خطبة المسجد الأقصى المبارك – المسجد الأقصى ليس قابلًا للشراكة
نحن أمة لا تفقد ذاكرتها، ولا تنسى ماضيها، ولا تتجاهل حاضرها، كان أجدادنا على هذه الأرض المقدسة تاريخًا ودينًا وحضارة، ونحن لا نزال عليها، صبراً ومصابرة ورباطًا، ونحن وأحفادنا باقون فيها، لا يضرنا من خذلنا إلى يوم القيامة.
أرض قـــدســــــــي أرض عـــدنـــــــــــان وإني مـن تـراب القدس عظمي وإيماني
منك لحمي أيها الأقصى وروحي أنـــا جــــــــــزء منك يا وحـــــــي السمــــــــــــاء
تاريخنا يشهد لنا
ويشهد ماضينا، والتاريخ السابق يشهد أنّ الأقصى ثاني مسجد بُنِي على الأرض، وفي القدس خاصة، ليكون مسجدًا خالصًا للمسلمين، لا يشاركهم فيه أحد، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين سأله أبو ذرٍ رضي الله عنه قائلا: أيُّ مسجد وُضِع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلتُ ثم أيّ ؟، قال: المسجد الأقصى.
الأقصى ليس قابلاً للشراكة
ومن الرعونة أن يزعم زاعم أنه سيمنحنا حق الصلاة فيه، وأن الأقصى سيكون قابلاً للشراكة بين اثنين؛ فهذا التشريع الباطل لا يزن مثقال ذرة؛ فذاكرتنا لا تُخطئ ولا تنسى، آدم -عليه السلام-، أول من وضع لنا قواعد الأقصى ليكون لنا مسجدًا، والفاروق عمر رضي الله عنه ورَّثنا مفاتيحه إلى يوم القيامة، وقد سماه الله المسجد الأقصى بقوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}، ووصفه الله بأول قبلةٍ لعباده المسلمين فقال: «سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها»، ثم رفع الله شأن أقصانا؛ فذكره بصيغة التعظيم، فقال: «ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها».
أصدق وثيقة
لا توجد وثيقةٌ شهادتها أصدق من القرآن؛ فالقرآن مقدس، وقد أقرّ موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- بحق المسلمين في الأقصى، حين صَلَّيا خلف نبينا[ في ليلة الإسراء وبأمر الله -تعالى-؛ ولذلك فالمسلمون في بيت المقدس وأكنافه لسان حالهم يلهج مرددا قول الشاعر المقدسي:
المسجد الأقصى سيبقى شامخا
والفجر رغم الليل لن يتغيرا
سنظل في الأقصى نصلي فوقنا
متسابقين لكي نسود المنبرا
فأي عقل ولُب لمن يقول غير هذا؛ فنحن أمةٌ لا تفقد ذاكرتها؛ فلقد كان هنا الرومان والتتر، وكان هنا جيش انجلترا واندحر؛ فالقدس وأكنافها تلفظ كل عابر ظالم دخيل، وهذا من بركاتها وبركات أقصانا؛ فالظالم مهما عسكر فيهما وطغى فهو إلى زوال.
فالقدس للعُرب من زمان
لم يقبلوا فيه من شريك
قـد دلَّ طغيــان غازيهــا
على فنــاء له وشيـــــك
ذاكرتنا معمرة
ذاكرتنا معمرة، متجذرة كجذور ديننا وتاريخنا في بيت المقدس وأكنافه؛ فنحن ولا فخر الذين قال فينا النبي صلى الله عليه وسلم : «على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين: «فنحن أمة الظهور ولا فخر، ونحن الشعب الظاهر ولا فخر، ونحن الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : لا يضرهم من خالفهم»؛ فمن خذلنا وتآمر على أقصانا وقدسنا من أبناء جِلدتنا ولساننا، نقول له: وإنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، فلا يضيرنا منافق، أو متخاذل خائناً لله، وخائناً لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وخائنٌ لجماعة المؤمنين.
حاضرنا نعيشه ونكابده
وأما حاضرنا فنحن لازلنا نعيشه ونكابده ونصابره، ندفع قدر الله بقدر الله، ندفع قدر الضعف بقدر القوة، وندفع قدر الذل بقدر العزة، وندفع قدر الجهل بقدر العلم، وندفع قدر العنف بقدر الأمن في كنف الله، وندفع قدر الجوع بقدر الصبر، وندفع قدر الظلم بقدر مراغمته ومصابرته، وندفع قدر الخَوَر بقدر العزيمة، وندفع قدر النفاق بقدر فضحه ومحاربته، ونحن هنا في الأرض المقدسة، قدر الله وقضاؤه، حقنا فيها لا تضبطه صفقات بيع، ولا تفرق أو انقسام، والتفافنا حول ديننا وأحكامه، طريق عِزِّنا وفخرنا، فاجعلوا أيها المرابطون قول الله -تعالى-: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، اجعلوه زادكم وشعاركم وهمَّكم ودأبكم، ودوروا مع الإسلام؛ حيث دار، ولا تفارقوا القرآن والسنة؛ فإن تنصروا الله ينصركم وينجز أمانيكم الغالية، ولن يخلف الله ميعاده، ولا ريب ساعتنا آتية.
تسمية خطأ
إن تسمية صفقة القرن بهذا الاسم، تسمية خطأ لغةً وقانوناً؛ لأن الصفقة تكون بين طرفين، لكل واحد له الحق فيما يملك، وهذه ليست بصفقة؛ لأن الطرف الذي أَعْلَن عنها لا يملك شيئا في بيت المقدس وأكنافه، والهيئات والمؤسسات العالمية الدولية، والشهود كلها تقر بهذا، وإلا لما كان هناك قضية تسمى القضية الفلسطينية؛ ولأن الطرف الثاني وهو صاحب الحق فيها مغيّب لم يؤخذ رأيه، وإنما الطرف الثاني هو كل مسلم في بقاع الأرض كلها؛ فإذا أرادوا أن تتم لهم هذه الصفقة المزعومة؛ فعليهم أن يأخذوا موافقة مليار وثمانمائة مليون مسلم؛ فإن تخلف مسلم واحد عن الموافقة على هذه الصفقة؛ فالصفقة باطلة؛ لأن من شروط انعقاد الصفقات موافقة الأطراف جميعها عليها، وهذا لم يحصل ولن يحصل.
حين يأذن الله بالنصر
وحين يستضعف المسلمون، ولا يبقى لهم قوة أو نصير من البشر، يأذن الله لجنوده لنصرهم؛ فحين حاصرت قريش الكافرة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات، أذِنَ الله للأَرَقَةِ أن تأكل صحيفة مقاطعتهم وينتهي الحصار، وحين اجتمع العرب والمنافقون مع أهل الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه في غزوة الأحزاب لِيُبيدوهم في المدينة المنورة، ناقلي الإسلام يومئذ، أرسل الله عليهم الريح، فخروا مهزومين.
جرثومة كورونا
وهذه جرثومة كورونا تخيف الدول، وتهدد حياة الملايين من البشر، فهل يتعظون ويرتدعون ويتوبون إلى الله -سبحانه وتعالى-، حين تآمر المشركون والمنافقون وأهل الكتاب على المسلمين في المدينة المنورة وحاصروها، أخذ المسلمون بالأسباب وحفروا الخندق، فما الأسباب التي أخذ بها العرب والمسلمون لعودة المسجد الأقصى المبارك؟
لاتوجد تعليقات