
خطبة المسجد النبوي – محاسن الصيام وأداء الزكاة
- على كل مسلم أن يسأل أهل العلم عن تفاصيل أحكام الزكاة ليبرئ ذمته ويحفظ ماله من الآفات
- من محاسن الإسلام العظيمة أنَّه جعل الزكاة ركنًا من أركان الإسلام ونفعا لعباد الله وسدا لحاجة فئات مخصوصة من المسلمين
- الزكاة تَنفِي عن المجتمع الشرور وتُشيع في المجتمع الرحمةَ والتكافلَ والتعاونَ والتعاضدَ والمحبةَ
كانت خطبة المسجد النبوي لهذا الأسبوع -بتاريخ 14 رمضان 1446هـ الموافق 14 مارس 2025م- بعنوان: (محاسن الصيام وأداء الزكاة)، ألقاها إمام وخطيب المسجد النبوي فضيلة الشيخ د. علي عبدالرحمن الحذيفي -حفظه الله-، وقد تناول في بداية خطبته الوصية الربانية بتقوى الله -عز وجل- ومراقبته -سبحانه- قائلا: اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، وتمسَّكوا بدِينه العظيم، واعتصِمُوا بصراطه المستقيم، اتقوا الله وأطيعوا الله ورسوله تكونوا من الفائزين. ثم شرع في خطبته فقال:
بعض صفات المؤمنين
إنَّ كمالَ الإنسان عند ربه، وعلو درجته عند خالقه، هو بقيامه بعبادة الله -عز وجل-، والإحسان إلى الخَلْق، وإن ميله للخيرات وبلوغه للدرجات وصرف الشرور عنه والمكروهات، هو بأدائه حق ربه ونفعه لعباد الله -عز وجل-، وإنَّما يلحقه من العقوبات والشرور والمكروهات، وما يفوته من الخير هو بقدر ما ترك من عبادة الله -تعالى-، وبقدر ما قصر في نفع الخلق، وقد وصف الله المؤمنين بقيامهم بحق الله -تعالى-، والإحسان إلى الخلق، في مثل قوله -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التَّوْبَةِ: 71)، ويقول -تعالى- في وصف المؤمنين المحسنين الذين هم بأفضل المنازل في الجنة: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}(الذَّارِيَاتِ: 17-19)، وقال -تعالى-: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(آلِ عِمْرَانَ: 134-136).الزكاة مطهرة للقلب من البخل والشح
والزكاة نفع لعباد الله مفروضة، وسد لحاجة طائفة مخصوصة من المسلمين، ومن محاسن الإسلام العظيمة أنَّه جعلها ركنًا من أركان الإسلام، يؤديها المسلم محتسِبًا وراغبا فيما عند الله، مأجورًا عليها الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وهي وقاية للمال من الهلاك، وصارفة عنه محق البركات، جالبة للمودة من الفقراء، المقرونة بالدعاء منهم لصاحب المال بكل خير، والزكاة مطهرة للقلب من البخل والشح، الذي هو من أخطر ما تصاب به القلوب، فتتردى في هاوية الهلاك والتكالب على الدنيا، الذي أهلك الأمم قبلنا، كما في صحيح مسلم، من حديث جابر - رضي الله عنه -: «اتَّقُوا الشُّحُّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ».الزكاة والتكافل بين أفراد المجتمع
الزكاة تَنفِي عن المجتمع وَحْرَ الصدور، وحقدَها، وغِلَّها، وتُشيع في المجتمع الرحمةَ والتكافلَ والتعاونَ، والتعاضدَ والمحبةَ؛ لأن الله -تعالى- أوجَب على الأغنياء صدقةً، تُرَدُّ على الفقراء، وقد قضى الله بحكمته أن يتفاضل الناسُ بينَهم في الأرزاق، ينتفع بعضُهم ببعض في الأعمال، والناس بخير ما تفاضَلُوا، والإسلام بيَّن الحقوق وجبر المنكسر، وأعطى المحروم، وأخذ بيد العاجز، وهيأ تكافل الفُرَص بين أفراد المجتمع المسلم؛ ليصون المسلمَ عن الذلة التي تفسد القلوب، والتي تغير الطباع، وإذا عمل المسلمون بتعاليم الإسلام فلن تتسرب إليهم المذاهب الهدَّامة، ولا الرأسماليَّة الخبيثة النكدة؛ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(الْمَائِدَةِ: 50).النصاب الموجب للزكاة ومصارفها
الزكاة حق لله -تعالى-، أمر الله أن تصرف إلى الفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، ولم يكل تقسيمها إلى أحد، ولا تصرف إلى الوالدين، ولا الأولاد، ولا من يلزمك نفقته، وتكون الزكاة بالذهب والفضة، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة، والحبوب الخارجة من الأرض، والمعادن، والثروات المستخرجة من الأرض؛ فنصاب الذهب عشرون مثقالًا، وهو خمسة وثمانون جراما، ومقداره بالجنيه السعودي أحَدَ عشَرَ جنيهًا وثلاثة أسباع جنيه، ونصاب الفضة مائتا درهم، ومقداره ستة وخمسون بالريال الفضي، ففي كل ذلك أو ما يعادل قيمته بالعملة الورقيَّة، من أي عملة في ذلك ربع العشر؛ أي: اثنين ونصفا في المائة. وإذا أدَّى المسلم اثنين ونصفًا من العملة الورقيَّة فقد أبرأ ذمته، ونصاب الإبل خمس، وفيها شاة، ونصاب البقر ثلاثون، وفيها تبيع أو تبيعة، ونصاب الغنم أربعون، وفيها شاة، ثم يزيد الواجب بزيادة العدد على ما بسط في الفقه، إذا كانت سائمة، وعروض التجارة تُقوَّم مع رأس الحول، ويخرج ربع العشر من قيمتها، والحبوب الخارجة من الأرض فيها العشر، إذا كانت ستة أوسق، والوسق ستون صاعًا، وإن سقيت بالآلات فيها نصف العشر، والمعادن والنفط والثروات المستخرجة من الأرض فيها الزكاة نصف العشر.عاقبة التهاون بالزكاة
