حوار هادئ مع المتأثرين بأفكار التطرف(1) المعالجة الفكرية للتطرف
قال الله تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل : 125)، هذه سلسلة من المقالات تتناول موضوعًا بالغ الأهمية في زماننا، وتعالج مشكلة عانت منها الدول والمجتمعات الإسلامية منذ عقود وتفاقمت في السنوات الأخيرة بعد أن دخلت المنطقة في حالة من الفوضى والاضطراب الأمني والسياسي؛ فتوفرت الأجواء المناسبة لانتعاش الفكر المتطرف والتنظيمات المسلحة المتبنية له؛ ولما كانت هذه المشكلة ناشئة في الأصل من انحراف فكري وسوء فهم لنصوص الوحي وكلام العلماء وجهل كبير بالتاريخ وطرائق التغيير وتجارب المصلحين، كان لابد من التركيز على جانب المعالجة الفكرية دون التخلي عن المعالجات السياسية والأمنية.
المعالجة الفكرية
فهذا المرض في مراحله الأولى ينبغي أن يعالج بوسائل فكرية وتربوية؛ فإذا انتقل إلى مرحلة ترجمة الأفكار إلى عمل وسلوك مشبوه، أصبحت المعالجة الأمنية ضرورة لابد منها، فإذا تحول النشاط المتطرف إلى أداة بيد الأنظمة والدول التي تُحسن استثماره وتوجيهيه على النحو الذي يخدم مصالحها، فلابد من معالجة سياسية وأمنية للتعامل مع هذا الخطر الموجه عن بُعد.
الحل الأمني والسياسي
وفي ظل التركيز على الحل الأمني والسياسي بسبب زيادة الهجمات الانتحارية والعمليات المسلحة تقع الغفلة عن أساليب المعالجة الفكرية مع أن قوى التطرف لا تكف عن تجنيد الأنصار والأتباع من خلال وسائلها الإعلامية وشبهاتها الفكرية التي تجد رواجا كبيرا في أزمنة ضعف الأمة، وتسلط الأعداء، وتفاقم المآسي الإنسانية، التي تعانيها بلاد المسلمين المنكوبة بالحرب والاحتلال والحصار؛ لذا لابد من مواجهة شاملة لهذا الخطر الذي أصبح سلاحاً بيد أعداء الأمة، وبات يتحرك وفق أجندات سياسية معينة لم تعد تخفى على المطلعين والمراقبين.
وهذه المقالات تحاول تقديم خطوط عريضة وأفكار أساسية للمربين، والموجهين، وأولياء الأمور، يناقشون بها الشباب المتأثر بهذا المرض، وقبل البدء لابد من التنبيه على أمرين أساسيين:
الابتعاد عن القضايا الشائكة
- الأول : من الضروري على المحاور للشاب المتطرف أن يبتعد عن قضايا لا يمكن لعقل المتطرف قبولها واستيعابها، ومنها: محاولة إقناعه بداية بالشرعية الدينية للحاكم، فلا ينبغي جدالهم بأن هذه أنظمة مسلمة حتى وإن كانت تطبق الشريعة أو تعتمدها مرجعية في التشريع، وكذلك محاولة إقناعه بضرورة طاعة الحكام وولاة الأمور، وعقيدة أهل السنة في هذه المسألة؛ فمثل هذه الأفكار تقضي على إمكانية إجراء حوار ناجح وذي جدوى مع العقل المتطرف.
وينبغي للمحاور ألا يسعى لإقناع المتطرف بترك فكره والانحياز إلى الاعتدال والوسطية، بل عليه أن يتدرج في تغيير قناعاته شيئاً فشيئاً، من خلال تشكيكه بالمُسلّمات والقطعيات التي يؤمن بها، وزعزعة ثقته بتصوراته وأحكامه، بعد ذلك يصبح المتطرف أقرب لقبول الحجة وسماع الأدلة التي كان من الصعب أن يتقبلها في السابق قبل أن تهتز ثقته بأفكاره.
تقدير حجم التحدي
-الثاني: إن الأحوال السياسية والأمنية فضلا عن نجاح التنظيمات المسلحة في الترويج لمشروعها إعلاميا وتفوقها في هذا الباب، كل هذه العوامل تصب في مصلحة التطرف وتخدم وجوده وتنامي دوره؛ لذا ينبغي على المهتمين بمقاومة هذا المرض والتصدي لخطره أن يقدروا حجم التحدي الذي يواجهونه دون تهوين أو تهويل، أو إفراط أو تفريط، وعليهم أن يدرسوا ظاهرة التطرف دراسة علمية واقعية حتى تكون العلاجات مناسبة وملائمة، وحتى لا تُستهلك الجهود في أعمال تنظيرية بحتة أو حلول أمنية لا تقترب من أساس الداء .
وقد شملت الأفكار الواردة في هذه المقالات على مناقشة مقولات عامة لدى المتطرفين، فضلا عن نقد التطرف في ضوء تجارب المصلحين، ومواقف السلف في التعامل مع التحديات السياسية التي واجهوها .
منطلقات للحوار مع التطرف
هناك قواعد أساسية ينبغي تثبيتها في عقل الشاب المتأثر بدعوة الغلاة ودعايتهم، نوجزها بالآتي .
أولاً : خطورة اعتناق التطرف
ليست الغاية اتخاذ مواقف معينة من الحكام والأنظمة والعلماء، وليست الغاية إصدار الأحكام والتقييمات لما يجري حولنا من أحداث، وإنما الغاية أن نصل إلى حلول واقعية تُخرج الأمة من محنتها، أو تخفف عنها بعض ما وقع عليها من الذل والاستضعاف؛ فأحكام التكفير والتخوين للأنظمة السياسية، والقدح في العلماء والطعن في أمانتهم وعدالتهم، وذم المجتمعات الإسلامية ونقد الحركات الدعوية على اختلافها، كل هذه الأمور ليست مطلوبة شرعا، ولا يترتب عليها أي عمل ينفع الأمة؛ فالانشغال بهذه الأمور والتوسع فيها؛ لا يقرب خيراً ولا يدفع شراً؛ ولا يحصل منها أي نفع للأمة والقضية الجهادية عموما، بل ثبت بالتجارب أن الآراء المتشنجة تزيد من العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتنفر الناس عن دعم المجاهدين .
فالمطلوب من المسلم هو العمل الدوؤب والبحث عن السبل الموصلة إلى الغاية التي خُلق من أجلها، أما الدخول في متاهة الجدالات والنقاشات وإصدار الأحكام والتقييمات، واتخاذ المواقف المتصلبة والحادة والعنيفة لن يغير من الواقع شيئا، ولن يُقرّب أصحابها من غايتهم التي يعملون من أجلها .
مفاسد عديدة
إن الوقوع في هذا المنزلق، وهو البحث عن النجاة في اعتناق منهج معين دون القيام بأي يعمل يخدم الدين، وينفع الأمة يؤدي إلى مفاسد عديدة ومحاذير شرعية منها :
مفارقة الجماعات العاملة للإسلام على تنوع آلياتها واختلاف برامجها؛ فالذي يسلك منهج المتشددين يزدري الجهود العلمية والدعوية كلها، ويعدها مضيعة للوقت والجهد، ووسائل لا تصب في الغاية التي يريدها وهو إزالة الأنظمة؛ فيعتزلها وينحاز عنها.
القعود عن الواجب المأمور به شرعا وهو الإصلاح الممكن في حدود القدرة والاستطاعة؛ وذلك لأن الغلاة وحزب التشدد لا يقتنع بعمل دون القتال، وبالتالي يتوقف عن سائر الأعمال النافعة ولا يكتفي بذلك، بل يشوش على الدعاة والمصلحين بالتهم والدعاية المضادة التي تهون من عملهم, وتعدهم أولياء الطواغيت الساكتين عن منكرهم وكفرهم !.
كما أن هذا الأمر يؤدي إلى الحقد والغل على الإسلاميين العاملين في سبيل الله وذمهم، وهذا ينافي الموالاة الإيمانية التي أمر الله بها، فلا يتحقق الولاء بين المؤمنين والنفوس مشحونة بالحقد والضغينة، وتتحول هذه الأفكار إلى عوامل لتفرقة الأمة وإضعاف تماسكها.
يفتح هذا الأمر الباب أمام الطعن في النوايا والسخرية من الجهود والتهوين من المنجزات التي يحققها الدعاة، وهذه المنكرات حذرت الشريعة منها، أعني الغيبة والطعن بغير علم والبهتان والافتراء والسخرية من المسلمين.
وأخطر هذه المفاسد، خذلان الدعاة في معركتهم الفكرية والدعوية والسياسية مع أحزاب الباطل على تنوعها: المبتدعة والعلمانيين وغيرهم من الفرق المنحرفة والفئات المحاربة للعمل الإسلامي؛ فالغلاة لا يؤمنون بأي مشروع مخالف لهم، ولا يوالون الإسلاميين في معاركهم ضد قوى الضلالة، ولا يؤجلون خلافاتهم مع الإسلاميين، ولا يتحدون معهم عند المعركة مع غير الإسلاميين، وفي هذا نقض لأصل الولاء والبراء الذي يحتم على المسلمين أن يكونوا يداً واحدة ضد أعدائه، ويُحرم عليهم أن يخذل بعضهم بعضاً في مواجهة الكفار.
فينبغي تحذير الشاب والمراهق من أن القناعة بأفكار الغلاة لن تجدي نفعاً، بل إثمها أكبر من نفعها، وأكبر الآثام التي يتلبس بها المتطرف أنه ينصرف شيئاً فشيئاً عن الغاية التي يسعى إليها، وهي تحكيم الشريعة وجهاد الكفار إلى المشاغبة والمشاكسة على الإسلاميين، واعتراض سبيلهم والدخول في جدالات معهم، بمعنى آخر: معاداة أهل الإيمان، ومسالمة أهل الكفر.
لاتوجد تعليقات