رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 3 فبراير، 2026 0 تعليق

خطبة المسجد الحرام .. رعاية النشء صون للفرد والمجتمع

  •  كمال العنايةِ بالناشئة وجمال الرِّعايةِ لهم مِنْ أقوَى البواعِثِ على امتِلاكِ القلوبِ والأخذِ بمَجَامِعِ النفوسِ
  •  إنَّ أنفعَ الكلامِ وعظًا وأحلاه على التكرار لفظًا كلامُ من أنزلَ القرآنَ تبيانًا وتولَّاه حِفظًا

ألقاها الشيخ

د. أسامة بن عبدالله خياط

كانت خطبة الحرم المكي لهذا الأسبوع بتاريخ 4 شعبان 1447هـ الموافق 23 يناير 2026، بعنوان: (رعاية النشء صون للفرد والمجتمع)، ألقاها إمام وخطيب الحرم المكي فضيلة الشيخ/ د. أسامة بن عبدالله خياط  -حفظه الله-، وقد تناول في بداية خطبته الوصية الربانية بتقوى الله -عز وجل- وعبادته -سبحانه- وخشيته يوم نعرض فيه عليه -سبحانه-، فيجزِي كلَّ نفسٍ بما كسَبَت، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزَّلْزَلَةِ)، ثم شرع في خطبته..

الشباب ثروة الأمة وأمل نهضتها

        عندما تُحدِقُ الأخطارُ وتَعظُمُ الخُطوبُ، ينظرُ أولو الألباب إلى النشء نظرَ أصحابِ الثروات إلى ثرواتهم، فيرَون لِزامًا عليهم المُسارعةَ إلى سُلوكِ كلِّ سبيلٍ يبلُغون به ما يُريدونَ، مِنَ الحفاظِ عليهم، والذبِّ عنهم بما يحفَظُ الحوزةَ، ويرُدُّ الغائِلةَ، ويدفعُ الصولةَ. فإنَّ في الحفاظ على شباب الأمة أعظمَ الآثارِ في صيانة كِيانِها، وإعلاءِ صُروحِ نهضتِها، لتأخُذَ مكانَها اللائِقَ بها بينَ الأُمَمِ، ولتكونَ كما أراد اللهُ: {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آلِ عِمْرَانَ: 110).

العناية بالناشئة سبيل البناء

        إنَّ كمالَ العنايةِ بالناشئة، وجمالَ الرِّعايةِ لهم، مِنْ أقوَى البواعِثِ على امتِلاكِ القلوبِ، والأخذِ بمَجَامِعِ النفوسِ، وكما تكون هذه العنايةُ والرِّعايةُ غرسًا لصحيحِ العقيدةِ، وحراسةً لشرائعِ الدينِ بالعلمِ والعملِ، وبَذْرًا لمحاسِن الأخلاقِ، وتعويدًا على صالِح العاداتِ، وتنفيرًا من المثالِبِ والمعايِبِ، وكلِّ ما يُعْتَذَرُ منه، فإنَّها تكونُ أيضًا بحُسْنِ تعهُّدِهم في بابِ المُصاحَبةِ والمُجالَسةِ والمُعاشَرةِ؛ لأنَّها مِنْ أعظمِ الأسبابِ فيما يكونُ مِنْ تقدُّمٍ أو تأخُّرٍ، أو نجاحٍ أو إخفاقٍ، أو قلَقٍ أو اطمئنانٍ.

ميزان الصحبة بين التبصير والتحذير

        ولأنَّ للصاحبِ أو الجليسِ أثرَه العميقَ في نفسِ صاحبِه وجليسِه، فإنَّ مِنَ الحكمةِ البالغةِ الاحتياطَ في أمرِه، والتريُّثَ في وَصْلِ حَبْلِ وُدِّه، حتى تُبْلَى أخبارُه، ويتميَّزَ معدِنُه، ويُوثَقَ بدينِه وخُلُقِه. وقد عبَّرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن هذا أبلغَ تعبيرٍ فقال في مقام التبصير والتحذير: «المرءُ على دينِ خليلِه، فلينظُرْ أحدُكم مَنْ يُخالِل»(أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -).

الجليس الصالح وجليس السوء

        إنَّ الطبعَ يُحاكِي الطبعَ، ويتأثرُ به، وسُرعانَ ما يمضِي المرءُ في الطريقِ الذي يُؤثِرُه ويختارُه جليسُه؛ ولذا صوَّر نبيُّ الرحمةِ - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في مَثَلٍ نبويٍّ بليغٍ؛ فقال -في الحديث الذي (أخرجه الشيخان) في صحيحهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه -: «مثلُ الجليسِ الصالحِ وجليسِ السُّوءِ كحامِلِ المسكِ ونافِخ الكيرِ، فحامِلُ المسكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أَنْ تبتاعَ منه، وإمَّا أَنْ تجِدَ منه ريحًا طيبةً. ونافِخُ الكيرِ إمَّا أَنْ يُحرِقَ ثيابَكَ، وإمَّا أَنْ تجِدَ منه ريحًا خبيثةً».

الصاحب ساحب

      فإِنْ كان الجليسُ ممَّن يسُدُّ الخَلَّةَ، ويغفِرُ الزلَّة، ويُقِيلُ العثرةَ، ويستُرُ العورةَ، ويقودُ جليسَه إلى الخيرِ ويراقِبُه فيه، ويُعِينُه عليه، ويزيِّنُ له الطاعةَ، ويُقبِّحُ له المعصيَةَ، ويَحُولُ بينَه وبينَها بتذكيرِه وتنبيهِه وتحذيرِه، فذلك هو الجليسُ الصالحُ الذي يسعَدُ به جليسُه، وتحسُنُ بمُجالَسَته عاقِبتُه.

     وإِنْ كان الجليسُ ممَّنْ يُزيِّنُ القبيحَ، ويُحسِّنُ السُّوءَ مِنَ الأقوالِ والأفعالِ، والعقائِدِ الفاسِدةِ والنِّحَلِ الضالَّةِ، ويحُثُّ على الانضِواءِ تحتَ لِوائِها، والتردِّي في وَهْدَتِها، فذلك هو الجليسُ السُّوءُ الذي يشقَى به جليسُه، لأنَّه كان وبالًا عليه؛ إِذْ أطاعَه وأسلمَ إليه قيادَه، فانتهى به إلى البوارِ وعذابِ النارِ، فقرعَ سِنَّ الندمِ حينَ لا ينفعُ ندَمٌ، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا}(الْفُرْقَان)، فلا عَجَبَ أَنْ تنقلِبَ خُلَّةُ هذا الفريقِ إلى عداوةٍ، {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}(الزُّخْرُفِ: 67).

لا تصاحب إلا مؤمنًا

        ولا عجَبَ إِذًا أن يَضِنَّ اللبيبُ بصُحبتِه ومُجالَسَتِه، فلا يجعلُها إلا لأهلِ الإيمانِ، ولا يبذُلُها إلا لأصحابِ التُّقَى، عَمَلًا بتوجيهِ خيرِ الورى - صلى الله عليه وسلم - في قولِه: «لا تُصاحِبْ إلَّا مُؤمنًا، ولا يَأْكُلْ طعامَكَ إلا تقِيٌّ»(أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه والترمذي في جامعه، بإسناد حسن).

       وإنَّ المُصاحبةَ يجبُ أن تكونَ خالصةً لوجهِ اللهِ، نقِيَّةً مِنَ الأغراضِ، بعيدةً عَنِ الأهواءِ، بأن تنشأَ وتنمُوَ في رحابِ الإيمانِ، محكومةً بسلطانِ العقيدةِ والشريعةِ، بما فيهما مِنْ أوامِرَ ونواهٍ يَستَوْحِيها المُؤمنُ في كلِّ اتِّجاهاتِ قلبِه، وحركاتِ وسكناتِ جوارِحِه.

رفقة الآخرة تبدأ من مودة الدنيا

       هنالك يرتقِي بحُبِّه أهلَ الخيرِ والصلاحِ فوقَ منزلتِه في الدارِ الآخرةِ درجاتٍ، فيلتحِقُ بِمَنْ أحبَّ وإِنْ لم يعمَل مثلَ عملِه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحهما، عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنَّه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا ولم يَلحَقْ بهم؟ فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ».

الصحبة الرقمية.. خطر جديد

      هذا، وقد كان لتطوُّرِ وسائلِ العصرِ -ولاسيَّما في مجالِ الإعلامِ بشبكاتِ معلوماتِه وقنواتِه، وما اشتمَلَتْ عليه من مواقعِ تواصُلٍ وغيرِها- كان لهذا التطوُّرِ أثرُه في الانتِقالِ بمعنَى المُجالَسةِ والمُصاحَبةِ إلى معانٍ جديدةٍ.

      وأضحَى لهذه المُجالَسةِ -التي تكونُ عبرَ هذه الوسائلِ- من قوةِ التأثيرِ ما يربُو على غيرِها، لاتساعِ دائرةِ استخدامِها، وتنوُّعِ وتعدُّدِ ثقافاتِ ومشارِبِ مُستخدِمِيها، وهذا يفرِضُ عبئًا ثقيلًا، ومسؤوليَّةً مُضاعَفةً على عاتِق الآباءِ والأمهاتِ، والعلماءِ والدعاةِ، والمُربِّينَ والمُربِّياتِ، وغيرِهم مِنْ ذوي الشأنِ في سبيلِ الحفاظِ على شبابِ وفتياتِ الأمةِ وتحصينِهم. وإنَّ في جهود المُخلِصين، وفيما أُوتُوا من حِنكةٍ وحكمةٍ ودرايةٍ ونيَّةٍ صادقةٍ، ورغبةٍ في بذل النُّصح، وحرصٍ على الخير، ما يُسدِّدُ به اللهُ الخُطى، ويُبارِكُ السعيَ، ويُبلِّغُ الآمالَ.

سلامة القلب أساس العبودية

      إنَّ مِنْ أظهرِ صفاتِ الجليسِ الصالحِ وأجلِّها، وأقواها أثرًا في قلبِ وعقلِ جليسِه: أنَّه ذو قلبٍ سليمٍ. والقلبُ السليمُ الذي ينتفعُ به صاحبُه في دنياه، وحينَ يأتي ربَّه يومَ القيامةِ، هو -كما قال ابنُ القيِّمِ رحمه الله-: «هو الذي سَلِمَ من كل شهوةٍ تخالِفُ أمرَ اللهِ ونهيَه، ومِنْ كلِّ شُبهةٍ تعارِضُ خبرَه، فَسَلِمَ من عبوديَّة ما سِواه، وسَلِمَ من تحكيمِ غير رسولِه -صلى الله عليه وسلم -، فسلمَ في محبَّةِ اللهِ مع تحكيمِه لرسولِه: في خوفِه ورجائِه، والتوكُّلِ عليه، والإنابةِ إليه، والذُلِّ له، وإيثارِ مرضاتِه في كلِّ حالٍ، والتباعدِ مِنْ سخطِه بكلِّ طريقٍ. وهذه حقيقةُ العبوديَّة التي لا تصلُحُ إلا للهِ وحدَه»؛ فالقلبُ السليمُ هو الذي سلمَ من أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجهٍ ما، بل قد خَلُصَتْ عبوديَّتُه للهِ -تعالى-: إرادةً ومحبَّةً، وتوكُّلًا وإنابةً، وإخباتًا، وخشيةً ورجاءً، وخَلُصَ عملُه لله: فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغَضَ أبغضَ في اللهِ، وإِنْ أعطَى أعطَى لله، وإن منعَ منعَ للهِ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك