رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 13 يونيو، 2021 0 تعليق

خطبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – آفَةُ التَّدْخِينِ

 

جاءت خطبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بتاريخ 16 من شوال 1442م الموافق 28/5/2021م، مبينةً أنَّ الله -تعالى- أكْرَمَنَا بِخَيْرِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِشَرِيعَةٍ مُحْكَمَةٍ صَالِحَةٍ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْليلِهَا، وَمِنَ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ تَحْلِيلُ الطَّيِّبَاتِ النَّافِعَةِ، وَتَحْرِيمُ الْخَبَائِثِ الضَّارَّةِ، قَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ-: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف:32). وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي قَرَّرَتْهَا الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ: حِفْظُ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَصِحَّتِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى مَضَرَّتِهِ، أَلَا وَإِنَّ مِمَّا يَضُرُّ الْإِنْسَانَ فِي دِينِهِ وَخُلُقِهِ، وَفِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَعَقْلِهِ: التَّدْخِينَ الَّذِي أَضْحَى دَاءً عُضَالًا، وَأَمْسَى مَرَضًا فَتَّاكًا قَتَّالًا؛ قَالَ اللهُ -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29). وَلَا يَشُكُّ فَاهِمٌ وَلَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ أَنَّ الدُّخَانَ مِنَ الْخَبَائِثِ الْمُؤْذِيَةِ؛ قَالَ -تعالى-: { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف:157).

النهي عن التبذير والإسراف

     ثم بينت الخطبة أن اللهُ -تعالى- نَهَى عَنِ التَّبْذِيرِ، وَمِنَ التَّبْذِيرِ تَسْلِيمُ الْمَالِ إِلَى مَنْ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، قَالَ -تعالى-: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (النساء:5)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (الإسراء:26-27)، قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «التَّبْذِيرُ إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ»، وَصَرْفُهُ فِي الشِّيشَةِ وَالدُّخَانِ وَنَحْوِهِمَا تَبْذِيرٌ وَأَيُّ تَبْذِيرٍ! عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ

     وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (أَخْرَجَهُ أَحَمْدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ)، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّدْخِينَ يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ، وَيُؤْذِي بِرَائِحَتِهِ وَسُمُومِهِ مَنْ يُخَالِطُهُ وَيُجَالِسُهُ، فَمَثَلُهُ كَنَافِخِ الْكِيرِ الَّذِي يُؤْذِي مَنْ حَوْلَهُ؛ عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). وَالتَّدْخِينُ يُسَبِّبُ الضَّعْفَ وَالْفُتُورَ فِي الْجَسَدِ، فَهُوَ مُفَتِّرٌ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاءِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ» (أَخْرَجَهُ أَحَمْدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ).

أَضْرَارُ التَّدْخِينِ

     وعن أضرار التدخين ذكرت الخطبة أنه ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الصَّرِيحَةِ: أَضْرَارُ التَّدْخِينِ عَلَى الْعُقُولِ وَالْأَجْسَامِ الصَّحِيحَةِ، وَتَبَيَّنَ ضَرَرُهُ الْكَبِيرُ بِالْأُصولِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَجَلَّى شَرُّهُ الْمُسْتَطِيرُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَالتّقَاريرِ الطِّبِّيَّةِ، مِنْ خِلَالِ الْعُلَمَاءِ الْمُخْلِصِينَ وَالْأَطِبَّاءِ الْمُخْتَصِّينَ؛ إِذْ شَهِدُوا بِأَنَّ التَّدْخِينَ سَبَبٌ رَئِيسٌ لِسَرَطَانِ الرِّئَةِ وَالْفَمِ وَتَلَيُّفِ الْكَبِدِ، وَأَمْرَاضِ الْقَلْبِ وَالذِّبْحَةِ الصَّدْرِيَّةِ وَالْجُلْطَةِ الدِّمَاغِيَّةِ، وَانْتِفَاخِ الرِّئَةِ وَالْتِهَابِ الْقَصَبَاتِ الْهَوَائِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْفَتَّاكَةِ وَالْأدْوَاءِ الْقَتَّالَةِ، إضَافَةً إِلَى أَضْرَارِهِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي بَلَغَتْ المِلْيَارَاتِ، وَهَذِهِ الْمَبَالِغُ الطَّائِلَةُ وَالثَّرَوَاتُ الْهَائِلَةُ لَوْ أُنْفِقَتْ عَلَى فُقَرَاءِ الْعَالَمِ لَمَا تَرَكَتْ فَقِيرًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَبحَسَب تَقْديرِ مُنَظَّمَةِ الصِّحَّةِ الْعَالَمِيَّةِ فَإِنَّ التَّبْغَ يُسَبِّبُ كُلَّ عَامٍ نَحْوَ سِتَّةِ مَلَايِينِ حَالَةِ وَفَاةٍ، مَعَ سِتِّمِئَةِ أَلْفٍ مِنْ هَذِهِ تَحْدُثُ فِي غَيْرِ الْمُدَخِّنِينَ؛ بِسَبَبِ التَّدْخِينِ السَّلْبِيِّ. وَفِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ تُشِيرُ التَّقْدِيرَاتُ إِلَى أَنَّ التَّبْغَ تَسَبَّبَ فِي وَفَاةِ مِئَةِ مِلْيُونِ شَخْصٍ. وَهِي نِسْبَةٌ مُرْتَفِعَةٌ جِدًّا تَتَجَاوَزُ بِكَثِيرٍ عَدَدَ مَنْ يَمُوتُونَ بِسَبَبِ الْحُروبِ وَالْحوَادِثِ وَالزَّلَازِلِ وَالْكَوَارِثِ. وَحَسْبُكَ أَنَّ مُصَنِّعِيهِ يُحَذِّرُونَ مِنْ أَضْرَارِهِ الْفَظِيعَةِ، وَيُنْذِرُونَ مِنْ آثَارِهِ الْخَطِيرَةِ الشَّنِيعَةِ، وَيَنْصَحُونَ بِالْإقْلَاعِ عَنْهُ دُونَ تَرَدُّدٍ.

 لَا حُجَّةَ لِمَنْ أَدْمَنَ التَّدْخِينَ

     ثم أكدت الخطبة أنه لَا حُجَّةَ لِمَنْ أَدْمَنَ التَّدْخِينَ، فِي أَقْوَالِ بَعْضِ السَّابِقِينَ الَّذِينَ لَمْ تَتَبَيَّنْ لهم آثَارُهُ الْمُدَمِّرَةُ وَنَارُ أَخْطَارِهِ الْمُسْتَعِرَةُ، الَّتِي عُلِمَتِ الْيَوْمَ بِالْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ وَتَقَارِيرِ الْأَطِبَّاءِ الْمُخْتَصِّينَ، وَلَمْ تَدَعْ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَوِ التَّشْكِيكِ فِي أَضْرَارِهِ الْمُحَقَّقَةِ وَتَكَاليفِهِ الْمُرْهِقَةِ. فَآثَارُ التَّدْخِينِ مُضِرَّةٌ بِصِحَّةِ الْإِنْسَانِ مُهْلِكَةٌ لِبَدَنِهِ، وَمُبَدِّدَةٌ لِمَالِهِ مُؤَثِّرَةٌ فِي عَقْلِهِ مُذْهِبَةٌ لِدِينِهِ.

رسالة إلى العقلاء

فَعَلَى الْعُقَلَاءِ أَنْ يُقْلِعُوا عَنْهُ صَادِقِينَ، وَأَنْ يَسْتَعِينُوا بِاللهِ -تعالى- ثُمَّ بِالْإِرَادَةِ الْقَوِيَّةِ وَالْعَزِيمَةِ الْفَتِيَّةِ وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ هَذِهِ الْآفَةِ الْخَطِيرَةِ، وَالنَّأْيِ عَنْ آثَارِهِ الْجَانِبِيَّةِ الْكَثِيرَةِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «.. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُسْلِمٌ).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك