رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سعيد بن حازم السويدي 17 أبريل، 2018 0 تعليق

حوار هادئ مع المتأثرين بأفكار التطرف(2) هل جماعات الغلو تمثل الطائفة الناجية؟

قال الله -تعإلى-: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125)، استكمالا لما بدأناه في العدد الماضي من الحديث عن مشكلة التطرف الفكري التي تعانيها الدول والمجتمعات الإسلامية منذ عقود وتفاقمت في السنوات الأخيرة بعد أن دخلت المنطقة في حالة من الفوضى والاضطراب الأمني والسياسي؛ فتوفرت الأجواء المناسبة لانتعاش الفكر المتطرف والتنظيمات المسلحة المتبنية له، وتحدثنا في اللقاء الماضي عن المعالجة الفكرية للمتلبسين بفكر التطرف، واليوم نكمل ما بدأناه، بالإجابة عن سؤال مهم وهو: هل جماعات الغلو تمثل الطائفة الناجية؟

     ربما يلجأ بعضهم للجدل بأن الغلاة هم الطائفة المنصورة المتمسكة بالدين عند فساد الأكثرية، وذلك بوصفه مخرجا لتسويغ حال الغلاة بوصفهم أقلية تخالف إجماع المسلمين. وللجواب عن ذلك نقول: إن الحديث الذي تسعى الطوائف كلها للتعلق به لإثبات صحة عقيدتها و منهجها، و-منهم الغلاة -، قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك»، ومنهج الغلاة وعامة أحوالهم أبعد ما يكون عن حال الطائفة المنصورة، للأسباب الآتية:

ليس للغلاة أي جهد في الدعوة

- أولا: إن الفئة القائمة بأمر الدين التي أحيت معالمه بعد الاندثار، وأرجعته إلى المجتمعات هم الدعاة والعلماء؛ فليس للغلاة أي جهد في الدعوة للإسلام والدفاع عنه، وليس لهم أي أثر ملموس في صناعة الصحوة الإسلامية، بل لم يكن لأفكار الغلاة أو تنظيماتهم أي وجود مادي أو معنوي في الواقع عندما كان المصلحون الإسلاميون ينافحون عن دينهم ويجاهدون في سبيل إرجاعه عزيزاً ظاهراً.

ليس لهم أثر في الرد على المبتدعة

- ثانياً: إن الغلاة ليس لهم أي أثر في الرد على المبتدعة والملحدين والعلمانيين ودعاة التنصير والحداثة، وهذا العمل من أعظم الجهاد، بل أعظم من الجهاد كما قرر ذلك أئمة السلف كالحميدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن يحيى التميمي وابن تيمية وابن القيم، فكيف تكون الطائفة الناجية عاجزة عن هذا الجهاد، بل ومعطلة له، تهون من شأنه و تزهد الناس فيه؟

ليس لهم مشروع واضح

- ثالثاً: إن الغلاة ليس لهم مشروع واضح أو خطة معروفة؛ لأنهم يظهرون في كل فترة بوصفهم رد فعل على الأحداث، ويستغلون الظروف المضطربة والأحوال السيئة التي تمر بالأمة حتى يقدموا للناس تصوراتهم وأفكارهم؛ فأين كانت الطائفة الناجية قبل ظهور جماعات الغلو في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؟ وأين تكون الطائفة الناجية في الدول المستقرة التي ليس فيها قتال بين المسلمين وأعدائهم؟

لا يعترفون بغير العمل المسلح

- رابعاً: إن الطائفة المنصورة هي التي تجمع بين الدعوة والصبر على أذى المخالف والمناوئ، وهذه أشرف أحوال المسلم في حياته؛ لأنها منزلة أتباع الرسل، والغلاة لا يعترفون بغير العمل المسلح فليس لهم دعوة، ولا يعرفون معنى للصبر الذي هو منهج الرسل، بل يعدونه خنوعاً واستسلاماً، وليس لهم خطاب يصلون به إلى قلوب الناس، بل الغالب على لغتهم التهديد و الوعيد والتنفير.

ليس لهم حظ من العلم الشرعي

- خامساً: إن الطائفة المنصورة لابد أن تكون قيادتها من العلماء العاملين؛ فالجهل يتنافى مع البصيرة والعلم عدة أساسية للمجاهد القائم بأمر الله؛ فالثبات والتمسك بالدين لابد أن ينطلق من علم وفقه يمكن صاحبه من مواجهة الشبهات والمغريات في الوقت نفسه، أما الجهل فلا يمكن أن يكون طريقاً للنصر حتى وإن سلمت النية والقصد.

ورؤوس الغلاة ليس لهم حظ من العلم الشرعي ما يؤهلهم لقيادة المسلمين في هذه الأزمنة المليئة بالصعوبات والتحديات التي لم يعرفها فقهاء العصور الماضية وبحاجة إلى فقه راسخ للتعامل معها.

قياداتهم من المجاهيل

- سادساً: إن الذي يقود الغلو في زماننا طائفة من المجاهيل الذين لا يمكن تزكيتهم بطريقة مقبولة شرعاً، بل يمكن إثارة الكثير من التساؤلات والاستفهامات حول أصولهم ومنهجهم، وحول طبيعة مشروعهم، وحول غاياتهم وأهدافهم، و حول مصادر تمويلهم، وهم على حالهم المريبة هذه يطعنون في العلماء والثقات العدول الذين تشهد لهم أعمالهم وإنجازاتهم من المجاهدين والدعاة والمفكرين، وهذه ليست من أخلاق الطائفة المنصورة.

لا يتميزون بفضيلة

- سابعاً: إن الغلاة لا يتميزون عن المسلمين بفضيلة لا يشاركهم فيها أحد، بل هم كما ذكرنا سابقاً لم يكن لهم أي وجود حينما كان الدعاة والعلماء يحييون ما أماته الناس من أمر الدين والسنن النبوية، وما يدّعونه من جهاد ودعوة لتحكيم الشريعة قد سبقهم إليه المصلحون، وبذلوا في سبيله الغالي والنفيس؛ فكل خير يزعمون الانتساب له فأهل السنة أسبق له.

لهم انحرافات كبيرة

- ثامناً: إن الغلاة لهم انحرافات كبيرة على صعيد المنهج الفكري، والطريقة العملية، ومن أبرز انحرافاتهم التي انتقدها بعض الوجوه المعروفة في ساحة الغلو: سفك الدماء بغير حق والإسراف في ذلك، ومن انحرفاتهم كذلك التعامل مع الأنظمة السياسية التي يشتد بعضها في معاداة الإسلام، بحجة تحقيق مصالح موهومة في رعاية أهدافهم وتحقيقها من خلال تلك الدول.

الأمة لا تجتمع على ضلالة

- وأخيرًا: فإن من القواعد التي يجب ترسيخها في أذهان الشباب، أن الأمة الإسلامية معصومة من الاجتماع على الخطأ والضلال، فلا يمكن القول بأن المسلمين جميعهم في هذا الزمن اتفقوا مجانبة الحق؛ لأنهم لا يأخذون بمنهج الغلاة؛ فإجماع المسلمين واتفاقهم حجة لا يمكن القدح بها، والذين اتبعوا سبيل الغلو والغلاة في هذا الزمان فارقوا جماعة المسلمين وخالفوا إجماع الأمة، فلا تجد أحداً من العاملين لهذا الدين الساعين لنصرته وخدمته إلا وهو مخالف لهم مباين لطريقتهم.

     فالإسلاميون على اختلاف مناهجهم وأفكارهم، وعلى تعدد أساليبهم وبرامجهم لا يتفقون مع الغلاة، ولا يأخذون بشيء مما يقولون به؛ فالأمة في واد، والغلاة في واد آخر، وسائر الدعاة وطلبة العلم والكُتّاب والمثقفون المدافعون عن الإسلام مخالفون لهم وكذلك المحسنون ورجال الأعمال الذين يدعمون المشاريع العلمية والخيرية وينفقون أموالهم لخدمة العمل الإسلامي ليسوا على منهجهم.

     كما أن خطاب الغلاة يؤكد شذوذهم ومفارقتهم للجماعة؛ لأنهم يذمون الجميع بلا استثناء، ولا يلتمسون عذراً لأحد، فينتقدون العلماء والدعاة وسائر الحركات والجماعات الإسلامية، ولا يرضون عن أي فئة ما دامت تخالفهم أو لا توافقهم؛ لذلك فلا يمكن شرعاً ولا عقلاً أن تكون هذه الأكثرية على ضلال مبين، وأن ينفرد الغلاة بحيازة الحق والصواب من بين الأمة.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك