خلود الأمم
- لا يجب أن تنشغل الأمة بسفساف الأمور، وتحيد عن العمل الجاد والإنجاز، وتتلهى بصرعات لا تنفع، فتضيع معها الأوقات، وينشغل بها الناس عن هدفهم الحقيقي في العبادة وعمارة الحياة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ -تعالى- يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، وأَشرافَها، و يَكرَهُ سَفْسافَها»؛ فخلود الأمم يأتي من تمسكها بدينها الحق، وعملها الدؤوب في إعداد القوة لمواجهة التحديات المادية.
- وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الخيرية في هذه الأمة مستمرة، ولكنها تتناقص؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ القرونِ قرني الذي بعثتُ فيهم، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم». (صححه ابن تيمية في مجموع الفتاوى)، وهؤلاء هم الذين ذكرهم القرآن الكريم بقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:100).
- فالسابقون هم الذين سبقوا هذه الأمة إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللّه، وهم صنفان: الأول: المهاجرون: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر:8)، والثاني: الْأَنْصَارِ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } (الحشر:9).
- أما الصنف الثالث فهو صنف مستمر لم ينته، وسيكون إلى قيام الساعة، ووصفهم الله بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}، قال الإمام السعدي في تفسيره: «بالاعتقادات والأقوال والأعمال؛ فهؤلاء هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه». ووصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي قائِمَةً بأَمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، أوْ خالَفَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ ظاهِرُونَ علَى النَّاسِ». (مسلم).
- فهي الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وهم السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، وهم أهل الحديث، وقد اتصفت هذه الطائفة بصفتين:
الأولى: التمسك بالكتاب والسنة، والثانية: بفهم سلف الأمة وهم الصحابة -رضي الله عنهم-، فالفرقة الناجية هي التي اتبعت الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وسارت على نهجه ونهج أصحابه، وعلى رأس هؤلاء: العلماء الشرعيون وأئمة الحديث.
- وهذه الفرقة الناجية المنصورة هي القائمة بأمر الله، المستقيمة على دين الله، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «افترقتِ اليهودُ على إحدَى وسبعينَ فرقةً، وافترقتِ النصارَى على اثنتَينِ وسبعينَ فرقةً, وستفترقُ هذه الأمةُ على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً كلُّها في النارِ إلا واحدةً، قيل: من هي يا رسولَ اللهِ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: مَن كان على مِثلِ ما أنا عليه وأصحابِي» (مجموع فتاوى ابن باز).
- وهي الجماعة المجتمعة على الحق، وهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعدهم ممن سار على نهجهم، الذين وحدوا الله، واستقاموا على دينه، وأدوا فرائضه، وتركوا مناهيه، وتواصوا بالحق والصبر عليه، وإمامهم وسيدهم وأفضلهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم.
- إن قدرة الأمم على السير على منهج النبوة كفيل ببقائها وتقدمها، وإن الانخراط في الصراعات الهامشية، والانتصار لحظوظ النفس، وشخصنة الواقع كفيل بتراجع الأمم وهلاكها.
فالفرقة الناجية من أمة النبي - صلى الله عليه وسلم- هي التي استقامت على دينه قولًا وعملًا وعقيدة، وستظل ثابتة على الحق حتى يأتيها أمر الله وهم كذلك.
21/12/2020م
لاتوجد تعليقات