خواطر الكلمة الطيبة .. تأثير دعاة التوحيد في ألفاظ العامة
- مراعاة الألفاظ عملٌ دعويٌّ أصيل ونشاط إصلاحي مؤثر فإذا استقامت الكلمة استقام المعنى وإذا صحّ اللفظ صحّ التصور
- يعد التأثير اللفظي في المجتمعات أحد مؤشرات النجاح الحقيقي لأي مشروع إصلاحي أو دعوي
يمثّل الحديث عن تأثير دعاة التوحيد في ألفاظ المجتمع، إشارةً عميقة إلى أحد أوجه الإصلاح الدعوي التي قد تبدو خفيّة في ظاهرها، لكنها عظيمة الأثر في حقيقتها؛ فالتوحيد - كما يُراد له شرعًا - لا يقتصر على بيان ما بين العبد وربه من إخلاص العبادة، بل يتجاوز ذلك ليشمل توحيد الاتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتوحيد المصدر بردّ التشريع والاحتكام إلى الكتاب والسُنَّة في شؤون الحياة كلها.
وقد يستهين الناس ببعض الألفاظ والعبارات، ويعدّونها أمورًا صغيرة لا وزن لها، غير إنها عند الله عظيمة؛ لما تحمله من معانٍ عقدية، وتصورات إيمانية، وانعكاسات سلوكية، ومن هنا كان التأثير اللفظي في المجتمعات أحد مؤشرات النجاح الحقيقي لأي مشروع إصلاحي أو دعوي.شيوع الألفاظ في المجتمعات
إن شيوع الألفاظ في المجتمعات لا يأتي عفوًا ولا اعتباطًا؛ بل هو ثمرة ضبطٍ ثقافي وإعلامي، وأقلامٍ تكتب، ومناهج تُدرَّس، وتدريبٍ ممنهج يستهدف ترسيخ مفردات بعينها في الوعي العام؛ ولذا عُدّ الإعلام - ولا سيما الإعلان - من أقوى وسائل التأثير في الناس، حتى إن الملتزم في بيته لا ينفك عن التأثر بالبيئة المحيطة به؛ فأبناؤه يذهبون إلى المدارس والجامعات، ويعودون بألفاظ جديدة، كثيرٌ منها دخيل، صاغته عقول لا تنطلق من مرجعية تربوية أو قيمية، لكنها تملك أدوات التأثير وصناعة الذوق العام.قوة المجتمعات
ولهذا تُقاس قوة المجتمعات - بل والحركات الفكرية - بمدى تأثيرها: في الألفاظ، والسلوكيات، والأعمال، وحتى في الاقتصاد؛ ليُعرف مقدار نجاحها في تحقيق مقاصدها، وكذلك هو الشأن في باب الدعوة إلى الله -عزوجل-؛ فقد استطاع دعاة التوحيد - عبر سنوات طويلة من البيان والتعليم - أن يُشيعوا ألفاظًا شرعية على ألسنة الناس، حتى غدت مألوفة في الخطابات العامة؛ بل والرسمية. والمتأمل اليوم يلحظ أن هذه الألفاظ لم تعد حبيسة الدروس والمحاضرات، بل تسربت إلى اللقاءات العفوية بين عامة الناس؛ مما يدل على ترسّخها في الوعي الجمعي، وإدراك المجتمع لكونها الحق الموافق للشرع، ومن الأمثلة الدالة على ذلك: عبارة «جزاك الله خيرًا»؛ إذ كان يُنظر إليها في زمنٍ مضى على أنها شعار خاص بالمتدينين؛ بل وربما استُهزئ بقائلها، فيقال: «هذا من جماعة جزاك الله خيرًا»، بينما كانت العبارات السائدة: «مشكور، يعطيك العافية، ما قصّرت»، وغيرها من هذه العبارات -وهي عبارات لا حرج فيها من الناحية الشرعية-، أما اليوم، فقد أصبحت هذه الكلمة تتردد على ألسنة الجميع، من: الصالح والطالح، والرجل والمرأة، والعامي والمثقف. وهنا يبرز السؤال: كيف سادت هذه الكلمات، وصارت تصدر بتلقائية من مختلف فئات المجتمع؟ إنها لم تنتشر إلا بعد جهدٍ طويل من التعليم والبيان، عبر الدروس والمحاضرات والكتابات، حتى صارت جزءًا من الثقافة اليومية، مستندةً إلى توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «مَنْ صَنَعَ لَكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَقُولُوا لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، من قال: جزاك الله خيرًا فقد بالغ في الثناء».مراعاة الألفاظ المتصلة بالعقيدة
وكذلك الأمر في مراعاة الألفاظ المتصلة بالعقيدة، كالتفريق بين الواو وثمّ، في مثل قول: لولا الله وفلان، وهي عبارة محرّمة؛ لما فيها من التسوية، والصواب أن يقال: لولا الله ثم فلان، وقد كانت العبارة الأولى شائعة، أما اليوم فنسمع - حتى في الخطابات الرسمية - قولهم: لولا الله ثم هذه الجهود المباركة…، وهو تحول لافت يدل على وعي عقدي متنامٍ.عملٌ دعويٌّ أصيل
إن مراعاة الألفاظ عملٌ دعويٌّ أصيل، ونشاط إصلاحي مؤثر، فإذا استقامت الكلمة استقام المعنى، وإذا صحّ اللفظ صحّ التصور، وقد أثمر هذا الجهد أن تحولت ألفاظ كانت موضع سخرية إلى كلمات رائدة، وأن انتقلت عبارات من الشرك إلى التوحيد، ومن الانحراف إلى الاستقامة، وما كان ذلك ليكون لولا فضل الله، ثم جهود دعاة التوحيد الذين أدّوا دورًا عظيمًا في إخراج الناس من حضيض الألفاظ إلى تقويم العبارات، وهو في حقيقته إصلاح عميق لبنية المجتمع ووعيه.لماذا الالتزام بالألفاظ الشرعية؟
ليست الألفاظ في الإسلام مجرد أدوات للتخاطب؛ بل هي أوعية للمعاني، ومفاتيح للتصورات، ودلالات على ما استقر في القلوب من عقائد ومفاهيم، ومن هنا جاء اهتمام الشريعة بضبط اللسان، وتوجيه الكلمة، وربط اللفظ بالميزان الشرعي؛ لأن الكلمة قد تبني إيمانًا، كما قد تهدم أصلًا من أصوله.- فالالتزام بالألفاظ الشرعية هو في حقيقته التزام بالمنهج، وحراسةٌ للعقيدة من الانحراف الخفي؛ إذ إن كثيرًا من العبارات الدارجة قد تحمل معاني تخالف التوحيد، أو تخلّ بكماله، وإن لم يشعر قائلها، وقد علّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته دقة التعبير، فصحّح الألفاظ، وعدّل العبارات، ووجّه إلى ما يوافق التوحيد، كما في التفريق بين الواو وثمّ، وبين المشيئة المطلقة والمشيئة التابعة.
- كما إن للألفاظ أثرًا بالغًا في تكوين الوعي العام؛ فشيوع الكلمات الشرعية بين الناس يرسّخ المعاني الصحيحة في النفوس، ويُسهم في تهذيب الذوق العام، ويجعل الخطاب المجتمعي أقرب إلى ميزان الوحي؛ ولذلك كان نشر الألفاظ الشرعية نوعا من أنواع الدعوة الصامتة، التي تعمل في العمق دون ضجيج.
- ثم إن الالتزام بهذه الألفاظ هو اتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعظيم للوحي، وإحياء لسننه القولية، وهو كذلك تربية للنفس وللجيل على تعظيم الله، واستحضار مراقبته في القول قبل العمل.
- وخلاصة الأمر: أن الكلمة ليست أمرًا هيّنًا، وأن إصلاح اللسان خطوة أولى في إصلاح الإنسان، وأن الالتزام بالألفاظ الشرعية بناءٌ للعقيدة، وحماية للهوية، وإسهام صادق في صلاح المجتمع.
لاتوجد تعليقات