رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: هناء الأيوب 17 مارس، 2019 0 تعليق

حوار حول قانون (الجذب!)

قال الله -تعالى-: {الحمدلله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(الأنعام: 1)، إن أردنا التحدث عن الأضداد فإننا نقارن بين أمر ونقيضه؛ فالنور ضده الظلام، والعدل ضده الظلم، والرحمة ضدها القسوة، والتواضع ضده الكبر، والحق ضده الباطل، والاستقامة ضدها الانحراف، وهكذا، وهناك قضية مهمة جدًا حول مسألتين متضادتين، الأولى حق والأخرى باطل، أما الحق فهي مسألة كثر حولها الجدل، وتاهت فيها كثير من الأفهام والحيل، إلا من أكرمه الله بالفهم القويم، واللجوء إلى مصادر العلم الصحيح، إنها عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر الركن السادس من أركان الإيمان.

     والإيمان بالقضاء والقدر يعني تمام التصديق بأن الله -تعالى- يقضي ما يقدر، أي يجري وينفذ في الخلق ما علم قبل إيجاد الخلق، ويرتكز الإيمان بالقضاء والقدر على أربع مراتب، «وهي المراحل التي يمر بها المخلوق من كونه معلومة في علم التقدير، إلى أن يكون مخلوقًا واقعًا بقدرة القدير ومشيئته، وهي: علم الرب -سبحانه- بالأشياء قبل كونها، ثم كتابته لها قبل كونها، ثم مشيئته لها، ثم خلقه لها»، وتلك المراتب لا بد لكل مسلم أن يعرفها ويفهمها، ومن ثم التسليم بها، ورفض ما يعارضها ويضادها لتحقيق الركن السادس من أركان الإيمان؛ الأمر الذي يستلزم البحث والتقصي في معاني الإيمان بالقضاء والقدر ومدلولاته، وما يتبعها من مفاهيم مرتبطة بها مثل: التسيير، والتخيير، والكتابة، والعلم، والمشيئة، والإرادة، والخلق، وغيرها، ومن ثَمَّ السعي بجدية لتفنيد ما يناقض هذا الركن الذي لا يكمل الإيمان إلا به.

الكذبة الكبرى

     وأما الباطل الذي يتعارض مع عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، ويقف على الضد منها هو ما يسمى بقانون الجذب الكوني، ذلك المفهوم المزعوم المنحرف الذي تبناه كثير من إخواننا في الدين والعقيدة، فحادوا به عن جادة الصواب؛ فلابد من معرفة حقيقة ما يحمله ذلك المسمى (قانون) من مفاهيم تناقض الإيمان بالقضاء والقدر؛ لذا كان من  الأهمية بمكان تعرية مرتكزات هذه الخرافة وكشف مآربها، وبيان عوارها وفضح معايبها، ومدى مخالفتها للمفاهيم الصائبة، وقدحها لثوابت العقيدة!

تسمية زور

      إن قانون الجذب سُمِّي (قانون) زورًا وبهتانًا؛ فمن الذي سنّه ليكون قانوناً؟! وهو ينص على أن: «المتشابهات تجذب المتشابهات، وأنك إذا فكرت في شيء ما بتركيز؛ فإن هذا الشيء سينجذب لك وستحصل عليه، وأن المهم هو أن تفكر في الشيء وتركز عليه وتسأله في داخلك، وأنه عندما تكون ذبذباتك متوافقة مع ذبذبات هذا الأمر؛ فإنك ستكون قادرا على جذبه نحوك واستقباله»!.

إن المسلم قد يجامل الناس في بعض الأمور، أو يحابي الآخرين في بعض المواقف، ولكن فيما يمس العقيدة والدين، وأصول الإيمان والتوحيد، فإن الأمر لا يخضع للمجاملات، ولا يصلح معه التأويلات؛ فعقيدتنا هي أغلى ما نملك، وبضياعها نضيع ونهلك.

حوار هادئ

وللمزيد من الإيضاح حول ذلك سنعرض حوارًا هادئًا دار مع إحدى الأخوات، وقد تبنت مايسمى بقانون الجذب بمفاهيمه المخالفة للعقيدة:

الإنسان مخير

- قالت: الإنسان مخير في كل شيء سواء كان خيرًا أم شراًّ.

- قلت: -سبحان الله- لو كنا مخيرين في كل شيء، إذًا فسيحاسبنا الله حتى على المرض؛ لأننا اخترناه، وهناك حديث صحيح هو أكبر دليل على أن الله قد يقسم لنا ويقدر ما لا نحبه من مرض أو بلاء؛ فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكانت خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيراً له»، وتبعًا لذلك، لا ينبغي أن نعد البلاء شرًّا؛ لأن الله لا يقسم إلا الخير؛ فالمرض مثلًا في ظاهره شر، ولكن في باطنه خير إن صبر المريض واحتسب الأجر، وإنّ هذا الحديث يهدم مزاعم قانون الجذب من أساسها.

الطاقة الكونية

- قالت: إن الدكتورة م. هـ. المختصة بهذه العلوم (الطاقة الكونية) هي الوحيدة التي صورت أوراق هذا العلم من كبير (التبت)، وعندها العلم الحقيقي، وهي تخشى الله على عقيدتها!

- قلت: أما بالنسبة للدكتورة التي ذكرت، فقد آلمني ثناؤك عليها، نسأل الله لها الهداية؛ حيث إنها اعترفت أن قرينًا من الجن هو مصدر العلاج بالطاقة، ويكفي أن الطاقة الكونية لا يعترف بها العلماء الفيزيائيون، فضلا عن علماء الشريعة والدين؛ فليست هي بالطاقة التي يعرفها الفيزيائيون، كالحرارية والكهربائية وغيرها، كما أنها ليست بالطاقة التي يستخدمها بعض الشرعيين بوصفهم مصطلحاً يشير إلى علوِّ الهمّة وقوة الإيمان!!

عقائد الشرق البائدة

    وقد ثبت أن الطاقة الكونية بمفهومها الفلسفي ما هي إلا نتاج عقائد الشرق البائدة، ومعتقدات الحضارات الزائلة، ولاسيما الصين، والهند، والتبت، وتسمى بأسماء مختلفة حسب اللغة (التشي، الكي، البرانا، مانا)، ويزعم مروجوها من المسلمين- جهلاً أو تلبيساً- أنها المقصودة بمصطلح البركة، كما يدّعي المدلسون من رواد الطاقة إمكانية قياسها بواسطة أجهزة خاصة، مثل: البندول، وكاميرا كيرليان، أو جهاز الكشف عن الأعصاب، ويزعمون أن النتائج الظاهرة هي قياسات الطاقة الكونية في الجسد؛ ليلبسوها قسرًا لبوس العلم، مستغلين جهل أغلب الناس بهذه الأجهزة وحقيقة ما تقيس، باعتراف مخترعي الأجهزة أنفسهم، مثل جهاز (كيرليان) الذي يقيس التفريغ الكهربائي.

سنة كونية

- قالت: دعينا من علوم الطاقة، أما قانون الجذب فهو سنة كونية، وأنا لاحظت ذلك؛ فكل ما أفكر فيه، وأركز عليه، ألاحظه واقعًا.

- قلت: لو كان تحقيق الأماني باستخدام قانون الجذب مسوغا لقبوله، لقبلنا أيضًا تحقيق الأماني بالسحر، ولكن الغاية لا يصح اتخاذها عذرًا لتسويغ فساد الوسيلة؛ فقد يحقق الله لنا ما نرجو مع اتباعنا وسيلة لا يرضاهالا لشيء إلا ليختبرنا، وقد يحرمنا ليعرف مدى رضانا عن قدره، وصبرنا على بلائه، هذا لو سلمنا جدلًا بفاعلية العلاج بالطاقة!

ثم لو كان في هذه العلوم خير لانتفع بها مكتشفوها وواضعوها من الديانات الأخرى، الذين لم يهتدوا بها لمعرفة الله الواحد الأحد، خالقهم ومدبرهم ومتوفيهم وجامعهم.

فطرة سليمة

- قالت: فقط انوي البحث عن الحقيقة من قلبك، وسيدلك عليها ربك؛ لأن داخل كل إنسان فطرة سليمة.

- قلت: وما أدراني أن قلبي الضعيف سيقودني إلى الحق؟ فهناك الهوى، وهناك الشيطان، وهما من ألد أعداء الإنسان، بل أُمِر كل منا أن يقول: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، وما علم الطاقة وقوانين الجذب الكوني، إلا تلبيس إبليس على عباد الله، حتى يودي بهم إلى الإلحاد الخفي، وتعظيم الكون والذات بدلاً من تعظيم الله، وهذه هي المراحل المتأخرة التي وصل إليها الكثير ممن نعرف من رواد تلك الخرافة، حين ظنوا أنهم ارتقوا في مستويات التدريب، وحازوا على العلم العجيب؛ فسعوا لذلك السعي الحثيث، وانخرطوا في دهاليز مايسمى بحركة العصر الحديث، ولكنهم في واقع الأمر قد ورطوا أنفسهم في المتاهات؛ فغرقوا في ظلمات الخرافات، وسقطوا فيما دُبّر لهم من مصائد، وانطلت عليهم ما حيك لهم من مكائد!

الإصابة بالضرر

- قالت بإصرار: وهل الله هو من يصيب عباده بالضرر والمصائب؟ إنه حتما منزه عن ذلك، والدليل قوله -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير}(الشورى:30).

- قلت: فسَّر المفسرون قوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، أي عن سيئات اجترحتموها؛ فتأتي البلاءات لتطهر هذا العبد من هذه السيئات، حتى يرجع إلى ربه نقيًا طاهرًا، كما أن ذلك ليس على إطلاقه، وذلك لورود آيات أخرى تقرر أنه قد يصيب الله عبده بالبلاء ليدفعه للصبر؛ فيثيبه، مثل قوله -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(البقرة:155)، وقال -جل وعلا-: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}(الإنسان:2)؛ فالدنيا دار ابتلاء، فيها النعم وفيها النقم، وكله من عند الله، ولكن الله -تعالى- مثلما تكون نعمه إما مجازاة وإما ابتلاء؛ فكذلك نقمه تكون إما عقابًا أو ابتلاء؛ فالرب يربينا بالنعم والنقم؛ فلا ينبغي أن نقول: كيف يصيب الله عباده بالضرر والمصائب، وأنه منزه عن ذلك؟ بل الله -تعالى- أصاب الأنبياء جميعهم بابتلاءات، وهم أقرب الخلق إليه، وقد اصطفاهم -سبحانه- ليكونوا أنبياء.

تجليات الأماني

- قالت: وما رأيك بما يحدث لنا من تجليات لأمنياتنا بعد إطلاق النوايا وترديد التوكيدات؟

- قلت: نعم، تتردد بعض المصطلحات بين مؤيدي علم الطاقة مثل: التجليات - التوكيدات -  وغيرها، حتى أن هناك من سمى هذا العام بعام التجلي!! ونقول في ذلك: إنه لو صحَّ ذلك إذاً لماذا لم تتجل جميع أمنيات الرسل -عليهم السلام- ورغباتهم؟ أم أننا أكرم عند الله منهم؟ فلِمَ لم تتجل رغبة أيوب -عليه السلام- في الشفاء منذ البداية، ورغبة إبراهيم -عليه السلام- في هداية أبيه وقومه، ورغبة نوح -عليه السلام- في هداية ابنه؟!

- إن مقولة: (كل رغباتنا تتجلى) لا تتناسب مع الإيمان بالقضاء والقدر؛ فالله يقضي أحيانا بحرماننا من تجلِّي رغباتنا ليبهرنا بعطاءات أخرى من نعمه، أو ليربينا ويعرفنا مدى قلة حيلتنا ليدفعنا للجوء إليه، والتذلل بين يديه، وفي المقابل قد يحقق أمانينا، بل ويغدق علينا من النعم أكثر مما نرجو ليختبرنا أنشكر أم لا؟ أو ليعجِّل لنا نعيمنا في الدنيا دون الآخرة -والعياذ بالله-، هذه المعاني -مع الأسف- تلاشت عند معتنقي قانون الجذب والتجليات؛ فعاشوا في أوهام صعُب عليهم الخروج منها.

لو صح قانون الجذب

     ختامًا نقول لو صح قانون الجذب لأصبحت دنيانا جنة؛ ولما بقي مريضٌ إلا وشُفِي، ولا عقيمٌ إلا ورُزق، ولا فقيرٌ إلا واستغنى؛ فكل أمانينا محققة، وهذا بالطبع لا يستقيم أبدًا؛ فقد جعل الله -تعالى- الدنيا دار كدٍّ وشقاء، وعمل وابتلاء، ورغَّبنا في الجنة وكل ما يقرب إليها من قول وعمل؛ لنصبُوَ إلى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهكذا انتهى الحوار حول قانون الجذب المزعوم، أسأل الله أن يزيل الغشاوة عن أعيننا، وأن يرزقنا اتباع الحق وترك الباطل، وأن يهدينا لما يحب ويرضى.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك