رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.عادل المطيرات 25 نوفمبر، 2017 0 تعليق

خطورة التعصب المذهبي (2)

سلطنا الضوء في المقال السابق على ما شاع بين المسلمين منذ قرون طويلة عن ضرورة التزام المسلم أحد المذاهب الفقهية الأربعة: (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي)، والإنكار على المسلم عدم التزامه بمذهب معين من المذاهب الأربعة التي شاعت لأسباب وظروف خاصة، وذكرنا خطورة هذا الأمر من وجوه عدة، منها أنه أمر محدث، وأن ذلك من التقليد الأعمى، وأنه سبب لفرقة المسلمين، ونكمل في هذا المقال ما بدأناه.

خالف أمر ربه -عز وجل- وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم 

- ثالثًا: إن من يتخذ شيخه وإمامه حكمًا في كل أمر من أمور دينه دون نظر في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم قد خالف أمر ربه -عز وجل- في كتابه وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أما مخالفته لأمر ربه فقد قال -عز وجل-: {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}؛ فالله -عز وجل- أمر برد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، أما المقلد المتعصب لشيخه فيرد هذا التنازع إلى من قلده مخالفا بذلك صريح الآية.

     وأما مخالفته لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه أمر أمته عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأن يتمسكوا بها، بل ويعضوا عليها بالنواجذ كما قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» أخرجه أبو داود وصححه الألباني في الإرواء.

أما المتعصب المقلد؛ فيخالف صريح هذا الحديث بأن يتمسك بقول من قلده، ويقدمه على كل ما عداه، وذكر ذلك ابن القيم في (إعلام الموقعين).

ذم الفرقة

- رابعًا: إن الله -سبحانه وتعالى- ذم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فقال -عز وجل-: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}، وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن هؤلاء هم أهل التقليد المتعصبون لمذاهبهم ، بخلاف أهل العلم؛ فإنهم وإن اختلفوا لم يفرقوا دينهم ولم يكونوا شيعا، بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق وإيثاره عند ظهوره وتقديمه على كل ما سواه؛ فهم طائفة واحدة، قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم؛ فالطريق واحد وهو كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والقصد واحد وهو طلب الحق، أما المقلدون المتعصبون لمذاهبهم فمقاصدهم شتى وطرقهم مختلفة؛ فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق.

أول من يخالف الأئمة

- خامسًا: إن المتعصبة لأئمتهم هم أول من يخالفهم، بل هم أول من يتطاول عليهم، ويسيء الأدب معهم، ويرد أقوالهم، وهذا هو عين التناقض؛ حيث إنه من المعروف من أقوال أئمة الهدى المعتبرين، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد -رحمهم الله تعالى- أنهم كانوا يذمون التقليد والتعصب ذما شديدا.

وإليك أخي القارئ بعض أقوالهم:

إذا صح الحديث فهو مذهبي

      قال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وقال: «إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فاتركوا قولي»، وقال أيضا: «حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي؛ فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا». انظر هذه الأقوال في: (إعلام الموقعين، وحاشية ابن عابدين على البحر الرائق، وإيقاظ الهمم للفلاني، ورسم المفتي لابن عابدين).

إنما أنا بشر أخطئ وأصيب

      وقال الإمام مالك -رحمه الله-: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»، وقال: «ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم » انظر هذه الأقوال في (جامع بيان العلم، وأصول الأحكام لابن حزم وإيقاظ الهمم).

قولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا قولي

      وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا قولي»، وقال: «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد من الناس»، وقال أيضا: «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فهمها؛ فما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي» انظر هذه الأقوال في (المجموع للنووي، وفي إعلام الموقعين، وإيقاظ الهمم).

لا تقلدني

      وقال الإمام أحمد – رحمه الله -: «لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا»، وقال: «رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار»، وقال أيضا: «من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فهو على شفا هلكة». انظر هذه الأقوال في (إعلام الموقعين، وجامع بيان العلم، وإيقاظ الهمم).

      تلك هي أقوال أئمة الهدى -رحمهم الله تعالى- في الأمر بالتمسك بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والنهي عن تقليدهم دون علم وبصيرة وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في الكتاب والسنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم، بل هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

      قال الشوكاني في (القول المفيد): وإذا تقرر لك إجماع أئمة المذهب الأربعة على تقديم النص على آرائهم عرفت أن العالم الذي عمل بالنص وترك قول أهل المذهب هو الموافق لما قاله أئمة المذاهب، والمقلد الذي قدم أقوال أهل المذاهب على النص هو المخالف لله ولرسوله ولإمام مذهبه ولغيره من سائر علماء الإسلام.

أكبر داء يصيب أي أمة

- سادسًا: إن التقليد والتعصب للمذهب لهو أكبر داء يصيب أي أمة؛ حيث يهلكها ويهوي بها مهاوي الضعف والانحطاط، وما أدى بالمسلمين إلى ما وصلوا إليه من تفرق وذلة وضعف وجهل وتأخر إلا هذا التعصب المذهبي؛ لأنه يعمي القلوب، ويجعل عليها غشاوة، فلا تبصر، ويصم الآذان فلا تسمع، ويفسد الحس فلا يشعر (انظر بدعة التعصب المذهبي).

جمود الفكرة وخموله

- سابعًا: إن من أعظم آثار التعصب المذهبي هو جمود الفكرة وخموله؛ حيث إن المقلد المتعصب لمذهبه لا يفكر ولا يستنبط إلا وفق ما جرى عليه مذهبه وشيخه، فلا يتعدى ذلك ولا يبحث عن الحجة والبرهان، وهذا يؤثر بلا شك على طريقة تفكيره؛ فتجده في حياته إنسانا مذبذبا لا يحسن التصرف في الأمور؛ لأنه معتاد على تقليد غيره؛ فيقلد غيره في أموره وإن كان مخطئا مجانبا للصواب، وبالتالي يقع في مشكلات كثيرة، ومصاعب مريرة لا تحمد عقباها، وما ذلك إلا بسبب تقليده الأعمى وجموده.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك