلطة التنفيذية هي صاحبة السلطة العليا وإنما السلطة القضائية باتت مؤخراً سلطة مستقلة تماماً لا تتبع للسلطة التنفيذية كما كانت فى السابق تابعة لوزارة العدل والشؤون الإسلامية وهي خطوة زادت من استقلالية السلطة القضائية, فى الوقت نفسه أصبحت السلطة التشريعية بغرفتيها بعد تطبيق البرنامج الإصلاحى تتمتع بصلاحيات واسعة فى محاسبة الحكومة وإمكانية عدم التعاون معها بل تغييرها وتشكيل حكومة بديلة لها.

     كما اتخذت الحكومة إجراءات أخرى لتهيئة أجواء الحوار أهمها تعيين أمين عام للتظلمات بوزارة الداخلية وتعيين مفتش عام في الوزارة وجهاز الأمن الوطني للتحقيق في تجاوزات رجال الأمن وجميع قضايا حقوق الإنسان، كما تشمل إعداد مدونة سلوك يلتزم بها أفراد الأمن وتدريبهم حول سبل التعامل مع المتظاهرين والموقوفين، فضلاً عن توظيف 500 فرد من مختلف مكونات المجتمع في الشرطة, كما شملت هذه الإجراءات تركيب أجهزة حديثة في غرف وأماكن النزلاء لمراقبة حركة ما يحدث في السجون وأثناء استجواب الموقوفين وإنشاء وحدة متخصصة في النيابة العامة تنظر في جميع ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، وتعيين الشرطة القضائية التي تجمع الأدلة فيما يتعلق بادعاءات التعذيب.

     وفي السياق ذاته تم إنشاء المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وفقاً لمبادئ باريس التي تتمتع بصلاحيات واختصاصات واسعة في المجال الحقوقي وفقاً للمبادئ المعتمدة لعمل هذه المؤسسات، ومن المنتظر أن يتم اتخاذ خطوتين لتفعيلها: الأولى تعيين أعضائها خلال الأسابيع المقبلة، والثانية صياغة قانون المؤسسة حتى يحال إلى السلطة التشريعية لإصداره، إلى جانب ذلك فإن هناك ثلاثة أجهزة رسمية في داخل البلاد تستطيع مراقبة السجون في أي وقت هي السلطة القضائية والنيابة العامة ووزارة حقوق الإنسان، كما تم توقيع اتفاقية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمراقبة الأوضاع في السجون التي تقوم بزيارات دورية في إطار هذه الاتفاقية.

مضمون مبادرة ولي العهد للحوار

     دعا ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة المعارضة إلى الحوار مطالبا إياها بإدانة العنف في الشارع، وقال: “كانت لدينا تجربتنا الخاصة بما يسمى الربيع العربي 2011، وهذا أدى إلى انقسام بلدنا. إنني على اقتناع بأن الحوار هو السبيل الوحيد للمضي قدما”. ورحبت المعارضة بقيادة جمعية الوفاق بدعوة ولي العهد مشددة على “حوار جدي” تخضع نتائجه للاستفتاء. وتشترط الحكومة أن يكون الحوار بين جميع القوى السياسية والوطنية وليس حوارا ثنائياً بين الحكومة والمعارضة فقط، فمن جهتها قالت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام سميرة رجب: «الحوار هو الحل، حوار توافقي بين كل القوى الوطنية للوصول إلى اتفاق».  فيما قال خليل مرزوق القيادي في الوفاق: «مستعدون للحوار ولا شروط لدينا. مطلبنا هو أن يكون الشعب مصدرا للسلطات، وأن يكون رئيس الوزراء منبثقا عن العملية الانتخابية، وجدد “التزام” المعارضة “الملكية الدستورية” لكنه استدرك قائلا: “نريد أن يكون الشعب صاحب القرار”.

     يذكر أن البحرين أطلقت حواراً وطنياً شاملاً خلال الأزمة شارك فيه أكثر من 300 شخصية بحرينية من كافة توجهات المجتمع سنة وشيعة وشخصيات أكاديمية ورجال دين، بالإضافة إلى ممثلي الديانتين المسيحية واليهودية فى البلاد، ولكن المعارضة قاطعت هذا الحوار وهو ما يشير إلى أن ثمة أجندة خفية غير معلنة لديهم حالت دون مشاركتهم فى الحوار الوطنى الشامل فضلاً عن وضعهم لشروط مسبقة من خلال المطالبة بأن يكون حوارها مع الحكومة دون مشاركة باقى الأطراف، بينما القيادة البحرينية أعلنت غير مرة أن أحد المخارج الرئيسية هو جلوس جميع الفرقاء على مائدة الحوار بشرط أن يضم كافة مكونات المجتمع البحريني ونبذ العنف بكافة أشكاله وصوره وصنوفه من أي طرف حتى نهيئ الأرضية المناسبة لهذا الحوار.

معوقات الحوار ومستقبله

     تعتري مبادرة الحوار التي دعا إليها ولي العهد بعض المعوقات على الأرض أهمها عدم توقف المعارضة المتطرفة عن ممارسة العنف في الشارع بشكل يكاد يكون يومياً، كذا تصلب المعارضة في طلباتها خاصة تأكيدها على أن يكون النظام البحريني نظاما برلمانيا يملك فيه الملك ولا يحكم، وهو المطلب الذي تطلق عليه المعارضة “الملكية الدستورية” على غرار النظام البريطاني، هذا فضلاً عن رفض القوى السياسية السنية وهي المكونة من القوى والتجمعات التي اصطلح على تسميتها “الموالاة”، رفضها لمطلب انتخاب رئيس مجلس الورزاء واعتبار ذلك مدعاة لعدم استقرار البحرين وترى أنه يفتح الباب أمام الفتنة بين مكونات المجتمع وانتشار العنف وربما نشوب حرب أهلية لا تحمد عقباها مثلما يحدث في العراق الآن الذي لم يستقر بعد برغم مرور 9 سنوات على إزاحة حكم صدام حسين.

استمرار العنف في الشارع

     تشهد ساحة المعارضة البحرينية انقساما كبيرا حول قضية العنف في الشارع، حيث هناك قوى وجماعات متطرفة تؤمن بالعنف وتستخدمه يوميا، يأتي على رأسها حركتا وفاء وحق المحظورتان، وتظهر هذه التنظيمات على الأرض فيما يعرف بائتلاف شباب 14 فبراير الذي يقوده متطرفون يقيمون في الخارج في لندن والعراق ولبنان وسوريا، وهو التنظيم السري الذي يدعو أنصاره يوميا لموجهات مسلحة مع الشرطة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وإذا كانت الوفاق تعلن في العلن أنها ضد العنف إلا أنها في الواقع لا تتدخل لمنع هؤلاء الشباب المتطرف، وتغازلهم من بعيد.

     وتدفع مجريات هذه الأمور بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت المعارضة التقليدية بقيادة الوفاق بدأت تفقد سيطرتها على الشارع لصالح مجموعات صغيرة متطرفة، وقال القيادي الوفاقي خليل مرزوق ردا على ذلك: “لم نفقد السيطرة على الشارع لكن المطالب أصبحت معقدة وأكثر حدة، وازدادت عمليات العنف”. وتؤكد المعلومات أن المسيرات التي تحدث بالليل وهي غير مرخصة يستخدم معظم المشاركين فيها قنابل المولوتوف بكميات ضـخـمـة، وتشير الإحصائيات إلى أنه تم استخدام حوالى 14 ألف قنبلة من هذا النوع منذ اندلاع الأزمة فى فبراير العام 2011، فضلاً عن مصادرة 27 ألف قنبلة لم يتم استخدامها وتم العثور عليها فى مخازن عديدة بالبحرين، وقد بلغ عدد الإصابات فى صفوف رجال الأمن منذ اندلاع الأحداث حوالي 1700 حالة فضلاً عن حالات استشهاد بلغت 10 حالات بين رجال الشرطة.

تصلب المعارضة وانقسامها حول مطالبها

     ومن ضمن المعوقات التي تقف حجر عثرة أمام مبادرة الحوار التي دعا لها ولي العهد أنه لا تزال حتى الآن مجموعات متطرفة من المعارضة تطالب بإقامة جمهورية إسلامية على غرار الجمهورية الإيرانية، وتؤمن بالعنف وتحقيق هدفها بقوة السلاح، هذا فضلاً عما يوصف بالمعتدل من قوى المعارضة لا يزال يصر على وضع شروط للحوار تضمنها ما يعرف بوثيقة المنامة، وهي مطالب في معظمها مرفوضة من السلطة ناهيك عن القوى السياسية السنية الممثلة في تجمع الفاتح الذي يضم بين ظهرانيه عدة قوى وجمعيات موالاة للحكم يتصدرها جمعية الأصالة الإسلامية المعبرة عن التيار السلفي وجمعية المنبر الإسلامي الممثلة لتيار الإخوان المسلمين، فكل هذه القوى الوطنية الموالية ترفض رفضا باتاً طرح قضية رئاسة الوزراء على طاولة الحوار، وتقول: إن ما عدا مطالب سقوط النظام وإقامة جمهورية إسلامية وإقالة رئيس الوزراء، ما عدا ذلك فكل شيء قابل للتفاوض حوله، في المقابل تصر الوفاق التيار المعارض الأكبر على طرح تلك المطالب وإن كانت تطرحها تحت عنوان غامض غير واضح وهو “ الملكية الدستورية”.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك