خطبة المسجد الحرام .. فوائد وعظات من سورة «العصر»
- أقسَم الخالقُ سبحانه وتعالى بالعصر ولله أن يُقسِم بما يشاءُ من مخلوقاته أما العباد فليس لهم أن يُقسِموا إلا بالله تعالى
- إنَّ أنفعَ الكلامِ وعظًا وأحلاه على التكرار لفظًا كلامُ من أنزلَ القرآنَ تبيانًا وتولَّاه حِفظًا
ألقاها الشيخ
د. عبدالله الجهني
فضيلة الشيخ/كانت خطبة الحرم المكي لهذا الأسبوع (بتاريخ 27 رجب 1447هـ الموافق 16 يناير 2026 م) بعنوان: (فوائد وعظات من سورة العصر)، ألقاها إمام وخطيب الحرم المكي فضيلة الشيخ/ د. عبدالله الجهني -حفظه الله-؛ حيث تناول في بداية خطبته الوصية الربانية بتقوى الله -عز وجل- وعبادته -سبحانه- كما أمر وتوحيده مُخلِصينَ له الدينَ، وأكد على أهمية تذكر نعمة الله علينا -سبحانه-، إذ سمَّانا «المسلمين»، وجعلَنا في أمة نبيِّ الرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم-، الذي بعثَه فينا يتلو علينا آياتِه ويُزكِّينا ويُعلِّمنا الكتابَ والحكمةَ، ثم شرع في خطبته..
سورة العصر: منهج قرآني للنجاة من الخسران
إنَّ أنفعَ الكلامِ وعظًا، وأحلاه على التكرار لفظًا: كلامُ من أنزلَ القرآنَ تبيانًا وتولَّاه حِفظًا، ومن ذلكم سورةٌ من سور القرآن الكريم، وهي ثلاثُ آيات، وأربعُ عشرة كلمة، وثمانيةٌ وستونَ حرفًا، نزلت بعد سورة الشرح، تُمثِّلُ منهجًا إسلاميًّا متكاملًا، وترسُم نظامًا شاملًا للبشر، وتُنقِذُ الإنسانَ من رَدْغَةِ الخُسْران، وتُبيِّنُ وظيفتَه التي رَبَّى النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا- أُمَّتَه عليها، وهي: (سورة العصر). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(الْعَصْرِ).
رأسُ مالِ الإنسانِ عمرُه
أقسَم الخالقُ -سبحانه وتعالى- بهذا العصر، ولله أن يُقسِم بما يشاءُ من مخلوقاته، أما العباد فليس لهم أن يُقسِموا إلا بالله -تعالى-؛ فالعصر -يا عبادَ اللهِ- هو الدهر، وهو الزمان الذي تقعُ فيه حركاتُ بني آدم، والمُشْتَمِلُ على الأعاجيب التي تُحيطُ به في زمنه، تقعُ فيه السراءُ والضراءُ، والصحةُ والمرضُ، والغنى والفقرُ، والعزُّ والذلُّ، والطاعةُ والمعصيةُ، والنومُ واليقظةُ، والغفلةُ والصحوةُ، والاجتماعُ والافتراقُ، والعملُ والكسلُ، والربحُ والخسارةُ، والحياةُ والموتُ؛ فالزمان مَركَبُ الإنسانِ إلى الآخرة، يحملُ متاعَه وبضاعتَه، وهو مزرعةُ الأعمال؛ فكل يومٍ يمرُّ على الإنسان يُقدِّمُه إلى الآخرة، ورأسُ مالِ الإنسانِ عمرُه، فإذا أضاعَه في اللهوِ واللعبِ فهو خاسرٌ، فأيُّ خسارةٍ أعظم من حرمانه من مُناجاة ربِّه؟!
«كلُّ الناسِ يغدو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»
«كلُّ الناسِ يغدو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»، فهو مُستودعُ أعمال العباد خيرها وشرِّها؛ فحياةُ الإنسان إمَّا أن يصرفَها في المعاصِي -وذلك أقبحُ الخسران وأشدُّه-، وإمَّا أن يصرفَها في المُباحات؛ فإذا صرفَها في الطاعات فإن مراتبَ العبادة والخشوع متفاوتة، فما من طاعةٍ إلا ويمكنُ الإتيانُ بها بصورةٍ أفضلَ وأكملَ، فهو وإن كان رابِحًا إلا أنَّه يشعُرُ بفوات رِبحٍ أكبر فيندم ويشعُرُ بالخُسران.
الوسطُ فيه النجاةُ
علامةُ الرِّبحِ: حبُّ الآخرةِ وإيثارُها على الدنيا، وعلامةُ الخُسران: حبُّ الدنيا وإيثارُها على الآخرة، والوسطُ فيه النجاةُ، قال -تعالى-: {رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(الْبَقَرَةِ: 201).
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»(رواه أحمد).
قوةُ الإيمانِ وقوةُ البدنِ والدِّينِ والأخلاقِ
الإنسان منغمسٌ في الخُسر، إلا مَنِ استثنى اللهُ -تبارك وتعالى-، وهم المتَّصفون بصفاتٍ أربعٍ، هي: الإيمانُ، والعملُ الصالحُ، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والثبات. صفاتٌ تضافرَت فيها قوةُ الإيمانِ وقوةُ البدنِ والدِّينِ والأخلاقِ، مع قوة العلم وقوة الأدوات المادِّية، وتضافرَت فيها القوةُ المعنويَّةُ والقوةُ الحسِّيةُ، فصارت لها القيادة والسيادة والأمر والنهي، فأقامت العدلَ ونشرت الأمنَ، وكانت مع الله في كل شؤونها فكان الله معها في كل أحوالها، فقادوا العالَمَ إلى طريق الربح والسعادة.
درس بائع الثلج
رُويَ عن أحد السلف الصالح قوله: قال: «لقد قرأت سورة العصر عشرين عامًا ولا أفهمُ معناها، وكنتُ أفكرُ: كيف يكونُ الأصلُ في الإنسان الخُسران واللهُ يؤكِّده بكل المؤكِّدات، ثم يستثنِي اللهُ الناجينَ من الخُسران بتلك الصفات الأربع؟ إلى أن سمعتُ يومًا بائعًا للثلج يُنادي على بضاعته مُستعطِفًا الناسَ فيقول: «ارحموا مَنْ يذوبُ رأسُ مالِه»؛ لأن الثلج ماءٌ متجمِّدٌ، وقطرةُ الماء التي تسقطُ لن تعود مرةً أخرى، هنا فهمتُ أن هذا هو معنى القَسَم في سورة العصر».
لا تُضيِّعْ لحظةً من رأس مالك في غير ذكرٍ لله
فرأسُ مالِكَ -أيها الإنسانُ- في هذه الدنيا هو عمرُكَ، واللحظةُ التي تمرُّ من عمرِكَ لن تعود ثانيةً، فكلُّ واحدٍ منا يذوبُ رأسُ ماله؛ فانتبِهوا لرأس مالكم -وهو الوقت الذي تحيَون فيه قبل أن ينتهي الأجل-! انتبِهوا لمن يسرقُ منكم رأسَ مالكم! وكلُّ واحدٍ منا يَعرِف مَنِ الذي يسرقُ منه رأسَ مالِه. لا تُضيِّعْ لحظةً من رأس مالك وأنتَ في غير ذكرٍ لله، أو طاعةٍ لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
صفات المؤمنين الرابحين
في صَخَبِ الحياةِ وخِضَمِّها المتلاطمِ بموجاتِ الخسرانِ والضلالِ، يَظهَر عبادٌ لله مخلصون، ورجالٌ صالحون، وأولياءُ متقون، آمَنوا بربِّهم إيمانًا حمَلَهم على التقوى والهدى، وحبَّب إليهم الحقَّ وزيَّنه في قلوبهم، ورغَّبَهم في العمل الصالح، وحالَ بينَهم وبين اتباع الهوى، فكان هذا الإيمانُ وقايةً لهم من الشر، وقائدًا لهم إلى الخير. هؤلاء العبادُ هم الآمنون إذا فزع الناس، المطمئنُّون إذا اضطرب الناس، المتمسكون بالحق إذا أعرض عنه الناس، المتواصون بالصبر إذا افتُتن الناسُ، {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(يُونُسَ).
شُدُّوا عزائمَكم وشمِّروا عن سواعدكم
اعلموا أنَّكم في دُور الاختبار، وستظهر النتائجُ عن قريب، فقوُّوا صِلتَكم بالله -تعالى-، وشُدُّوا عزائمَكم، وشمِّروا عن سواعدكم، وتحصَّنوا بكتاب الله -عز وجل- وبسُنَّة نبيِّه -عليه الصلاة والسلام- مِنْ مُحدَثاتِ الأمورِ، واعبدوا الله -تعالى- على علمٍ وبصيرةٍ، واتقوه وراقِبوه فإنَّه يراكم ويسمعكم، وأكثِروا من قول «لا إله إلا الله»؛ فإنَّها مفتاح الجنة، وارغبوا إلى مولاكم أن يُثبِّتَكم على هذه الكلمة المبارَكة: الخفيفة على اللسان، الثقيلة في الميزان، المُزَيِّنة للديوان، بها يرضى الملكُ الرحمنُ، وبها يسخط اللعينُ الشيطانُ، وبها ينجو العبدُ المذنبُ من النيران، وبها يصل العبدُ إلى نعيم الخُلْد والأمان.
لاتوجد تعليقات