رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 24 فبراير، 2026 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة .. بين إحياءِ السُّنَّةِ وإماتةِ البدعة

إن من أعظم ميادين الصراع عبر التاريخ صراعُ التوحيد مع البدع، وصراعُ السُّنَّة مع المحدثات، وقد شهدت الكويت -كسائر بلاد المسلمين- فتراتٍ انتشرت فيها بعض الطقوس والمظاهر التي نُسبت إلى الدين، وهي في حقيقتها دخيلة عليه، ومن ذلك ما عُرف بإقامة الموالد، والحضرات، وبعض التواشيح الدينية المصاحبة لمناسباتٍ مختلفة، حتى وصلت بعض هذه المظاهر إلى مناسبات الأفراح، فيما عُرف عند بعض الناس بـ«اليلوة» -أي الجلوة-؛ حيث تُجعل فقرات ذات طابع ديني في ليلة الزفاف بزعم التعبّد.

       وقد تسربت هذه الممارسات عبر التأثيرات الصوفية التي انتقلت إلى عدد من بلاد المسلمين، حتى أصبح العالم الإسلامي - في فترات معينة - ساحةً خصبةً لانتشار هذه المفاهيم، التي خالطها الغلو، والاستغاثة بغير الله، والتوسل البدعي، وإدخال المعازف والموسيقى في سياقات تُنسب إلى التعبّد.

جهود العلماء في مواجهة البدع

       غير أن الله -تعالى- يقيّض لدينه في كل زمان من يجدد أمره، ويحفظ صفاء عقيدته، كما في الحديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وقد كان لعلماء الدعوة السلفية في الكويت جهودٌ بارزة في بيان الحق، وإنكار المنكر، وإحياء السُّنَّة، ومن هؤلاء: عبد العزيز الرشيد، والشيخ: يوسف بن عيسى القناعي، وغيرهم، فقد تصدّوا لهذه المظاهر بالخطابة، والتعليم، والكتابة، والنقاش العلمي الهادئ، وبيان الأدلة من الكتاب والسنة، متمثلين قول الله -تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125) ومن أعظم ما أثمرته تلك الجهود: انتقال الوعي من المنبر إلى البيت، فكان الشاب يحضر درسًا في مسألة البدع، فيحمل ما سمعه من أدلة إلى أسرته، ويناقش إمام مسجده بالحكمة والرفق، مستنيرًا بقول الله -تعالى-: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر)، وهكذا تحوّل الإصلاح من جهدٍ فردي إلى تيارٍ علميٍّ مجتمعي، قائمٍ على الدليل، لا على الخصومة، وعلى البيان لا على الصدام.

أثر التأليف العلمي

         وكان من الكتب المؤثرة التي تداولها الشباب في هذا الباب كتاب الدر النثير في تفسير القرآن للدكتور موسى نصر - رحمه الله - حيث تناول في بعض مسائله ما يتعلق بالموالد وبدعها، وناقشها مناقشةً علميةً موثّقة بالأدلة، كما كان للشيخ عبد الرحمن عبد الصمد مؤلفاتٌ قيّمة ناقشت القضايا العقدية التي طال حولها الجدل، وأسهمت في ترسيخ المنهج السلفي في التعامل مع هذه المسائل بالحجة والبرهان.

انحسار البدعة وإحياء السُنَّة

        لقد كان ما تحقق - بعد سنواتٍ من البيان والتعليم - ثمرةً صادقة لجهود العلماء والدعاة وطلبة العلم. فانحسرت الموالد، وخفت صوت الحضرات، وتوقفت التغطيات الإعلامية، ولم تعد تلك المظاهر كما كانت في السابق. وليس ذلك انتصارًا لأشخاص، بل هو انتصارٌ لمنهجٍ، وصدقٌ لوعد الله -تعالى-: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء: 18)، وهو مصداق قوله -سبحانه-: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32).

البدع لا تصمد أمام نور العلم

        إن تاريخ الدعوة في الكويت - كما في غيرها - شاهدٌ على أن البدع مهما انتشرت، فإنها لا تصمد أمام نور العلم، وأن التوحيد إذا قام له رجالٌ صادقون أحيا الله به القلوب، ونقّى به المجتمعات؛ فالواجب اليوم أن نستحضر هذه التجارب، لا بروح التشفي أو الخصومة، بل بروح الشكر لله، وحفظ الجميل لأهل الفضل، ومواصلة السير على درب البيان بالحكمة والرفق، حتى يبقى الدين كما أنزله الله، صافياً من شوائب الغلو والبدع، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (آل عمران: 8).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك