حكم الإسلام في خيانة الأوطان!
- الخيانة صفة مذمومة فهي عكس الأمانة وتفريط في حقوق الآخرين وتضر بالفرد والمجتمع على حد سواء
- تُعد الخيانة في القرآن والسُنَّة نقضًا للعهود وإيذاءً للأمة وقد تصل في أحيانٍ إلى الردة إذا صدرت من المسلم عمدًا
- أنواع الخيانة متعددة ومتنوعة تشمل خيانة الدين والوطن والأمانات والعلم والمعاملات والمجالس وكلها تهدد الأمن الاجتماعي والأخلاقي
- الخيانة لها أثر تاريخي بالغ الخطورة فقد أدت إلى هزائم وفتن مثل خيانة أبو رغال وابن العلقمي وغيرهم مما يبين أن الضرر الداخلي غالبًا أشد وقعًا من الضرر الخارجي
- معاقبة الخائن من اختصاص الحاكم والدولة لضمان تحقيق العدالة ومنع الفوضى وللتأكد من ثبوت الجرائم قبل إصدار الحكم
- يجب تعزيز مفهوم الأمانة والوفاء في المجتمع الإسلامي منذ الصغر عبر التربية والتعليم والإرشاد الديني
- تأكيد سلطة الدولة في التعامل مع الخونة وضبط العقوبات يحقق العدالة ويحمي الأمن القومي والاجتماعي
- يجب التوعية المستمرة بمخاطر الخيانة وأنواعها وأثرها على الدين والوطن والمجتمع
- يجب تسليط الضوء على النماذج التاريخية للخيانة لتكون عبرة للأمة
- خيانة الأوطان يُطلق عليها: (الخيانة العظمى)؛ وذلك لما يترتَّب عليها من إهلاك للحَرث والنَّسل، وتهديدٍ لكيان الوطَن بأكمله
الخيانة صفةٌ مذمومةٌ حذر منها الإسلام، فهي تنهك المجتمعات، وتُضعف الأمة داخليًا قبل أن تهددها خارجيًا، ولقد كرّس الإسلام مقاصده في بناء مجتمع متكافل قائم على الأمانة والوفاء،وحذر من كل غدر ونقض للعهد والوعد ومن كل خيانة للأمانة ومن كل سعي وتقديم للمصلحة الشخصية على حساب الدين والوطن والمجتمع، فالخيانة ليست مجرد عمل فردي خطأ، بل هي جناية عظيمة تهدد استقرار الأمة، وتفتح المجال أمام أعدائها للتمدد والتسلط، وتثير الفتن الداخلية، وهي تشمل خيانة الله ورسوله، وخيانة الوطن، وخيانة الأعراض، وخيانة الأمانات والمعاملات؛ بل وخيانة العلم والمجالس والأهل؛ بما يعكس خطرها على جميع مستويات المجتمع.
أولاً: الخيانة لغةً واصطلاحًا
- جاء في لسان العرب لابن منظور أنَّ «الخَوْن» هو أن يُؤتمن الإنسان فلا ينصح، فيُقال: خانَه يخونه خَوْنًا وخيانةً وخانَةً ومخانةً.
- قال الجاحظ: الخيانة هي الاستبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم، وتملّك ما يستودع ومجاحدة مودعه، وفيها أيضا طيّ الأخبار إذا ندب لتأديتها، وتحريف الرّسائل إذا تحمّلها فصرفها عن وجوهها.
- وقال المناويّ: الخيانة: هي التّفريط في الأمانة، وقيل: هي مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ.
- وقال الكفويّ: إنّ الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، وخيانة الأعين: ما تسارق من النّظر إلى ما لا يحلّ.
- وقال ابن الجوزيّ: الخيانة هي التّفريط فيما يؤتمن الإنسان عليه، ونقيضها: الأمانة.
- وقال القرطبيّ: الخيانة هي الغدر وإخفاء الشّيء، ومنه يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ.

بين النفاق والخيانة
قال الرّاغب: الخيانة والنّفاق واحد، إلّا أنّ الخيانة تقال: اعتبارا بالعهد والأمانة، والنّفاق يقال: اعتبارا بالدّين، ثمّ يتداخلان، فالخيانة: مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ. ونقيض الخيانة الأمانة. يقال: خنت فلانا وخنت أمانة فلان. قال -تعالى-: {لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُم} (الأنفال: 28).ثانيًا: حكم الخيانة
عدّ الإمام الذّهبيّ الخيانة من الكبائر بدليل، وقال: «الخيانة قبيحة في كلّ شيء، وبعضها شرّ من بعض، وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم»، أمّا ابن حجر فقد ذكر: أنّ الخيانة في الأمانات والوديعة والعين المرهونة والمستأجرة أو غير ذلك من الكبائر، وقال: عدّ ذلك كبيرة هو ما صرّح به غير واحد، وظاهر ممّا ذكر في الآيات والأحاديث.ثالثاً: الخيانة في القرآن الكريم
وردَت في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تحذِّرنا من صِفة الخيانة، ومن الميل إلى الخائنين أو الركون إليهم، أو الدِّفاع عنهم؛ فالله -تعالى- يُبطِل خيانتهم ولا يُصلِح لهم عملًا، قال -تعالى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (النساء: 105)، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27)، وقال -تعالى-: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال: 58)، وقال -تعالى-: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 71)، وقال -تعالى-: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} (يوسف: 52)، وقال -تعالى-: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19)، وهكذا نجد الآيات التي تربِّي مجتمعًا نظيفًا خاليًا من هذه الآفَة؛ بل تسد كلَّ الأبواب الموصلة إليها، ولم يرخِّص الله -تعالى- استعمالَها حتى مع أعداء الإسلام.
من معاني كلمة (الخيانة) في القرآن الكريم
- المعصية: ومنه قوله- تعالى-: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ}(البقرة:187).
- نقض العهد: ومنه قوله -تعالى- في الأنفال: {وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ} (الأنفال: 58).
- ترك الأمانة: ومنه قوله- تعالى- في النّساء{ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً }(النساء: 105)، نزلت في طعمة بن أبيرق المنافق كان عنده درع فخانها.
- المخالفة في الدّين: ومنه قوله- تعالى- في التّحريم: {كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما} (التحريم: 10).
رابعًا: الخيانة في السُنَّة النبويَّة
إنَّ الأحاديث النبوية المُطهرة بها ما يسدُّ الذرائع أمام هذه الآفَة الخطيرة بكلِّ أشكالها، ما صغر منها وما كبر، وما قلَّ منها وما كثر: عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «آيَة المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا اؤتمن خان»، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ خيركم قرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويَخونون ولا يؤتمنون، ويَنذرون ولا يُوفُون، ويظهر فيهم السِّمن»، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سيأتي على النَّاس سنوات خدَّاعات؛ يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصَّادق، ويُؤتمن فيها الخائنُ، ويُخون فيها الأمين، وينطِق فيها الرُّوَيْبِضة، قيل: وما الرُّويبِضة؟ قال: الرجل التَّافِه في أمر العامَّة»، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تقوَّل عليَّ ما لم أقل، فليتبوَّأ مقعده من النَّار، ومَن أُفتيَ بفتيا بغير علمٍ، كان إثم ذلك على مَن أفتاه، ومَن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رُشد، فقد خانه»، وعن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: بعَث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من الأزد يقال: له ابن اللُّتْبِيَّةِ على الصَّدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي إليَّ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال العامِل نبعثه، فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليَّ؟! ألا جلَس في بيت أبيه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟ !والذي نفسُ محمد بيده، لا نَبعث أحدًا منكم فيأخذ شيئًا إلَّا جاء يوم القيامة يَحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيعِر، فرفع يديه حتى رأيتُ عفرة إبطيه فقال: اللهمَّ هل بلَّغت؟ ثلاثًا».
خامسًا: أنواع الخيانة
هناك أنواع عَديدة من الخيانات، يقَع فيها الناس استهانة بأمرها، وهم لا يُدركون أنَّها من أبشَع أنواع الخيانة؛ فالخيانة لها أشكال متعدِّدة، نذكرها دون الخوض في التفاصيل:- خيانة الله ورسولِه من خلال: تعدِّي الحدود، وتعطيلِ الفرائض، وانتهاك الحرمات.
- خيانة الوطن عن طريق: موالاة أعداء الله -تعالى- ومداهنتهم، والميل والركون إليهم.
- خيانة الأعراض، وإفشاء الأسرار الزوجية.
- الخيانة في البيع والشراء والكسب غير المشروع، بأيِّ وسيلة كانت.
- خيانة المجالس وإفشاء أسرارها.
- خيانة العلم؛ بأن يُحرِّف العلماء كلامَ الله -تعالى-، أو يقولوا ما لا يعلمون، أو بكتمان ما أنزل الله -تعالى-.
- خيانة الودائع؛ بعدم ردِّها، أو بإتلافها، أو بالمماطلة في أدائها.
- خيانة تضييع الأهل؛ بإهمالهم، وعدم تعهدهم بالتربية والنصح والإرشاد.
سادسًا: نماذج لمن اشتهرت عنهم الخيانة
لاشك أن الخيانة موجودة في كلِّ الأمم في وقت السلم، وتشتدُّ في الحرب، ولم يَسلم منها زمان دون زَمان، ولا مكان دون مكان، بل لم يَسلم منها أفضَل زمان بوجود أفضل رجل ورجال، زمَن النبي وصحابته الكرام، فكيف بمن بعده؟! (1) أبو رغال الخائن الأكبر: يُصوَّر أبو رِغال في الذاكرة العربية رمزًا للخيانة، حتى غدا اسمه مَثَلًا يُضرَب لكلِّ خائنٍ من العرب. وقد عُرفت عندهم - قبل الإسلام - شعيرةٌ تمثَّلت في رجم قبره عقب الحج، واستمرَّت هذه العادة منذ واقعة أبرهة الأشرم، حاكم اليمن من قِبَل النجاشي ملك الحبشة، عام الفيل (571م)، إلى أن جاء الإسلام، وذلك أنَّ أبرهة حين توجَّه بجيشه لهدم الكعبة لم يكن على درايةٍ بموقعها، فكان يستعين بأدلَّاء من العرب، غير أنَّهم أبَوا أن يدلُّوه مهما أُغْروا بالمال؛ إلا أبا رِغال، الذي قبل أن يكون دليلًا له، فاقترن اسمه بالخيانة، وصار جزاؤه من جنس عمله؛ إذ أصبح عَلَمًا على كلِّ خائنٍ من بعده. (2) عبدالله بن أُبـيّ بن سلول: عبدالله بن أُبي بن سلول خان النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أُحد؛ عندما خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ألفٍ من أصحابه، فخذل عنه عبدالله بن أُبي بن سلول ثُلث الجيش، وقال قولته المشهورة: «أطاعهم وعصاني!»، يقول: «ما ندري علامَ نَقتل أنفسَنا هاهنا أيها الناس؟». (3) المرجِفون في غزوة تبوك: قال ابن إسحاق: وقد كان رَهط من المنافقين؛ منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجَع حليف لبني سلمة يقال له: مخشن بن حمير، قال ابن هشام: ويقال: مخشي، يشيرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلِق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جِلاد بني الأصفر -يعنون الروم- كقِتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنَّا بكم غدًا مُقرنين في الحبال؛ إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين. (4) عبدالله بن سبأ المعروف بـابن السوداء: لقد كان لعبداللهِ بنِ سبأ - كما تُورِده كتبُ التاريخ - دورٌ بارزٌ في تأجيجِ الفتنةِ العُظمى التي وقعت بين الصحابة -رضوانُ اللهِ عليهم-، ولا سيما في أحداثِ وقعةِ الجمل، فقد جاء في البداية والنهاية أنَّه قال لبعض أتباعه: «يا قوم، إنَّ عزَّكم في خُلطةِ الناس، فإذا التقى الناسُ فأشعلوا بينهم الحربَ والقتال، ولا تدعوهم يجتمعون». (5) ابن العلقمي: كان ابنُ العلقمي وزيرًا للخليفة العباسي المستعصِم بالله، وقد نُسِب إليه في كتب التاريخ دورٌ بارزٌ في تسهيل دخول التتار إلى بغداد، وما ترتَّب على ذلك من سقوط الخلافة العباسية فيها. وتذكر الروايات أنَّه راسل هولاكو قائد التتار، مُبدِيًا استعدادَه لتسليم بغداد إن أقدم على غزوها، فاشترط عليه هولاكو - إن كان صادقًا في دعواه - أن يعمل على إضعاف العسكر وتفريقه، فلمَّا بلغ الكتابُ ابنَ العلقمي، أخذ يسعى لدى الخليفة، مُظهِرًا أنَّ كثرة الجند تُثقِل كاهل الدولة، وأنَّ التتار قد انصرفوا إلى بلادهم، فلا حاجة للإبقاء على هذه الأعداد الكبيرة؛ فمال الخليفةُ إلى رأيه، وأُطلِقَ تسريحُ أعدادٍ كبيرةٍ من الجند، قيل إنَّها بلغت نحو مائتي ألف فارس، ثم إنَّه - بحسب هذه الروايات - أعلم هولاكو بما تمَّ، فتقدَّم بجيشه نحو بغداد، حتى وقعت الواقعة، وانتهت بسقوطها سنة 656هـ، وما صاحب ذلك من قتلٍ وفسادٍ عظيمين. وتُورِد بعض الأخبار أنَّ هولاكو، لمَّا ظفر ببغداد، استدعى ابنَ العلقمي، فوبَّخه على خيانته، وعدَّ ذلك مما لا يُؤمَن معه جانبه، ثم أمر بقتله. (6) الوزير شاور: عاوَن شاور الصَّليبيين ضدَّ نور الدين محمود وصلاح الدين في الفترة من 562 هـ إلى 564 هـ، وحاول تمهيدَ الطَّريق لهم للاستيلاء على مصر؛ عن طريق الخيانة تارة، وعن طريق إشعالِ الحرائق في أنحاء القاهرة تارةً أخرى؛ حتى يضطرَّ الناس لمغادرتها، ويكون الطريق ممهدًا للصليبيين، وظلَّت نار الخيانة تَستعر إلى أن تمَّ قتل شاور، ومكَّن الله -تعالى- للمسلمين.
سابعًا: جزاء الخيانة في الشريعة
إنَّ خيانة الأوطان يُطلق عليها: (الخيانة العظمى)؛ وذلك لما يترتَّب عليها من إهلاك للحَرث والنَّسل، وتهديدٍ لكيان الوطَن بأكمله؛ فهي ليست كغيرها من الخيانات، ومن ثم لابدَّ وأن تكون عقوبتها من أغلَظ العقوبات، وقد قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: «الخيانة قَبيحة في كلِّ شيء، وبعضها شرٌّ من بعض، وليس مَن خانك في فَلْس كمَن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم»، وقال الإمام القرطبي-رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} (الممتحنة:1)، قال: «من كثر تطلُّعه على عورات المسلمين، ويعرِّف عدوَّهم بأخبارهم، لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فِعله لغرَض دنيوي، واعتقاده على ذلك سَليم؛ كما فعل حاطِب حين قصد بذلك اتِّخاذ اليَد، ولم يَنوِ الردَّة عن الدِّين». وقال أيضًا: «إذا قلنا: لا يكون بذلك كافرًا، فهل يُقتل بذلك حدًّا أم لا؟ اختلف الناس فيه؛ فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يَجتهد في ذلك الإمامُ، وقال عبدالملك: إذا كانت عادته تلك، قُتل؛ لأنَّه جاسوس، وقد قال مالك بقَتل الجاسوس، وهو صحيح؛ لإضراره بالمسلمين، وسعيِه بالفساد في الأرض، ولعلَّ ابن الماجشون إنما اتَّخذ التكرار في هذا؛ لأنَّ حاطبًا أُخذ في أول فعله»؛ والله أعلم.
الطابور الخامس
في العصر الحديث، شاع إطلاق مصطلحي: (الطابور الخامس) و(الخيانة العظمى) على الخونة وأعوانهم؛ إذ يُعبِّر هذان الوصفان عن فئةٍ تنخر في جسد أوطانها خفيةً، وتنسج خيوطها في الظلام، متعاونةً - في الغالب - مع أعداء الداخل أو الخارج، سعيًا إلى التخريب والتضليل، وبثِّ الفوضى، وزعزعةِ الاستقرار، وتكون الخيانة العظمى حين يبيع المرءُ ولاءه، فيجعل نفسه أداةً في يد دولةٍ أجنبية، يرعى مصالحها ويقدِّمها على مصلحة وطنه الذي ينتمي إليه؛ فيمسُّ أمنه، ويهدِّد استقراره، ويقوِّض مكانته، في صورةٍ هي من أبشع صور السقوط وأشدِّها أثرًا في وجدان الأمم.خيانة الدين ومحاربة المسلمين!
عدَّ علماءُ المسلمين التجسُّسَ على المسلمين لصالح أعدائهم خيانةً للدين، ومحاربةً للأمَّة، ومجاهرةً بالعداوة لها، وسعيًا في إيقاع الضرر بها - بل الهلاك - ومعاونةً لأهل الشرك والكفر عليها؛ وهي كلُّها من عظائم الذنوب وكبائر الآثام، وقد تبلغ بصاحبها حدَّ الردَّة إذا صدرت من مسلمٍ عن قصدٍ وولاءٍ ونصرةٍ للعدو. قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال: 27)، كما تُعدُّ هذه الأفعال نقضًا صريحًا للعهود والمواثيق إذا صدرت من المعاهَدين وأهل الذمَّة؛ إذ الشريعةُ تُقيم أمر العلاقات على الوفاء والالتزام، قال -تعالى-: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} (التوبة: 4)، وقال -سبحانه-: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} (التوبة: 7)، وقال -جلَّ شأنه-: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} (التوبة: 13)، فدلَّ ذلك كلُّه على أنَّ الخيانة - ولا سيما في مثل هذه المواطن - ليست مجرد مخالفةٍ عارضة، بل جنايةٌ عظيمةٌ تمسُّ الدينَ والأمَّة، وتنقض عرى الثقة، وتُهدِّد كيان المجتمع وأمنه.
معاقبة الخونة من اختصاص ولي الأمر
إنَّ إقامةَ العقوبات على الخونة - ممَّن يُصطلح على تسميتهم اليوم بالعملاء- إنما هو من اختصاص الدولة، ويتولَّاه الحاكمُ المسلم، شأنه في ذلك شأنُ سائر الحدود والتعزيرات؛ صيانةً للنظام، ومنعًا للفوضى والتعدِّي، وحفظًا لهيبة الشريعة وأمن المجتمع، كما أنَّه يجب التثبُّتُ غايةَ التثبُّت من ثبوت وصف العمالة أو الخيانة في حقِّ المتَّهَمين بها، حتى لا يُقضى على الناس بالظنون، أو تُلصَق بهم التُّهَم بغير بيِّنةٍ ولا برهان؛ فقد تقرَّر في أصول الشريعة درءُ الحدود بالشُّبهات، وجاء عن ابن مسعود -]- قوله: «ادرؤوا الحدودَ بالشبهات»، ويُروى مرفوعًا ولا يُحكَم على الرجل أو المرأة بالعمالة أو الجاسوسية إلا بثبوتٍ معتبرٍ شرعًا؛ كإقرارٍ صريح، أو بيِّنةٍ واضحة، أو أدلَّةٍ ظاهرةٍ قاطعة، أو شهادةِ رجلين عدلين تُثبت ما نُسِب إليه، وبذلك تُصان الدماء، وتُحفظ الحقوق، وتستقيم العدالة على أُسسها الراسخة.من مضار الخيانة
- تسخط الله- عزّ وجلّ- على العبد.
- داء وبيل إذا استشرى بالإنسان جرّده من إنسانيّته وجعله وحشا يهيم وراء ملذّاته.
- من علامات النّفاق.
- طريق موصل إلى العار في الدّنيا والنّار في الآخرة.
- أسوأ ما يبطن الإنسان.
- خيانة المجاهد في أهله أعظم جرما من خيانة غير المجاهد.
- انتشار الخيانة في المجتمع من علامات اضمحلاله وهو علامة من علامات السّاعة.
- انتشار الغلول والرّشوة والمطل والغشّ فكلّها من الخيانة.
لاتوجد تعليقات