رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 24 أكتوبر، 2011 0 تعليق

خسائر الاقتصاد بين العرب…السوري الأعلى وانهيار القطاع النفطي يهدد بمعاناة ليبيا من ركود طويل- 55 مليار دولار خسائر اقتصادية من ثورات الربيع العربي

 

 لم تكن خسائر الاقتصاد العربي نتيجة الثورات العربية التي اشتعلت في البداية في كل من مصر، وتونس تتجاوز مليارات عدة من الدولارات، خصوصاً أن هذه الثورات كانت في أغلبها سلمية، ولم تسهم في تعطيل مؤسسات الدولتين بشكل كلي، بل إن هذه التطورات السياسية لم تحتج لما يقرب من شهر لإسقاط بن علي، و17 يوما للإطاحة بنظام مبارك، وهو الأمر الذي اختلف جملة وتفصيلاً، خصوصًا في ليبيا التي اتخذت فيها الأحداث منحى دموياً، حيث هاجم الثوار كتائب القذافي الذي رد بقصف بنغازي بالطائرات والدبابات مما استوجب تفويضًا عربياً لقوات الناتو لإسقاط نظام العقيد بشكل أصاب الاقتصاد الليبي النفطي في مقتل، وأصاب البنية التحتية بدمار كبير.

رصاصة الرحمة

      ولم تختلف الأوضاع كثيراً في كل من اليمن، وسوريا التي شهدت أحداثًا دموية ولا سيما في سوريا التي يواصل فيها الجيش العلوي العائلي مجازره ضد الشعب السوري، مما خلف آلاف القتلى، وهو ما تكرر بشكل أقل ضراوة في اليمن، ولكن ما جمع هذه الدول أن هذه التطورات سددت رصاصة الرحمة على اقتصاديات هذه البلدان المعتلة أصلاً بحسب أحدث تقرير أصدرته مجموعة «جيو بوليسيتي» لاستشارات المخاطر السياسية، حيث أظهر  أن الانتفاضات الشعبية التي شهدتها الدول العربية في شمال أفريقيا، والشرق الأوسط منذ بداية العام الجاري كلّفت المنطقة مبلغا باهظًا يتجاوز  55 مليار دولار.

      ولفت التقرير إلى  أن الأرقام التي تستند إلى بيانات من صندوق النقد الدولي تظهر أن الخسائر الإنتاجية المتأتية على الصراع أو الانتفاضات في الدول التي تشهد حالاً عميقة من عدم الاستقرار تصل إلى 20.56 مليار دولار، فيما بلغت التكلفة للماليات العامة 35.28 مليار دولار منذ بداية الانتفاضات سبتمبر الماضي  ليصل المجموع الإجمالي إلى 55.84 مليار دولار في الدول الأكثر تأثراً فقط.

 سوريا الأولي

      ووضع التقرير سوريا في المركز الأول من حيث الخسائر؛ حيث  تكبّدت خسارة مالية إجمالية بقيمة 27.3 مليار دولار تلتها  ليبيا 14.2 مليار دولار فيما حلت مصر في المركز الثالث بخسائر قدرت بـ 9.79 مليارات دولار، وتونس 2.52 مليار دولار، والبحرين 1.09 مليار دولار، واليمن 0.98 مليار دولار.

      وأوضح التقرير أن إجمالي الإنفاق العام انخفض بشكل كبير مع تراجع في الإيرادات بنسب وصلت إلى 77 % باليمن و84 % بليبيا.

      ورغم هذه الاضطرابات التي ضربت مناطق مختلفة في المنطقة إلا أن الدول العربية المصدرة للنفط ظلت بعيدة عن هذه التأثيرات، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، والسعودية، والكويت، حيث لم تشهد احتجاجات كبيرة بعد أن شهدت طفرات   عن طريق زيادة المنح بفضل ارتفاع أسعار النفط فضلا عن أن ناتجها المحلي الإجمالي إنما هو نتيجة تحقيق أسعار النفط  قفزات تجاوزت 90 دولارا للبرميل ارتفعت إلى 130 دولارا في منتصف العام إلى أن تراجعت إلى نحو 113 دولارًا في الوقت الراهن.

مخاطر أمنية

      ولا شك أن موجة التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة كانت لها تداعيات ضخمة على الاقتصاد العربي خصوصًا أن العديد من دوله كانت تواجه أصلاً صعوبات اقتصادية قبل اندلاع هذه التطورات ولاسيما أن هذه الدول شهدت انعدامًا للأمن واشتعلت موجات مظاهرات فئوية، وتوسعًا في إضرابات أصابت اقتصادياتها بالشلل علاوة على أن زيادة المخاطر الائتمانية قد أسهمت في رفع تكاليف عمليات الإنتاج مما خلف حالة تضخم زادت في بعض البلدان بأكثر من 25% مما خلق ضغطًا على مستويات المعيشة وزاد من الضغوط على الفئات محدودة الداخل.

      ومن البديهي أن حالة التعامل الدموية التي تعاملت بها القوات السورية مع الناقمين على الطابع القمعي والديكتاتوري لنظام الأسد وانتشار الاحتجاجات في أغلب المدن قد أصابا الاقتصاد السوري بسكتة دماغية نتيجة إغلاق أغلب المؤسسات الاقتصادية ووصول معدلات البطالة لأرقام غير مسبوقة ؛مما زاد من فاتورة الأحداث على الاقتصاد السوري مما وضعه في مقدمة الاقتصاديات تضررًا بتكلفة تجاوزت 27مليار دولار.

عائدات النفط

      في السياق ذاته كانت ليبيا في مقدمة أكثر البلدان تضررًا في ظل الخسائر الفادحة التي أصابت القطاع النفطي وأسهمت في خروج أغلب آبار النفط الرئيسية من الخدمة بشكل أعجز حتى حكومة المجلس الوطني الانتقالي عن إعادة تشغيلها حتى الآن وهي خسارة لا يستطيع الاقتصاد الليبي تحملها خصوصًا أن البلاد بحاجة شديدة لعوائد النفط لإعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية المهترئة أصلاً وهو أمر لا يختلف كثيرًا عن الحال في كل من اليمن وسوريا ومصر التي تردت فيها مواردها الاقتصادية نتيجة تراجع عائدات السياحة وقناة السويس حيث خسرت مصر ما يقرب من 5 مليارات دولار نتيجة انخفاض زوارها من السياح بحوالي 3 ملايين سائح بالمقارنة بنفس الفترة من العام وهو ما تكرر بشكل كربوني مع عائدات القناة التي نجحت خلال الأشهر الأخيرة في تعويض خسائرها خلال النصف الأول من العام.

اقتصاديات رعوية

      ويزيد من الضغط على هذه الاقتصاديات الرعوية التراجع الحاد في حجم الاستثمارات الأجنبية بنسبة تجاوزت 50% نتيجة الاضطرابات الأمنية فضلاً عن تراجع إنتاجها من كافة السلع والخدمات مما ألحق بميزان مدفوعاتها خسائر فادحة لدرجة أن دولة مثل ليبيا خسرت عائدات إنتاجها من النفط يوميًا والمقدر بحوالي 2 مليون برميل نتيجة ضربات الناتو، وهو ما زادت تبعاته على اقتصاديات مصر وتونس التي أجبرت على الاعتماد على احتياطياتها النقدية بشكل يقرب هذه الاقتصاديات من حالة الإفلاس التام مع استمرار التراجع في عائدات قطاعاتها الاقتصادية.

ملاحقات قانونية

      ولاشك أن انهيار الأوضاع الأمنية يصعب من محاولات عودة الاقتصاديات العربية لمسارها الصحيح حتى الآن، بل إن الأمر زادت تبعاته مع ما تردد عن هروب عشرات المليارات من الدولارات من الأسواق العربية سواء إذا أكانت عائدة لمستثمرين أجانب أم رجال أعمال فضلوا تأمين أموالهم من سيف المصادرة بفعل ارتباط بعضهم بالنظم الحاكمة وتورطهم في ممارسات فساد واستيلاء على المال العام جعلت الكثير منهم يقع تحت سيف الملاحقات القانونية؛ مما جعلهم يحاولون تهريب مدخراتهم في الخارج حتى تستقر الأمور في هذه البلدان.

      ومن المهم التأكيدأن قطاع الخدمات من تعليم وصحة وتموين كان أبرز ضحايا هذه الأوضاع المضطربة وهو ما أصاب الفئات الأقل نموا بخسائر فادحة وهو أمر ضاعف من خسائره غياب سلطات الدولة مما عرض الأوضاع الاجتماعية لكارثة حيث عادت سلوكيات كانت قد اختفت من المجتمعات العربية لتطل برأسها واضحة جلية مثل الفساد الأخلاقي وشيوع أنواع من الحريات غير الشرعية ليزداد الطين بلة ويفرض الأمر ضرورة حلول شاملة لعدد من المشكلات التي أقضت مضاجع البلدان العربية

روشتة للحل

      ولكن العديد من خبراء الاقتصاد يرون أن محاولات إصلاح الاقتصاديات العربية لن تكون سهلة في ظل حالة الانهيار التي عانتها هذه الاقتصادات بحسب د. عبدالخالق فاروق نتيجة توقف عجلة الإنتاج وتراجع عائدات السياحة وتردي الأوضاع الأمنية وهروب الاستثمارات ووجود صعوبة في إقناع المستثمرين بالعودة مجددًا مما فاقم من الأزمة وأجبر دولاً عربية على العودة مجددًا لنظام الاقتراض الخارجي أو الاعتماد على السحب من الاحتياطات النقدية، مما يشكل خطورة على محاولات إفاقة الاقتصاديات العربية من حالة الغيبوبة التي تعانيها.

      واقترح عدد من الخطوات يمكن اللجوء إليها لإصلاح هذا الخلل في ميزان المدفوعات منها التصدي لحالات التهرب الضريبي التي تفاقمت مخاطرها خلال السنوات الأخيرة في عددا لا بأس به من الدول العربية؛ حيث نجح بعضهم في عدم سداد مستحقاته الضريبية بفضل قربهم من الأنظمة المخلوعة مما جعلها بعيدة عن المساءلة.

      غير أنه رأى أن عزم بعض الدول العربية بناء تجربة ديمقراطية ووجود إرادة للتصدي للفساد وتبني سياسات أكثر شفافية قد يشكل طوق نجاة باعتبارها محفزات مهمة لعودة الاستثمارات الأجنبية فضلاً عن تراجع حدة الفساد وتوجيه الأموال التي كان يبتلعها هذا الغول وتوجيهها لمشروعات تنموية سيقرب المنطقة من مرحلة التنمية المستدامة

عنق الزجاجة

      من جهته رأي د. سلطان أبو علي وزير الاقتصاد المصري السابق أن التطورات السياسية التي شهدتها البلدان العربية ورغم ما حملته من سلبيات إلا أنها لاتخلومن إيجابيات، فانهيار الأنظمة القمعية التي كانت تنفق آلاف المليارات من الدولارات على ما يمكن أن نطلق عليه الأمن السياسي وانهيار منظومة الفساد التي كانت تأكل الأخضر واليابس في السابق وهي سياسات يعتقد أنها انتهت كل ذلك سيوفر مليارات الدولارات يمكن توجيهها لمجالات التنمية.

      وأشار إلى أن استقرار الأوضاع السياسية ووجود دساتير حديثة وحكومات قوية قادرة على إعادة عجلة الاقتصاد للدوران والوقوف ضد حالات الفساد الصارخ الذي شاب عملية الخصخصة في أغلب هذه البلدان سيوفر حلولاً للأزمة الاقتصادية فضلاً عن أن دعم الاقتصادات العربية الكبرى لنظيراتها الأقل نموًا قد يجعلها قادرة على الخروج من حالة عنق الزجاجة التي تعاني منها حاليا وهو ما يحفز هذه الاقتصاديات على تعويض ما فاتها والعمل على أن تبرأ من جميع الأمراض التي لحقت بها خلال الفترة الماضية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك