رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 25 أبريل، 2011 0 تعليق

حكم التجسس والجاسوس في الإسلام

 

التجسس لغة : تتبع الأخبار ، ومنه الجاسوس الذي لأنه يتتبع الأخبار . والتجسس على المسلمين في الأصل حرام منهيٌ عنه؛ لقوله تعالى: {ولا تجسسوا}؛ لأنه تتبع لعورات المسلمين ومعايبهم، والاستكشاف لما ستروه، وقد قال النبي[ محذرا: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، حتى يفضحه ولو في جوف بيته» أخرجه الترمذي.

       ويباح التجسس في الحرب من المسلمين على عدوهم من الكفار المحاربين، وبعث الجواسيس لتعرف أخبار الكفار وجيوشهم، وعددهم وعتادهم وما إلى ذلك.

كما يباح التجسس والتحري إذا قيل للحاكم: إن في بيت فلان خمرا ، وشهد بذلك شهود، أو قيل: فلان خلا بامرأة أجنبية.

        وكذلك يحل للمحتسب أن يكشف عن مرتكبي الفواحش، إذا ظهرت له علاماتها من صوت وزمر ونحوهما.

        أما التجسس على المسلمين لمصلحة الكفار، فهو خيانة للدين، ومحاربة للمسلمين، ومبارزة بالعداوة لهم، وسعي في إيقاع الضرر بل الهلاك بهم ، ومعاونة لأهل الشرك والكفر عليهم، وكلها كبائر عظيمة، وتصل للردة إذا صدرت من المسلم؛ قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (الأنفال: 27).

         وهي نواقض للعهود والمواثيق إذا صدرت من المعاهدين وأهل الذمة؛ قال تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} (التوبة: 4)؛ وقال: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} (التوبة: 7)؛ وقال سبحانه: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} (التوبة : 13).

أما أقوال الفقهاء في حكم الجاسوس على المسلمين:

        فقد تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس مسلما كان أم كافرا، فقالت المالكية والحنابلة وغيرهم : يقتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين.

         وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله، وإنما يعاقب تعزيراً، إلا إن تظاهر على الإسلام فيقتل، أو ترتب على جاسوسيته قتل، ومثله الذمي.

         و‏إن كان كافراً يقتل في حال الحرب ، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنّه نقض للعهد .

        وقد ورد في السنة ما يدل على قتل الجاسوس مطلقا؛ فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال :  «أتى النبي[ عينٌ من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال[: «اطلبوه فاقتلوه» قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفّلني إياه» (رواه البخاري وأبو داود).

         وقوله: «أتى النبي[ عين» في رواية لمسلم: أن ذلك كان في غزوة هوازن. وسمّي الجاسوس عيناً لأنّ عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا.

         وفي الحديث: دليل على أنه يجوز قتل الجاسوس. قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر ، وهو باتفاق .

وأما المعاهد والذمي: فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك.

        وروي عن الإمام مالك بن أنس قوله: «الجاسوس المسلم الحكم الشرعي فيه: القتل مطلقا؛ لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، وهو حد الحرابة» (تفسير القرطبي ‏18/‏50-‏ ‏53).

        ‏ووافقه بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه. وعند الشافعي ينتقض عهده إذا كان شرط عليه ذلك .

        وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :  «وأما مالك وغيره فحكي عنه أن من الجرائم ما يبلغ به القتل ، ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين.. فإن أحمد يتوقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة كابن عقيل قتله ، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى».(السياسة الشرعية ص115-114، مجموع الفتاوى 35/405،345).

        وجاء في كتاب تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي : قال سحنون من المالكية: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قُتل ولم يُستتب (أي لم تطلب منه التوبة كما تطلب من المرتد)، ولا دية لورثته كالمحارب.. وقال ابن القاسم: يقتل، ولا يعرف لهذا توبة ، وهو كالزنديق. (أقضية الرسول[، ص191).   

        وقد أجاز الحنفية قتله سياسة ، كما أجازوا قتل الساحر والزنديق الداعي ؛ لأن كلا منهم يفسد في الأرض بسعيه في إفساد عقيدتهم.

        وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه القيم : قواعد الأحكام في مصالح الأنام  (1/ 19): إن «ما يسببه الجاسوس- الجاسوس الذي ظاهره الإسلام-أعظم عند الله من التولي يوم الزحف بغير عذر».

        وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته: من جمز إلى معسكر التتر، ولحق بهم ارتد، وحل ماله ودمه. نقلا عن (الدرر السنية 8/338، ومجموعة الرسائل النجدية 3/35)، وعلق الشيخ رشيد رضا في الحاشية بقوله: «وكذا كل من لحق بالكفار المحاربين للمسلمين وأعانهم عليهم، وهو صريح قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}.

        وقال الإمام ابن القيم معلقا على قصة حاطب رضي الله عنه: «‏فيه جواز قتل الجاسوس ، وإن كان مسلما، والعفو عن حاطب؛ لأنّ اللّه قد غفر لأهل بدر وهو منهم، فمن لم يكن كذلك جاز قتله، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد ، والفريقان يحتجان بقصة حاطب .‏

        ثم قال: والصحيح أنّ قتله راجع إلى رأي الإمام: فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه .‏ وهو رأي معقول يرجع فيه لتقدير المسؤولين ومصلحة الأمة، وقتله إما حداً وإما تعزيراً، وآية المحاربة والإفساد في الأرض فيها متسع للآراء».(زاد المعاد في هدي خير العباد ‏2/‏170).

         وقال في (الطرق الحكمية ص 156):  «يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله ، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل».

        وقال في الجاسوس الذمي : «الجاسوس عين المشركين وأعداء المسلمين ، وقد شرط على أهل الذمة ألا يؤووه في كنائسهم ومنازلهم ، فإن فعلوا انتقض عهدهم ، وحلت دماؤهم وأموالهم ، وهل يحتاج ثبوت ذلك إلى اشتراط إمام العصر له على أهل الذمة ؟ أم يكفي شرط عمر رضي الله عنه؟ على قولين معروفين للفقهاء» (أحكام أهل الذمة ص1233) .

        وقال الشوكاني تعقيبا على حديث فعل حاطب بن أبي بلتعة : وفي الحديث دليل على أنه يجوز قتل الجاسوس ، وأن فيه متمسكًا لمن قالوا : إنه يجوز قتل الجاسوس،، ولو كان من المسلمين».(نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار 8/166- 165).

        ولابد من التنبيه: على أن قتل الجاسوس ومن يسمى اليوم بالعميل هو من اختصاص الدولة الإسلامية، والحاكم المسلم، كغيره من الحدود والتعزيرات؛ حتى لا تحدث الفوضى والتجاوزات في بلاد المسلمين .

        كما يجب التثبت من عمالة المتهمين بالعمالة والخيانة؛ حتى لا يحكم على الناس بالظن، أو بمجرد التهمة التي لا دليل يدل عليها وقد قال ابن مسعود: «ادرأوا الحدود بالشبهات» ويروى مرفوعا.

         ويحكم على الرجل أو المرأة بالعمالة والجاسوسية بشهادته وإقراره، أو بالبينة الواضحة والأدلة الظاهرة، أو بشهادة رجلي عدل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك