رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 7 يوليو، 2022 0 تعليق

خطبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –  فَضْــلُ عَشْــرِ ذِي الْحِجَّــةِ

جاءت خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لهذا الأسبوع 2 من ذي الحجة 1443هـ - الموافق 1 يوليو 2022م بعنوان: (فَضْلُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ)، جاء فيها الحديث عن فضل مواسم الطاعات، وأنها أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ، وَمَوَاسِمُ لِلْخَيْرِ كَرِيمَةٌ، أَيَّامٌ تُضَاعَفُ فِيهَا الْحَسَنَاتُ، وَمَوَاسِمُ تُكَفَّرُ فِيهَا السَّيِّئَاتُ، وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ، وَتُجَابُ فِيهَا الدَّعَوَاتُ، اخْتَارَهَا اللهُ -تعالى- لِتَكُونَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا مَنْزِلَةً وَتَكْرِيمًا؛ إِذْ أَقْسَمَ بِهَا فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ إِظْهَارًا لَهَا وَتَعْظِيمًا ؛ فَقَالَ -جَلَّ اسْمُهُ وَتعالى ذِكْرُهُ-: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر:1-2).

       وقد َسَمَّاهَا الله -تعالى- الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ وَتعالى-: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج:28)، وَشَهِدَ لَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا؛ فَعَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ» يَعْنِي: عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ (أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

      وَحَثَّ الله -تعالى- عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا وَاغْتِنَامِهَا، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي لَيَالِيهَا وَأَيَّامِهَا؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ).

فَضَائِل الْعَشْرِ

      وَمِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ الْكَثِيرَةِ: ذَاكَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: «يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا)، فَيُشْرَعُ فِيهَا التَّكْبيرُ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ، فَأَمَّا التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ فَيَكُونُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ فَيَكُونُ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ - لِغَيْرِ الحَاجِّ - إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ الإِجْمَاعُ، كَمَا قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

زيادةُ الْبَرَكَةُ

       وَفِي هَذِهِ الْعَشْرِ تَزْدَادُ الْبَرَكَةُ بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَلَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ بِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر:3)، فَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ لِكَوْنِهِ التَّاسِعَ، وَالشَّفْعُ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ لِكَوْنِهِ الْعَاشِرَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَغَيْرُهُ.

       وَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ -تعالى- آيَةَ إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ؛ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ (مَعْشَرَ الْيَهُودِ) لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، «نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» (أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ).

عِتْقُ الرِّقَابِ

     وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ يَكْثُرُ عِتْقُ الرِّقَابِ مِنَ النَّكَالِ وَالْعَذَابِ، قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّار ِمِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)، وَصِيَامُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه ).

أَبْوَاب الْخَيْرِ مُتَعَدِّدَةٌ

      إِنَّ أَبْوَابَ الْخَيْرِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَمَيَادِينَ التَّسَابُقِ إِلَى الْفَضَائِلِ فِيهَا مُتَجَدِّدَةٌ؛ فَطُوبَى لِمَنِ اغْتَنَمَهَا بِالْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ وَالْعَمَلِ، وَتَجَنَّبَ التَّسْوِيفَ وَالتَّثَاقُلَ وَالْكَسَلَ، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ يَجْتَمِعُ مِنْ أُمَّهَاتِ الطَّاعَاتِ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ الْمُتَوَالِيَاتِ، مِنَ: الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ.

الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ

       وَمِنْ خَيْرِ الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعِظَامِ: الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ؛ لِأَدَاءِ الرُّكْنِ الْخَامِسِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَاحْرِصُوا عَلَى هَذِهِ الْغَنِيمَةِ، وَابْتَغُوا أُجُورَهَا الْعَدِيدَةَ الْعَظِيمَةَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ: رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ).

خَيْر الْأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ

       وَمِنْ خَيْرِ الْأَيَّامِ: يَوْمُ النَّحْرِ، أَيِ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ؛ كَمَا رَوَى عبداللَّهِ بْنُ قُرْطٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ-تعالى- يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ). وَيَوْمُ الْقَرِّ: هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى، وَقَدْ فَرَغُوا مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالنَّحْرِ فَاسْتَرَاحُوا وَقَرُّوا.

مِمَّا يُسَنُّ فِعْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ

       وَمِمَّا يُسَنُّ فِعْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ الْمُبَارَكَةِ: التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالأَضَاحِيِّ وَالْهَدَايَا، وَشُكْرُهُ -سُبْحَانَهُ وَتعالى- عَلَى الْهِبَاتِ وَالْمِنَحِ وَالْعَطَايَا؛ إِذْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ، فَقَالَ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}  (الْكَوْثَرِ:2)، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «العَجُّ وَالثَّجُّ» (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ). وَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: نَحْرُ الْهَدَايَا وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ، قَالَ اللهُ -تعالى-: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (الْحَجِّ: 37).

مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ

      وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنِ الْأَخْذِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ وَجِلْدِهِ مِنْ دُخُولِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُضَحِّيَ؛ لِمَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلْمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ: فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» (رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ).

       فَـتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ مَوْلَاكُمْ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ؛ فَإِنَّ فِيهَا لِلَّهِ نَفَحَاتٍ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، فَمَنْ أَصَابَتْهُ سَعِدَ بِهَا آخِرَ الدَّهْرِ؛ فَالْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ! بِانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَة.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك