خطبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ
جاءت خطبة الجمعة لهذا الأسبوع متحدثة عن أِنَّ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ الْعِظَامِ وَمَبَانِيهِ الْجِسَامِ، الْإِيمَانَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَلَا يَتِمُّ إِيمَانُ الْعَبْدِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَكِتَابَتِهِ، وَلَا يَتِمُّ أَمْرٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا هُوَ خَالِقُهُ، يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} (الأعلى:1-3)، وَيَقُولُ -عَزَّ وَجَلَ-ّ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49).
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ السِّتَّةِ الَّتِي لَا يَتِمُّ إِيمَانُ الْعَبْدِ إِلَّا بِهَا، حِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَام-ُ وَقَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ - رضي الله عنه -)، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ أَقْوَامٌ يُنْكِرُونَ الْقَدَرَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»، بَلْ جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } (القمر:48-49) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -).
الإيمان بالقضاء والقدر
أن الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَهُ مَرَاتِبُ يَجِبُ اعْتِقَادُهَا، وَيَحْرُمُ الْإِخْلَالُ بِهَا، فَأُولَاهَا: الْعِلْمُ، فَعِلْمُ اللهِ شَامِلٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14) . وَالثَّانِيَةُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (النمل:75). وَالثَّالِثَةُ: الْإٍيمَانُ بِمَشِيئَةِ اللهِ النَّافِذَةِ، فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَالْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (الزمر:62).
حكمة الله وعدله
إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ وَأَدْرَكَهُ وَمَا فَاتَهُ وَخَسِرَهُ إِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، أَوْرَثَهُ ذَلِكَ الرَّاحَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَالرِّضَا وَالسَّكِينَةَ، وَأَبْعَدَ عَنْهُ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ، وَالْكَرَاهِيَةَ وَالْحِقْدَ، فَمَا أَعْظَمَ ثَمَرَةَ الْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ عَلَى قَلْبِ الْمُسْتَسْلِمِ لِأَمْرِ اللهِ، وَالصَّابِرِ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ! قَالَ -تَعَالَى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد:22-23)، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ - رضي الله عنه ).
الإنسان مخير
وقد وضحت الخطبة بأِنَّ اللهَ -تَعَالَى- حِينَ قَضَى كُلَّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ فَقَدْ أَعْطَى لِلْعَبْدِ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَمَكَّنَهُ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْخَيْرِ أَوْ طُرُقِ الشَّرِّ، فَلَا مَكَانَ فِي الإِسْلَامِ لِلْقَوْلِ: إِنَّ الإِنْسَانَ مُجْبَرٌ عَلَى أَفْعَالِهِ فِيمَا يُؤْمَرُ وَيُنْهَى، بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَيْسَ مُسَيَّرًا؛ قَالَ -تَعَالَى-: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان:3)، فَالْمُؤْمِنُ وَسَطٌ فِي اعْتِقَادِهِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ اللهَ أَعْطَاهُ مَشِيئَةً لَكِنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ -تَعَالَى- وَعِلْمِهِ وَخَلْقِهِ وَكِتَابَتِهِ، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (الإنسان:30)، فَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ عَلَى تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ مَوْلَاهُ، وَاقْتِحَامِهِ مَعْصِيَةَ اللهِ، فَالِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَايِبِ وَالْعِصْيَانِ هُوَ أُسْلُوبُ الشَّيْطَانِ وَأَتْبَاعِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} (الأنعام:148).
الاحتجاج بالقضاء والقدر
ثم أكدت الخطبة أن مِمَّا يُخَالِفُ الْإِيمَانَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ: تَرْكُ الْأَسْبَابِ وَالْعَمَلِ بِحُجَّةٍ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ وَشَاءَهَ فِي الْأَزَلِ، فَإِنَّ الَّذِي أَخْبَـرَنَا بِأَنَّهُ كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ وَشَاءَهُ؛ أَمَرَنَا بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ، يَقُولُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه )، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَسْبَابِ وَتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.
وَمِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تُخَالِفُ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ: قَوْلُ الْمُسْلِمِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، أَوْ لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ، بَلْ يَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ. وَمِنَ الْمُخَالَفَاتِ: الِاعْتِرَاضُ عَلَى قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ بِالْجَزَعِ وَالتَّسَخُّطِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى مَا قَدَّرَ اللهُ، بِقَوْلِهِمْ: لَوْ فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا، أَوْ قَوْلِهِمْ لِمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَهٌ: فُلَانٌ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْأَمْرَ، أَوْ (مَا يَسْتَاهِلُ)؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى قَدَرِ اللهِ، بَلِ الْوَاجِبُ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللهِ وَقَضَائِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَاحْرِصُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ تَعَالَى- عَلَى الْأَخْذِ بِالنَّصَائِحِ وَالتَّوْصِيَاتِ الصِّحِّيَّةِ، وَالْتِزَامِ الْإِجْرَاءَاتِ الِاحْتِرَازِيَّةِ.
لاتوجد تعليقات