على كل مسلم أن يسأل أهل العلم عن تفاصيل أحكام الزكاة ليبرئ ذمته، وليحفظ ماله من الآفات، ومن تهاون بهذه الزكاة كان ماله عذابًا له في الدنيا، والآخرة، قال الله -تعالى-: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بها في الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}(التَّوْبَةِ: 85)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَتْ له صَفائِحُ مِن نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ؛ إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالإِبِلُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ إبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها -ومِنْ حَقِّها حَلَبُها يَومَ وِرْدِها- إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوْفَرَ ما كانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْها فَصِيلًا واحِدًا، تَطَؤُهُ بأَخْفافِها وتَعَضُّهُ بأَفْواهِها، كُلَّما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْراها، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ؛ إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ. قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالْبَقَرُ والْغَنَمُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ بَقَرٍ ولا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْها شيئًا، ليْسَ فيها عَقْصاءُ، ولا جَلْحاءُ، ولا عَضْباءُ، تَنْطَحُهُ بقُرُونِها وتَطَؤُهُ بأَظْلافِها، كُلَّما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْراها، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ؛ إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالْخَيْلُ؟ قالَ: الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: هي لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وهي لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهي لِرَجُلٍ أجْرٌ؛ فأمَّا الَّتي هي له وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها رِياءً وفَخْرًا ونِواءً علَى أهْلِ الإسْلامِ، فَهي له وِزْرٌ، وأَمَّا الَّتي هي له سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ في ظُهُورِها ولا رِقابِها، فَهي له سِتْرٌ، وأَمَّا الَّتي هي له أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبيلِ اللهِ لأَهْلِ الإسْلامِ في مَرْجٍ ورَوْضَةٍ، فَما أكَلَتْ مِن ذلكَ المَرْجِ أوِ الرَّوْضَةِ مِن شَيءٍ، إلَّا كُتِبَ له عَدَدَ ما أكَلَتْ حَسَناتٌ، وكُتِبَ له عَدَدَ أرْواثِها وأَبْوالِها حَسَناتٌ، ولا تَقْطَعُ طِوَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أوْ شَرَفَيْنِ، إلَّا كَتَبَ اللَّهُ له عَدَدَ آثارِها وأَرْواثِها حَسَناتٍ، ولا مَرَّ بها صاحِبُها علَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ منه ولا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيَها؛ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ له عَدَدَ ما شَرِبَتْ حَسَناتٍ. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالْحُمُرُ؟ قالَ: ما أُنْزِلَ عَلَيَّ في الحُمُرِ شَيءٌ، إلَّا هذِه الآيَةُ الفاذَّةُ الجامِعَةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}». (الزلزلة: 7-8).الزكاة تطهير للأموال
وأنتم -معشر المسلمين- في شهر رمضان، فطهِّروا أموالكم بالزكاة والإنفاق في أبواب الخير يبارك الله لكم فيما آتاكم، في الأموال والأولاد والأعمال، ويرفعكم في جنات النعيم، قال الله -تعالى-: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(سَبَأٍ: 39).الحث على اغتنام رمضان
أنتم في شهر البر والإحسان، وفي سباق الخيرات والفضائل والبركات، فأخلِصوا الأعمال للرب -جل وعلا-، الذي لا تخفى عليه خافية، وقدِّموا لأنفسكم أنواع الأعمال الصالحات، وداوِمُوا على الدعاء، فلن يهلك مع الدعاء أحد ألحَّ على الرب الكريم، ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الدعاء هو العبادة»(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والترمذي وابن ماجه، من حديث النعمان بن بشير)، وأعطُوا القرآنَ حظَّه من التلاوة، ولا تزهدوا في كثرة النوافل في شهركم، ولاسيما صلاة التراويح، والمحافظة على صلاة الجماعة، وأحسِنوا إلى الضعفاء والمساكين وذوي الحاجات والمنكسرين؛ فإن لهم شفاعة عند الله -عز وجل-، وفي الحديث: «أبغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والترمذي والنَّسائي، من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-)، ولو أدَّى المسلمون الزكاة ما بقي فقير، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(الْحَجِّ: 77).
لاتوجد تعليقات