خطبة الحرم المدني الشيخ: عبدالله البعيجان إمام الحرم المدني: العلم أساس التربية به تُهَذَّب الأخلاق وتُغرس القيم وتصحح المفاهيم
العلم وسيلة الإصلاح، وطريق النجاة، وسبب الفوز والفلاح، وأشرف ما يُتَحلى به في الوجود، وأحسن ما يَتفضل الله به على عباده ويجود، قال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ( المجادلة: 11). العلم هو العامل الأساسي الذي يساهم في بناء المجتمعات وتكوين حضاراتها، واتساع عمرانها،وامتداد سلطانها، وعلو راياتها.
بالعلم نعلو ونرتفع
العلم ميزان الأخلاق والقيم، ومعيار الفضل، وسُلَّم الارتفاع إلى القمم، وباعث الأمل وملهم الأمم، رفع الله به أقواما فتقدموا وحرمه أقواما فتأخروا، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، أكرم الله أهله بخاصية أن قرن ذكرهم بذكره، وأشهدهم على وحدانيته فقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران: 18)، فهم أهل الخشية والاصطفاء {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وهم أهل الخير والترف والفضل المبين، «ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، بهم يَسترشد المسترشدون، وبنورهم يستضيء المهتدون، قال -تعالى-:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، وقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت: 43)، ذكر الله في الخافقين أعلامهم، وأجرى بالأحكام أقلامهم، فهم الموقعون عن الله، وهم ورثة الأنبياء، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أَخَذَ به أَخَذَ بحظ وافر» رواه أبو داوود والترمذي.
طوق النجاة
عباد الله، تعلموا العلم واطلبوه، فبه النجاة في الدنيا والآخرة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله ومن والاه وعالم أو متعلم « رواه الترمذي وحسنه. تعلموا العلم عباد الله واطلبوه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله، لم يُسرع به نسبه» رواه مسلم.
سلاح العلم
تعلموا العلم واطلبوه، فإنه منار سبيل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والسلاح على الأعداء، والمنزلة العلياء، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ( المجادلة: 11). تعلموا العلم عباد الله واطلبوه؛ فهو حياة القلوب، ومصابيح الأقطار، وبه يبلغ العبد أعلى الدرجات ومنازل الأخيار، وبه يُعْرف الحلال من الحرام، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة، تُقتَص آثارهم، ويُقتدى بفعالهم {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران: 18). تعلموا العلم عباد الله واطلبوه، فإن تعلمه خشية {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28)، وطلبه عبادة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والبحث عنه جهاد، قال -تعالى-: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122).
أساس التربية
عباد الله، إن التعليم هو أساس التربية وأصلها، فبه تُهَذَّب الأخلاق وتُغرس القيم، وبه مُعالجة الأخطاء، وتصحيح المفاهيم، وتقويم الاعوجاج، العلم هو الحصن المنيع والأساس الراسخ، فبه الثبوت والصمود والرسوخ إذا ماجت الفتن والمحن، فاحرصوا على تعليم أبنائكم وتربيتهم، وساعدوا الجهات التعليمية بما فيه صلاح الأبناء وبناء المجتمع وتربية الأجيال، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
تربية الأبناء
أيها الوالدان، أنتم مسؤولون شرعا عن تعليم الأبناء وتربيتهم، فاجتهدوا في واجبكم، وابذلوا النصح والتوجيه لأبنائكم، وتفقدوا وراقبوا وتابعوا برامج تعليمهم وتحصيلهم، وساعدوا المدرسين والمربين في تعليمهم وإرشادهم، وفّروا لهم الظروف المناسبة والأدوات اللازمة قدر الإمكان، لعل الله أن يرزقكم بذلك ولدا صالحا، ويرزقهم علما نافعا، فإن ذلك من أعظم القروبات وأجلّ الطاعات، ومن الباقيات الصالحات والصدقة الجارية بعد الممات، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم يُنتفع به وولد صالح يدعو له»؛ فخذوا بأسباب صلاح ذرياتكم بتعليمهم وتربيتهم وملء أوقات فراغهم بالمفيد، وحثّهم على الخير والطاعات وقراءة القرآن، لعلكم ترحمون بدعائهم وهدايتهم {ا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} (النساء: 11). خذوا من أوقاتكم نصيبا مفروضا، وحثوا أبناءكم على الاجتهاد في طلبه وتحصيله، فإنه أنجع وسائل التربية، وأرسخ يقينا في التزكية، وأكثر أماناً من الفتنة، وأشد ثباتاً في المحنة، وصبراً عند المصيبة، وأفضل الحسنات، وأعظم القروبات، وأعلى الدرجات.
غرس القيم
أيها المربون، أيها المعلمون، القدوة القدوة، أبناء الجيل أمانة في ذممكم، ومستقبل الأمم متعلق بمسؤولياتكم، فالله الله في رعيتكم، اغرسوا فيهم الدين والقيم وحببوا إليهم العلم، ربّوهم على الفضيلة ومكارم الأخلاق، وهنيئا لكم الأجر العظيم من رب العالمين، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا» رواه مسلم، هنيئا لكم، أنتم خلف الأنبياء والمصلحين في القيام بمهمة التعليم، فقد بعث الله الأنبياء معلمين، فهنيئا لكم باصطفائكم بصحبة العلم وخدمته ونشره وبذل الخير وتعليمه للناس، هنيئا لكم فأنتم تُغبَطون على هذا العمل، فأخلصوا النية واحتسبوا الأجر {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله}.
العقيدة الصحيحة
إن من أصول الإسلام الجامعة وقواعده العامة، قاعدة الاتباع والائتلاف والحذر من التفرق والاختلاف، قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103) وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى: 13). ومن فضل الله علينا في هذه البلاد المباركة لزوم العقيدة الصحيحة السمحة وتحكيم الشريعة والسير على منهج الكتاب والسنة، ولزوم الجماعة والإمامة.وقد جاء بيان هيئة كبار العلماء - وفقهم الله - في التحذير من الأحزاب الضالة والجماعات المنحرفة بيانا وافيا وبلسما شافيا، فعلى المسلم أن يلزم الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، ويَحْذَرَ من هذه الأحزاب والجماعات المخالفة للحق انتماءً لها أو تعاطفا معها. والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى إنه جواد كريم.
لاتوجد تعليقات