رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: حمد عبدالرحمن يوسف الكوس 22 ديسمبر، 2014 0 تعليق

درر وفوائد من كلام السلف

  الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:  الدعاء من أقوى الأسباب

     في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف أثره عنه إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله  لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب  وعدم إقباله على الله  وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم  يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو، وغلبتها عليها.

كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة عن  النبي -صلى الله عليه وسلم -: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة».

(ص 3  الداء و الدواء)

 

 

حب الرئاسة والعلو 

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله: «وَالنُّفُوسُ مَشْحُونَةٌ بِحُبِّ الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ بِحَسَبِ إمْكَانِهَا، فَتَجِدُهُ يُوَالِي مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَيُعَادِي مَنْ يُخَالِفُهُ فِي هَوَاهُ».

 

مجموع الفتاوى (14 / 324)

 

كلمة الألباني -رحمه الله- بمناسبة منحه جائزة الملك فيصل العالمية

صاحب السموِّ الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء,وزير الدِّفاع والطَّيران والمُفتِّش العامِّ أصحَابَ السُّموِّ الأمراء أصحابَ الفضيلة والمعالي والسَّعَادة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد,

الحمدُ لله الذي علََّم بالقَلَم، وأقامَنَا بالدِّين الحقِّ على قصد الأمَم، وجعلنا باتِّباع الرسول النبي الأمِّيِّ خَيْرَ الأمم... أما بعد:

     فمنذ نيف وخمسين سنة وأنا أطُوفُ في آفاق السنة، وأُصعِّدُ النظر في شعابها، وأُجهدُ بصري في البحث والتنقيب عن نوادها وشواردها، وأركب الصِّعَاب والذَّلُولَ من رواحلها، وأرسلُ العنان لقلمي لوصل ما انقطع من نصوصها، والتوليف والتقريب بين ما تناثر وتفرَّقَ من أجزاء متونها، إلى غير ذلك مما حُمِّلْتُ من أَمانتها، في مؤلفات ناهزت المائة: تخريجاً وتصنيفًا وتهذيباً واختصارًا وتبويبًا، وتصويباً بتصحيح أو بتضعيفٍ، واستخراجاً واستنباطًا لأحكام ومسائل.

ومن أعلاها شأناً، وأحبها لي السلسلتان الذَّهبيتان: (الصحيحَة) و(الضعيفة)، اللتان تصدران تباعًا على تباعُدٍ، وكلُّ واحدة منهما تُعدُّ مكتبةً قـائمةً برأسها في علوم السنة، تُتمُّ كلٌّ منهما الأخرى، وأحسبُ أنه لا غِنى لطُلاَِّب العلم والباحثين عنهُما.

فقد أوعبتُ فيهما ما تفرَّق في دواوين الإسلام، من علم الرجال، والجرح والتعديل، والأسانيد والعلل, وبخاصة الخفية منها، هذا إلى جانب الكثير من المسائل العلمية والفوائد النادرة، والقواعد الفقهية الدقيقة.

     وما خطوت خطوة واحدة في طريق هذا العلم الشريف إلا وأراني لا زلت في أوَّله؛ إذ هو علم متجدد في الأحكام التي يمضيها المتخصص على نصوصه في التصحيح والتحسين، والتضعيف، بما أوفر الله لنا من فضلٍ، ترخي ذيولَه علينا في كل يوم دورُ النشر والطباعة، من صحاحٍ، وسننٍ، ومسانيدٍ، وأجزاءٍ, كانت مخطوطاتٍ مكنونة في غيابات أجباب المكتبات العتيقة. وكان من ثمار هذا ما وفَّقني إليه ربي, سبحانه، من صنعي في كتابيَّ الأول: (صحيح الترغيب والترهيب وضعيفه) والثاني: (تهذيب صحيح الجامع وضعيفه)..... إذ جعلت لكل من نوعي الحديث الصحيحِ والضعيفِ خمسَ مراتب وهي حديثيةٌ من حيث التطبيق، وقديمة من حيث الوجود: (صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره، حسنٌ صحيح) و: (ضعيف, ضعيف جداً، موضوع، شاذ، منكر, سنداً... أو... متنًا).

     لذا، فإني أجدني أعيد النظر بين الفينة والأخرى في نصوص كنت خرّجتها قبل وقوفي على طرقها الجديدة من بعد ظهور تلكم المخطوطات لأحكم عليها بنقيضها، مما يحسبه بعض ممن يجهل هذا الأمر تناقضًا وقعت فيه، أو وهمًا دهمني، وما علموا أن السكوت عن الحكم الجديد, وإخفاءه ضرب من الكذب على رسول الله  صلى الله عليه وسلم القائل: (من كذب عليَّ متعمداً فليَتَبَوَّأ مقعده من النار), ونمط مفظع من الخيانة لله وللرسول والله ينهى عن ذلك في مثل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ}.

     وليس بخافٍ على أهل العلم المكانة التي رضيها الله لسنة نبيه, عليه الصلاة والسلام، وأجمعت الأمة عليها، فهي صنو القرآن، وشطر الوحي، ولسان التأويل الصادق لكتاب الله الذي لا يضل على الدهر، وقد علم أعداء الإسلام هذا الأمر من قديم وحديث، فأوضعوا خلالها بسوء مكرهم، يبغونا الفتنة بالتحريف، والوضع، والغلو، والطعن على الأسانيد العلية، والتشكيك فيما دونها، والنيل من حفاظها، وأمرائها، وسدنتها، والانتقاص من الصحابة, والتابعين، ورؤوس القرون الثلاثة المفضلة الأولى، في غير حق ولا ورع، ولا كتاب منير.

     ومما يحاكي هذا الباب ويدخل فيه؛ أن يقتحم هذا العلم من لم تتهيأ له أسبابه، ونأت عنه دواعيه، ولهذا العلم قواعده وأصوله، وأبوابه وفصوله, التي يُعرف بها الناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والمطلق من المقيد، وأسباب الورود، والعلل الخفية الدقيقة، والظاهرة الجلية، إلى غير ذلك مما لا بدّ منه لهذا العلم الشريف.

     واستسهال هذا العلم على نحو ما نرى عليه بعضًا من طلاب العلم الحدثاء الأسنان أمر مستهجن، بل مستفظع؛ لأنه ينتهي بهم إلى الخروج عن السنن الأولى التي اتفقت عليها الأمة، واستقر عليها عمل القرون، ومنذ أن كان لهذا العلم ذكرٌ في الناس، وأيما شيء يحدث في حياة الأمة يجري على سنن الهدى، وتجمع عليه الأمة، ويستقر بين ظهرانيها، موافقًا للأدلة التي تتأسس بها القواعد العامة في شتى المعارف والعلوم، فلا ينبغي أن يخالف أو يخرج عنه، أو يزهد فيه.

     وبدهيٌ أن قواعد العلوم الإسلامية كلَّها (من علوم القرآن، والسنة، واللغة) لم تثبت وتشتد، ليصدر عنها المتخصصون الأقيال، ويفيدوا منها، تعلُمًا وتعليمًا، وأخذًا وردًّا، وبحثًا واستقراءً، في شمولية واعيةٍ، حتى لا تكاد تشذ منها شاذة، إلا وقد طوقها من كل جهاتها نصوص من الكتاب والسنة، فمن أتاها بزيادةٍ أو بنقص فقد ثلم الإجماع الذي رضيته طوائف علماء الأمة في شتى الأعصار والقرون، وإنما الأمة بعلمائها، فما رضيه العلماءُ واستقر إجماعهم عليه، فهو الذي رضيته الأمة، والأمَّة (لا تجتمع على ضلالة) وهي بهذا محرومة وكل محدث في الإسلام منكر ومردود, فكيف إن كان هذا المحدث في واحد من أصلي الأصول، وهو السنة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ). وهو من المشاقة لله وللرسول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}, فلماذا إذًا هذا التجرؤ على قواعد علم السنة، وقد حفظها الله لنا هذه القرون بها، كما حفظ لنا كتابه العزيز؟ وقد أنالنا بها من رحمته ما أنالنا نحن في هذا القرن على ما كانت واستقرت عليه في القرون الغابرة، وجرى العمل بها. ولا أحسب إلا أن هذه القواعد إنما أُخذت بداياتها, ومطالعها من نهج القرن الأول، ولم يأت القرن الرابع, إلا وقد استوفى علم السنة غايته منها، وغدت السنة بها مكلوءة أن تؤخذ على غرّة.

     وها أنا ذا بعد أن سلخت من عمري قرابة الستين عامًا؛ ماشيًا في ركاب هذا العلم الشريف، أعود بالنظر والتهذيب والتقريب فيه، وكأني لا زلت على أول مدرجته، لذا, فإني ناصحٌ أمينٌ لطلاب العلم الشداة بثلاث: (1) أن يتعلّموا العلم لأنفسهم, (2) وأن يكون هو شاغلهم وهمهم, (3) وأن لا يعجلوا في أمر لا يُنال إلا بالترّيث وإدامة البحث والنظر في خوافيه وقوادمه, ثم ليعلموا رابعًا: أن التصحيح والتضعيف في هذا العلم الشريف يدور بين الصدق وبين الكذب، وما لم يكن مريد الاشتغال بهذا العلم حاذقًا فيه فإنه يُلَبَّس عليه فيه، فيقع في الكذب, وهو يريد الصدق، وكفى بذلك إثمًا، والكذب على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ليس ككذب على أحد، إنه أقرب إلى الكفر، بل هو بالتعمد كفر بواح.

وأخيرًا: فإني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم النعمة على أرض الجزيرة وعلى سائر بلاد المسلمين، وأن يحفظ دولة التوحيد برعاية خادم الحرمين الملك فهد بن عبد العزيز، وأن يطيل في عمره في طاعةٍ, وسداد أمرٍ، وتوفيق موصول.

     وإني لأشكر لمؤسسة الملك فيصل الخيرية, ممثلة في جائزة الملك فيصل العالمية, على ما تبذله من خير وجهد وتكريم للعلم والعلماء، وهي بذلك إنما تؤدي شيئًا من حق الملك فيصل رحمه الله عليها، وهو شيء من معنى قوله سبحانه: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,,

محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-

الفائز بجائزة الملك فيصل العالمية

للدراسات الإسلامية عام 1419هـ/1999م

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك