رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عماد عطية 9 مارس، 2026 0 تعليق

حِين يصنع القرآن رجالًا

  • صفاء التلقي من القرآن وحده في البدايات كان عاملًا حاسمًا في تكوين وعي واضح وهوية مستقلة
  • ترتيب الأولويات بميزان الوحي عند الصحابة صنعت استقلالًا قيميًا لديهم مكّنهم من قيادة العالم
  • عظمة جيل الصحابة لم تكن نتاج مرحلة زمنية استثنائية بل ثمرة منهج تربوي قرآني واضح يمكن دراسته واستحضار سننه
  • القرآن محفوظ والسنّة مدوّنة لكن اختلاف النتائج بين الأجيال يكشف أن الإشكال في طريقة التلقي والبناء لا في المادة نفسها

تقف البشريّة أمام ظاهرةٍ فريدة لا يجوز اختزالها في حدثٍ تاريخيّ عابر، بل هي تجربةٌ حضاريّة تستحقّ التأمّل، ولا سيّما من أصحاب الدعوات والمشاريع الحضارية؛ إنّها ظاهرة الجيل الذي خرج من مكّة بلا قوّةٍ مادّيّة ولا سلطانٍ سياسيّ، ثمّ غيّر في زمنٍ يسير مجرى التاريخ، إنّه جيل الصحابة -رضي الله عنهم-، الجيل الربّاني الذي صاغ القرآن وعيه وروحه وموازينه؛ فكان كلّ واحدٍ منهم تجسيدًا حيًّا لقيمه خلقًا وسلوكًا وجهادًا وعدلًا، وهنا يبرز السؤال: ما سرّ هذا التميّز؟ وكيف صيغ هذا النموذج الإنسانيّ الفريد؟

        قد يتبادر إلى الذهن أنّ السرّ يكمن كلّه في وجود النبيّ -صلى الله عليه وسلم - بينهم، وأنّ غيابه هو سبب غياب ذلك النموذج المتفرّد، ولا ريب أنّ وجوده - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم نعمةٍ ربّانيّة، ومددًا لا يُقاس به مدد، وتربيةً لا تُدرك أبعادها العقول، غير أنّ هذا التفسير - على جلالته - لا يستوعب الظاهرة كلّها؛ لأنّ الأمّة - بعد انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى - أنجبت رجالًا ونساءً قاربوا أولئك السابقين هديًا وسمتًا واستقامةً، حتى ليخيّل إلى قارئ سيرهم أنّه يقرأ صفحاتٍ من عصر الصحابة؛ فظهر من التابعين ومن بعدهم أئمّة هدى، وعلماء ربّانيّون، ومجاهدون، ومربّون، كانت حياتهم شاهدًا على أنّ السرّ لم يكن في مجرّد المعايشة الزمنيّة، بل في المنهج الذي تكونت به النفوس.

ما الذي تغيّر؟

  • فإذا لم يكن غياب شخص النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وحده هو السبب، فما الذي تغيّر؟ ولماذا اختلفت النتائج، مع أنّ مقوّمات الدعوة التي بين أيدينا اليوم هي ذاتها التي كانت بين أيديهم؟
القرآن هو القرآن، لم تُنقص منه آية، ولم تُبدّل منه كلمة، وقد تكفّل الله بحفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محفوظة، وسيرته مدوّنة، وهديه العمليّ منقول بدقّة، فالمادّة واحدة، والمصدر واحد، والرسالة واحدة، ولكنّ النتائج مختلفة؛ وهنا يكمن موضع البحث.

سرّ تكوين الجيل الأوّل

        إنّ السرّ في تكوين الجيل الأوّل كان في صفاء المنبع في مرحلة التأسيس، لقد كان نبعهم خالصًا؛ فالقرآن الكريم، في طور البناء الأوّل، لم يُسمح باختلاط الينابيع، ولا بتشويش المرجعيّات؛ بل كان القرآن هو المصدر الوحيد الذي يصوغ العقول، ويهذّب الأرواح، ويعيد ترتيب الموازين، ولم يكن ذلك انغلاقًا حضاريًّا، ولا فقرًا ثقافيًّا؛ فقد كانت حضارات الروم والفرس والإغريق تملأ الدنيا فلسفاتٍ ونُظمًا وأساطير، لكنّ المرحلة كانت تقتضي صناعة إنسانٍ واضح المرجعيّة، موحّد الوجهة، خالص التلقّي، إنّ البناء في بداياته يحتاج إلى صفاءٍ في المصدر، كما يحتاج الغرس في أوّل عهده إلى ماءٍ نقيّ لا يخالطه كدر. ومن هنا نفهم موقف النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حين رأى في يد عمر - رضي الله عنه - صحيفةً من التوراة، فأنكر ذلك وقال: «أمُتَهَوِّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة»، لم يكن رفضًا للحقّ الذي فيها، ولكن حمايةً للمنهج في طور التأسيس، وصيانةً للوعي من التشتّت قبل أن يترسّخ، وحين اختلطت الينابيع في عصورٍ لاحقة، ودخلت الفلسفات الوافدة والجدل الكلاميّ في تفسير النصوص، تراجع صفاء التصوّر، وفُقِدت وحدة المنهج، فلم تبلغ الأجيال - رغم إخلاص كثيرٍ منها - مستوى ذلك الصفاء الأوّل.

منهجية التلقي

        وفضلا عن وحدة المنبع وصفائه، فقد كانت هناك منهجيّة تلقٍّ فريدة، فلم يكن الصحابة -رضوان الله عليهم- يتعاملون مع القرآن بوصفه نصًّا للثقافة أو التذوّق الأدبيّ، بل بوصفه أمرًا إلهيًّا مباشرًا للتنفيذ، كانوا يتلقّونه ليعملوا به، لا ليجادلوا فيه؛ وليغيّروا به أنفسهم قبل أن يغيّروا به واقعهم. فقد كان أحدهم إذا سمع الآية سأل نفسه: ماذا يريد الله منّي الآن؟ وكيف أترجم هذا التوجيه إلى سلوكٍ عمليّ؟ لذلك لم يكونوا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلّموها ويعملوا بها، وقد ثبت عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنّهم كانوا يتعلّمون العشر آيات فلا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ فارتبط العلم عندهم بالعمل، والإيمان بالحركة، والتلقّي بالتنفيذ.

السنة كانت تطبيقًا حيًّا

      ولم تكن السنّة عندهم أقوالًا محفوظة فحسب، بل كانت تطبيقًا حيًّا، وسيرةً تُعاش؛ فكان القرآن يصحّح أخطاءهم، ويعالج مشكلاتهم، ويربطهم بالله في تفاصيل حياتهم، ومن هنا تخرّج جيلٌ يرى الدنيا من خلال ميزان الوحي، لا الوحي من خلال ميزان الدنيا.
  • ومن ثمار هذا التلقّي النقيّ أنّهم تحرّروا من موروثات الجاهلية، وتكونت لديهم هويّة واضحة، كان الدخول في الإسلام يعني خلع الموروثات الفاسدة، وإعادة ترتيب الأولويّات، ووزن العادات والأفكار بميزان الوحي لا بميزان الشيوع. وهنا تتجلّى قاعدة حضاريّة كبرى: لا نهضة بلا هوية، ولا بناء بلا مرجعيّة واضحة.

استحضارٌ للسنن الإلهية

         إنّ الحديث عن الجيل الرباّني ليس حنينًا إلى الماضي، ولا هروبًا من تحدّيات الحاضر، بل استحضارٌ للسنن الإلهية التي قامت عليها تلك التجربة؛ فالأمم لا تُقاس بما تملك من موارد، بل بما تصنعه من إنسان، وحين يفسد الإنسان، لا تجدي وفرة الإمكانات، واليوم نعيش واقعًا تتعدّد فيه المرجعيّات، وتتزاحم القيم، وتتداخل المفاهيم.

سؤال حاسم

 - ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: هل يمكن بعث الجيل الرباني من جديد؟ الطريق - وإن بدا طويلًا - واضح المعالم، أوّل لبنة هي تجريد نبع التلقّي، وإعادة القرآن إلى موقعه الطبيعيّ مصدرًا للتصوّر والتوجيه، لا مجرّد نصٍّ للتلاوة الموسميّة، ثمّ إحياء منهج التلقّي للتنفيذ؛ أن نقرأ لنُطيع، ونتعلّم لنعمل، ونحفظ لنلتزم.

ترسيخ العقيدة والهوية

       وتأتي بعد ذلك خطوة ترسيخ العقيدة والهوية المستقاة من القرآن والسنّة بفهمٍ منضبطٍ بهدي السلف الصالح؛ فالعقيدة تمنح الإنسان بوصلةً ثابتة في زمن الاضطراب، وتحميه من التيه وسط ازدحام الأطروحات. ثمّ تُبنى الأخلاق بوصفها الإطار الحاكم لكلّ علمٍ ومهارة؛ إذ قد يتحوّل العلم بلا قيم إلى أداة هدم.

بناء العقل الرشيد

         ويلي ذلك بناء العقل الرشيد القادر على التمييز والنقد في إطار الثوابت، بعيدًا عن التلقّي السلبيّ والانقياد الأعمى، مع بناء إرادةٍ منضبطة تتحمّل المسؤوليّة في إصلاح المجتمع؛ فالأفكار العظيمة إن لم تحملها عزائم صادقة بقيت حبيسة الأوراق، ولا يكتمل البناء دون وعيٍ بالانتماء، يربط الفرد بأمّته، ويجعله عنصر إصلاحٍ وبناء، لا عبئًا على واقعه، فالجيل الرباني ليس أفرادًا صالحين فحسب، بل طاقةً جماعيّةً تتحرّك في اتّجاه الرسالة.

تربية قرآنية فريدة

         لقد كان الجيل الأوّل تجربةً وتربية قرآنية فريدة، لكنّ السنن التي صنعتها ما تزال حيّة، فالقرآن لم يعجز يومًا عن صناعة الرجال، وإنّما العجز في صفاء التلقّي، وصدق الالتزام، ووحدة المنهج، وحين نعود إلى النبع الخالص، ونبني الإنسان عقيدةً وأخلاقًا ووعيًا وإرادةً، فإنّنا لا نكرّر التاريخ، بل نستأنف المسيرة. وما لم تُستأنف هذه التربية القرآنيّة، ويُعاد بناء الإنسان على أساسٍ من الوحيين كما بُني أوّل مرّة، فإنّ البحث عن جيلٍ يشبه جيل الصحابة سيبقى أمنيةً نبيلة وحديثًا مؤثّرًا، لا واقعًا متحقّقًا، أمّا إذا صدقت العزائم، وتوحّدت المرجعيّة، وعاد القرآن قائدًا للحياة، فإنّ وعد الله بالاستخلاف والتمكين سنّةٌ لا تتخلّف، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}، وحينها فقط يعود القرآن ليصنع رجالًا، ويصنع بهم التاريخ من جديد.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك