رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 16 يناير، 2023 0 تعليق

خطبة الحرم المكي – تتابع نعم الله وشكر نعمة الغيث

 

جاءت خطبة الحرم المكي بتاريخ 13 جمادي الآخرة الموافق 6 يناير 2023 بعنوان: {تتابع نعم الله وشكر نعمة الغيث}، للشيخ أسامة بن عبدالله خياط، واشتملت الخطبة على عدد من العناصر أهمها: توفيق الله للعبد لصرف النعم في مرضاته دليل على سعادة المرء، ونعمة الهداية للإسلام أعظم النعم، وبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أفضل النعم، وبعض نعم الله على العباد، ونعمة الغيث خير غامر، ومَشاهِد من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - عند نزول الغيث.

     في بداية الخطبة أكد الشيخ الخياط أنّ النعم تتابَعَتِ وترادَفَت المِنَنُ، وتكاثَرَت الآلاءُ، فكانت غَيثًا مِدرارًا لا ينقطِعُ هطُولُه، وفيضًا غامِرًا لا يتوقَّفُ تدفُّقُه، عطاءً كريمًا من ربِّنا الكريم الرحمن الرحيم، وتفضُّلًا منه على عباده بغير استحقاق، وإحسانًا منه بغير استِكراه؛ إذ لا مستَكرِهَ له -سبحانه-، فإنَّ النِّعمةَ الكبرى التي لا تَعدِلها نعمةٌ، والمنَّةَ العظمَى التي لا تَفضُلُها مِنَّةٌ، هي نعمةُ الهدايةِ إلى دين الإسلام؛ إذ أحسن -عز وجل- إلى عباده أن بيَّن لهم بما أنزل في كتبه، وأوحى إلى رُسُلِه الغايةَ مِنْ خَلقِه لهم؛ كي لا تضلَّ الأفهامُ في معرفتها، فأوضَح -سبحانه- أنَّه خلَق العبادَ جميعًا لعبادته وحدَه لا شريكَ له، فقال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(الذَّارِيَاتِ: 56)، وأنه استخلَف آدمَ -عليه السلام- في الأرض، ثم استخلَف ذريتَه من بعده، فقال -عزَّ اسمُه-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}(الْبَقَرَةِ: 30).

بعثة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم

     وإن من أَجَلِّ النِّعمِ، نعمةَ بعثة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق؛ ليُخرِج الناسَ برسالتِه مِنَ الظلمات إلى النور، ولِيهديَهم به سُبُلَ السلام، ويَضَعَ عنهم الآصارَ والأغلالَ، التي كانت على الأمم مِنْ قَبلِهم، وليسمُوَ بهم إلى ذُرى الخير والفضيلة، ويَنأَى بهم عن مهَابِط الشرِّ والرذيلة، وليسلُكَ بهم كلَّ سبيل يُبلِّغهم أسبابَ السعادة في العاجلة والآجلة، ولِذا كانت بعثتُه -[- رحمةً للخَلقِ كافَّةً، ونعمةً على البشَر قاطبةً، كما أخبَر بذلك -سبحانه- في أصدَقِ الحديثِ بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الْأَنْبِيَاءِ: 107)، فكانت رسالتُه -عليه الصلاة والسلام- رَحمةً للخلق جميعًا، عَرَبِيِّهم وأعجميِّهم، أسودِهم وأبيَضِهم، ذَكَرِهم وأنثاهم، إنسِهم وجانِّهم.

نعمةَ السمع والأبصار

     ومِنْ نِعَمِ اللهِ -تعالى- على عباده، نعمةَ السمع والأبصار والأفئدة التي خصَّها الله بالذكرِ في قوله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(النَّحْلِ: 78)، وإنما خصَّها -سبحانه- بالذِّكْر لشرفِها ومنزلتِها؛ إذ هي مفاتيحُ كلّ علمٍ، وسببٌ مُوصِلٌ إلى الهداية إلى صراطِ اللهِ المُستقيمِ، وسبيلٌ يُدرِكُ به المرءُ ما يرجوه ويُؤمِّلُه، ويُميِّزُ به بين ما يضُرُّه وما ينفعُه.

نعمةُ الأزواج

      ومِنْ نِعَمِه -سبحانه- على عمومِ خَلقِه، نعمةُ الأزواج ليأنسوا بها، ولتكونَ بينَهم الألفةُ والمودةُ والرحمةُ، ونعمةُ الذُّرِّيَّةِ مِن بنينَ وبناتٍ وحفدةٍ، وما رزَقَهم به من الطيبات، كما قال -سبحانه-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}(النَّحْلِ: 72).

نعمة نزول الغيث والأمطار

     وإنَّ مِنْ نِعَم الله التي امتن بها على عباده، نعمة نزول الغيث والأمطار، وهطولها المدرار، قال -عز اسمه-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(الْبَقَرَةِ: 21-22)، وقد وصف -سبحانه- نعمة المطر بالبركة والطهر وأنه سبب الحياة، فقال -تعالى-: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ}(ق: 9)، وقال -سبحانه-: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}(الْفُرْقَانِ: 48-50).

المتصرفُ في خلقه بما ينفعهم

     وينزل اللهُ المطرَ بعدَ إياسِ الناسِ من نزولِه في وقتِ حاجتِهم؛ فهو -سبحانه- المتصرفُ في خلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمودُ العاقبة في جميع ما يُقدِّره ويفعله؛ {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}(الشُّورَى: 28)، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- «إذا تأملتَ السحابَ الكثيفَ المظلمَ، تراه كيف يجتمع في جوٍّ صافٍ لا كدورةَ فيه، وكيف يَخلُقُه اللهُ متى شاء وإذا شاء، وهو مع لِينِه ورخاوتِه حاملٌ للماء الثقيل بين السماء والأرض، إلى أَنْ يأذنَ له ربُّه وخالقُه في إرسال ما معَه من الماء، فيُرسِلَه وينزلَه منه مقطَّعًا بالقطرات، كلُّ قطرةٍ بقَدْر مخصوص، اقتضته حكمتُه ورحمتُه، فيرشُّ السَّحابُ الماءَ على الأرض رشًّا، ويرسلُه قطراتٍ منفصلةً، لا تَختلط قطرةٌ منها بأخرى، لا يتقدَّم متأخِّرُها، ولا يتأخَّر متقدِّمها، ولا تُدرِك القطرةُ صاحبتَها فتمتزجَ بها، بل تنزِل كلُّ واحدةٍ في الطريق الذي رُسم لها لا تعدِل عنه، حتَّى تُصيبَ الأرضَ قطرةً قطرةً، قد عُيِّنَتْ كلُّ قطرةٍ منها لجزءٍ مِنَ الأرْضِ لا تتعدَّاه إلى غيره، فتأمَّلْ كيف يسوقُه -سبحانه- رزقًا للعباد، والدَّوابِّ، والطَّير، والذَّرِّ، والنَّمل، يَسُوقه رزقًا للحيوان الفلاني، في الأرْضِ الفلانيَّةِ، بِجانبِ الجبلِ الفلانيِّ، فيصِل إليه على شدَّة الحاجة والعطش في وقتِ كذا وكذا».

     لقد مضى رسولُ الهدى - صلى الله عليه وسلم - على طريق مَنْ سبَقَه من الرُّسل في لزوم الشكر لله -تعالى- على نَعمائه، وجزيلِ آلائه، شُكرًا تُترجِم عنه الأعمالُ، وتصوِّره الأفعالُ، وقد جعَل اللهُ الشكرَ سببًا لزيادةِ فضلِه، وحارسًا حافظًا لنعمته.

محبة الله لعباده

     وإن من تمام نِعَمِه -سبحانه-، وعظيم بِرِّه وكرَمِه وجُودِه وإحسانِه، محبتَه لعباده على هذا الشكر، ورضاه منهم به، وثناءه عليهم به، مع أنَّ منفعتَه مختصَّةٌ بالعبد، ولا تعود منفعتُه على الله، وهذا غايةُ الكرمِ الذي لا كرمَ فوقَه، يُنعِم عليكَ ثم يُوِزعُكَ شكرَ النعمة، ويرضى عنكَ، ثم يُعِيد إليكَ منفعةَ شُكرِكَ، ويجعلكَ سببًا لتوالي نِعَمِكَ واتصالها إليكَ، والزيادةِ على ذلك منها، وهذا الوجهُ -وحدَه- يكفي اللبيبَ لينتبهَ به على ما بعده؛ {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}(لُقْمَانَ: 12).

هديه الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم

      وقد كان من هديه الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - في صحيح سُنَّته أنه كان إذا رأى الغيثَ قال: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»(أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، من حديث عائشة -رضي الله عنها)، وفي رواية لأبي داود في سُنَنِه: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا هنيئًا»، وثبَت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «مُطِرْنَا بفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ»(أخرجه الإمام البخاري في صحيحه)، وكان عليه الصلاة والسلام يَحسِر ثوبَه حتى يصيبَه المطرُ، قال أنسٌ راوي الحديث: فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قالَ: «لأنَّهُ حَديثُ عَهْدٍ برَبِّهِ -تعالى-»، وكان يَحُثّ الناسَ على الدعاء والتضرع وقتَ نزول الغيث؛ لأنه مظنةُ استجابةِ الدعاءِ، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «اطلُبُوا استجابةَ الدعاءِ عندَ التقاءِ الجيوشِ، وإقامةِ الصلاةِ، ونزولِ الغيثِ»{أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار، وهو وإن كان حديثًا مُرسَلًا إلا أنه اعتضد بمجيئه من طُرُق أخرى تقوَّى بها فأصبح حديثًا حسنًا والحمد لله.

     وكان إذا سأله أصحابه أن يستصحي لهم -أي: أن تُمسِكَ السماءُ وتعود صحوًا كما كانت- استصحى لهم فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ علَى الآكَامِ والظِّرَابِ، وبُطُونِ الأوْدِيَةِ، ومَنَابِتِ الشَّجَرِ»(أخرجه الشيخان في صحيحهما من حديث أنس -]).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك