رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة - الفرقان: أحمد عبد الرحمن 8 مايو، 2013 0 تعليق

حكومة رانجوان تتواطأ مع مذابح الماغ لتسويغ فشلها في إدارة المرحلة الانتقالية-مسلمو الروهينجا بين التطهير العرقي والتواطؤ الدولي

 

 

لم تواجه أقلية في العالم معاناة وتهميشًا وتمييزًا وحرقًا وتطهيرًا عرقيًا خلال الأعوام الخمسين الماضية مثلما تواجه أقلية الروهينجا في بورما؛ حيث تعرضت لأبشع مذابح التطهير العرقي بشكل خلف أكثر من 50 ألف قتيل خلال العقود الماضية، وهي مذابح  اجتمع عليها جميع الفرقاء في ميانمار، سواء أكانوا العسكر، أم الشيوعيين أم الحكومة المؤيدة من العسكر التي تحكم البلاد حاليًا.

وكان قرار حزب التضامن والتنمية المدعوم من العسكر قد فتح الباب أمام المذابح الأخيرة، بقراره إعطاء الأقلية المسلمة بطاقة مواطنة بشكل سيستفيد منه ما يقرب من 10 ملايين مسلم بورمي، وهو ما أثار غضب وخنق أغلبية الماغ البوذيين؛ لإدراكهم بأن هذا القرار سيخلط الأوراق داخل الساحة السياسية؛ بل ويمهد لتغييرات قد تقفز بالمسلمين للمشهد السياسي، بعد أن عانوا لعقود طويلة من التهميش والإبعاد والإقصاء من أي منصب سياسي في الحكومات المتعاقبة.

مذابح عرقية

     وإزاء هذا القرار شهدت المذابح والإحراق في صفوف المسلمين على يد الرهبان البوذيين، الذين بدؤوا منذ الصيف الماضي المذابح سلسلة من التصفية، وإحراق أحياء المسلمين كاملة، لدرجة دفعت الآلاف من المسلمين إلى المخاطرة والهروب إلى بنجلاديش المجاورة، عبر قوارب متهالكة، جعلت الكثير من المراقبين يتندرون حول مأساتهم بالقول: «من لم يمت بالحرق مات بالغرق»، و«تعددت الأسباب والموت واحد».

     ولم تقتصر المذابح في صفوف المسلمين على المذابح فقط بل أقرت الحكومة البورمية سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد أقلية الروهينجا المسلمة، تارة بالعمل على إعادة النظر في قرار منحهم بطاقة الهوية، واستحداث قوانين تمنعهم من الجنسية؛ بذريعة أنهم ليسوا من مواطني ميانمار؛ وإنما وفدوا إليها من بنجلاديش المجاورة.

     ورفضت لجنة حكومية مطالب المسلمين بضرورة إعادة النظر في قانون المواطنة الذي يعود إلى عام 1982م الذي صنف أقلية الروهينجا المسلمة على أنهم مهاجرون غير شرعيين قدموا إليها من بنجلاديش، وهو القانون الذي يعترف بـ 130 أقلية بأنهم من مواطني ميانمار، دون أن يطال هذا التعديل الأقلية المسلمة.

تحديد النسل

     وزاد الطين بلة إصدار اللجنة الحكومية المكلفة بالبحث عن أسباب انفجار المذابح في أوساط المسلمين توصية تطالب باتخاذ ما يلزم لتحديد النسل لدى مسلمي عرقية الروهينجا بزعم أن النمو السكاني بين المسلمين؛ هو أحد أسباب التوتر مع البوذيين، دون أن يتطرق لتحديد مسؤولية الطرف المتسبب في إشعال الاضطرابات في أوساط المسلمين، ولا أحداث التصفية العرقية التي أدت إلى مقتل وإصابة وحرق ما يقرب من 150 ألف دون أن تحمل الرهبان البوذيين مسئولية هذه المذابح، رغم أن هناك إجماعًا من جميع منظمات حقوق الإنسان الدولية تحمل الرهبان البوذيين مسئولية هذه المذابح بشكل واضح، منتقدة حالة التواطؤ الحكومي، الذي سمح لهؤلاء الرهبان باقتراف أكبر جريمة تطهير عرقي شهدته الأعوام الأخيرة في العالم.

     ولكن يبدو أن تقرير منظمة (هيومان رايتس ووتش) وإدانته للسلطة في رانجوان لم يجد آذانًا مصغية لدى الاتحاد الأوروبي، الذي أصدر قرار مثيرًا للجدل برفع العقوبات الاقتصادية على اتحاد ميانمار، باستثناء حظر السلاح في قرار صادم لجميع الأوساط الدولية، لدرجة حدت بفيل روبرتسون مساعد مدير هيومان رايتس ووتش لمنطقة آسيا بوصف القرار الأوروبي بأنه سابق لأوانه، ومؤسف ويقلل من وسائل الضغط على السلطات؛ لمتابعة الإصلاحات التي بدأت منذ حل المجلس العسكري الحاكم عام 2011م، منتقدًا بشدة حديث وزراء الخارجية الأوروبيين عن رغبتهم في فتح صفحة جديدة في علاقتهم مع ميانمار، ضاربين عرض الحائط بالمذابح الجارية على قدم وساق ضد الأقلية المسلمة.

     ولعل الرسالة التي قدمها موقف الاتحاد الأوروبي من رفع العقوبات عن حكومة رانجوان تعد دليلاً لا يقبل الشك على أنه لا يكترث كثيرًا بعمليات الإبادة التي يتعرض لها مسلمو الروهينجا في ميانمار، والتأكيد على أن العالم لا يتحرك إلا إذا كانت مصالحه مهددة، وهو ما لم تشهده ميانمار حتى الآن رغم أن تقارير أكدت أن ما يتعرض له مسلمو الروهينجا يفوق في إجرامه بمراحل محارق (الهولوكوست) التي يروج لها اليهود، بزعم تعرض أسلافهم لها على يد النازي (أدلف هتلر).

     ومن يستعرض المشهد في بورما يشعر أن مدن المسلمين تتعرض لحملة حرق وتصفية، لدرجة أن الأحداث التي شهدتها منطقة (مانغدو) أسفرت عن مقتل 48 مسلمًا جاءت لخلافات بين صاحب متجر مسلم وأحد الزبائن البوذيين، وسط خلاف حول ثمن سلعة، وهو الخلاف الذي أشعل مواجهات دامية، دفع ثمنها المسلمون سواء في حرق بيوتهم، أو مساجدهم، أو متاجرهم لدرجة أن وكالات الأنباء نشرت صورة لأحد الرضع يهم باحتضان شقيقته بعد استشهاد أبيه وأمه، غير أن هذه الرسالة لم تخرق جدار الصمت العربي والإسلامي أو الغربي، تجاه هذه المذابح المستمرة منذ أكثر من 10 أشهر، دون أن تجابه بموقف قوي من الأمم المتحدة، أو منظمة التعاون الإسلامي التي تركت 10 ملايين مسلم بين الإجرام البوذي، والتواطؤ الدولي.

هدف مشروع

     واستمرأت حكومة رانجوان الأوضاع، فعمدت إلى استمرار تصيد حقوق مسلمي الروهينجا في التنقل والتعليم والتوظيف، كما أنها مستمرة في إجراءات حرمانهم من الجنسية، وتحويلهم إلى هدف مشروع للمذابح البوذية في صفوفهم، لدرجة حدت ببنيونت مايونغ شين رئيس المجلس الإسلامي للشئون الدينية للتأكيد على أن 10 ملايين مسلم لا يشعرون بالأمان خلال وجودهم وسط مجتمع بوذي، رغم أننا نعيش في هذه المنطقة منذ عقود،  متسائلا لماذا أصبحنا نشعر بالبؤس حتى يقتل رجالنا ونساؤنا وأطفالنا وطلابنا بهذه الوحشية؟ مشددًا على أن المسلمين قد تحولوا لكبش فداء هذه المرحلة الانتقالية بعد النظام العسكري الظالم.

     ولفت إلى أن تواطؤ الحكومة مع الجرائم العرقية ضد مسلمي الروهينجا قد زاد الطين بلة؛ فالحكومة لم تكتف بالصمت حيال هذه المذابح؛ بل إنها أمعنت في اتخاذ خطوات تزيد مأساة المسلمين تجذرًا، تارة بحرمانهم من الجنسية، وأخرى بإقرار حزمة من القرارات بالحد من تناسل المسلمين، باعتبار أن الطفرة السكنية هي المتسبب في تفجير الأزمة، بحسب وجهة نظر الرهبان البوذيين الراغبين في محاصرة المسلمين، ومنع انتشار الدين الإسلامي في أنحاء جمهوريات ميانمار.

     وانتقد رئيس المجلس الإسلامي للشؤون الدينية صمت العالم الإسلامي، والمجتمع الدولي، حيال هذا الإجرام، لافتًا إلى أن منظمة التعاون الإسلامي لديها من الإمكانيات لردع  هذه المذابح ووقفها بشكل فوري، قائلا: إننا لا نفهم لماذا يتقاعس ويكتفى بالإدانة والشجب؟ دون أن توقف هذا الإجرام والتطهير العرقي الذي يجري بيد الرهبان البوذيين بتواطؤ إن لم يكن بدعم من الحكومة التي تحتاج لعقود لو أرادت لإصلاح أوضاع المسلمين.

طمس أدلة

     غير أن هذه الحكومة لا تكتفي بالتواطؤ مع جرائم الماغ؛ بل إنها تحاول إضفاء أي أدلة تدينهم، لدرجة أنها فرضت طوقًا على 4 مقابر جماعية للمسلمين في عدد من المدن  (مونغدو بوثيدونغ وسيتوني)؛ لإخفاء معالم الجريمة أمام الزوار الدوليين بل إنها - الحكومة - أسهمت في إرهاب المسلمين عبر قيام شاحنة حكومية بإلقاء 18 جثة قرب مخيم للنازحين الروهينجا؛ بهدف ترهيبهم؛ وحملهم على الرحيل إلى بنجلاديش المجاورة التي تمر بحالة من الاضطرابات السياسية، غلت يديها عن مساعدة المسلمين في ظل وجود حكومة في داكا برئاسة زعيمة حزب رابطة عوامي الشيخة حسينة وإحدى اللاتي  لا تبدين أي حماس لإغاثة لاجئي الروهينجا أو دعمهم؛ لوقف الإجرام البوذي حيالهم.

     يأتي هذا في الوقت الذي وصف الدكتور جعفر عبد السلام -أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر الشريف- ما يقوم به الرهبان البوذيون بالجرائم ضد الإنسانية، بشكل يستوجب توثيق هذه الجرائم، وإقامة دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة هذه الحكومة على تواطئها؛ بل ودعمها لجرائم الروهينجا ضد الأقلية المسلمة.

     ولم يخف د. عبد السلام ضيقه من موقف منظمة التعاون الإسلامي حيال هذه الجرائم، مشددًا على أن المنظمة الإسلامية تستطيع إيجاد عدة خطوات لإجبار حكومة ميانمار على التراجع والتصدي لجرائم البوذيين، منها: قطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة البلاد، وسحب سفراء جميع الدول الإسلامية؛ تعبيرًا عن رفض هذه الجرائم والإبادة التي يقوم بها المتطرفون البوذيون تحت سمع وبصر العالم.

     وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية تستطيع أن تجدي في هذا المجال، ومنها: وقف التبادل التجاري مع الحكومة، وطرد العمالة الميانمارية من البلدان الإسلامية، ولا سيما من لا ينتمي للروهينجا، فضلاً عن التحرك الدولي لفرض عقوبات اقتصادية؛ حتى يتم وقف جرائم الإبادة ضد المسلمين؛ وإعطائهم كافة حقوقهم بوصفهم مواطنين أصليين.

وتساءل عبد السلام عن سر عدم تبني الدول الإسلامية لهذه الخطوات، والاكتفاء بالإدانة والشجب، وهي وسائل لن تجدي في وقف هذه الجرائم العرقية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك